Édition du
23 April 2018

سياسة تخطي راسي، أصابت رأس الجميع، ودمرت البلد

رشيد زياني الشريف

منذ أسابيع، يقوم الأطباء المقيمون باحتجاجات سلمية حضارية، للتعبير عن مطالبهم الأساسية المشروعة، التي من شأنها أن تسهم في تحسين وضع القطاع الذي أصبح منكوبا، ويدفع ثمنه الباهظ المريض، من الشعب بالدرجة الأول، لا من الساسة الذين لا يمكنهم معرفة أو الاهتمام أصلا بواقع هذا القطاع، بما أنهم يعالجون في مستشفيات أوروبا بأموال الدولة، لأتفه الأمور، ثم ثمنٌ يدفعه الطبيب الذي لا يجد الوسائل الأساسية الكفيلة بأداء مهامه العلاجية ولا الظروف المناسبة، أقلها توفير الأمن، ثم يُلام ويُحَمل المسؤولية عن وضع هو ضحيته وليس المسؤول عنه، هذا فضلا عن معاناته الشخصية والعائلية، في ظروف قاسية لا يمكن تصورها. تضافر هذه العوامل السلبية كلها، يعود بالضرر الجسيم على كافة فئات الشعب برمته، لكن ما سُجل بذهول، أنه بدلا من لإصغاء إليهم وفتح حوار نعهم ( أليسوا أطر في الدولة؟) لدراسة هذه المطالب بكل موضوعية والنظر فيها والتشاور بشأنها، عاملتهم السلطة، من جهة، بوحشية منقطعة النظير لا تليق حتى بأخطر المجرمين، ومن جهة أخرى، راحت تُسَوف وتماطل وتتلاعب، محاولة منها للنيل من عزيمة المضربين وإدخالهم في حالة من التفكك واليأس والإنهاك، فضلا عن التهديد بالعقاب وقطع رزقهم من خلال وقف راتبهم. وكالمعتاد، في معاملتها مع كل حركة احتجاجية يسلط هذا النظام آلياته المعتادة (الثلاثي) لكسر عظام هذا الحراك، من خلال عصا أجهزة الأمن التي أدمت المشاركين، وأقلام وكاميرات الإعلام المرتزق، لنهش لحم المحتجين بالافتراء عليهم، وتضليل الرأي العام بشأنهم والتحريض عليهم، وبتصريحات السياسيين الرسميين (وسكوت إجرامي حتى من المعارضين المفترضين)، لنزع الشرعية عن هذا الحراك.

في الواقع ليس ثمة أي وجه للغرابة على ما اقترفته السلطة إزاء الأطباء، وإن وُجِد ذهول، فهو فقط بالنسبة لمن لا يرى الصورة الكاملة للوضع السائد في البلد (في شتى القطاعات) ولم يدرك بعدُ طبيعة النظام القائم منذ عقود، لأن ما حدث أمرٌ مفهوم وطبيعي، لكونه صادر عن سلطة لا تولي الشعب أي اعتبار (بل تحتقره وتزدريه) ولم تكسب شرعيتها أصلا من خلال خياره، ولم تستول على الحكم لخدمة مصالحه، بل اعتمدت منذ تنصيبها، على كسر شوكته وقهره وإذلاله، لأنها تنظر إليه كعدو يقوض بقاءها ومن ثم وجب كسر حركته في المهد قبل أن يتسع مداه ويشكل خطرا يفرض عليها وضعا لا تستطيع التعامل معه، ولذا نجدها دائما في مواجهة الحراك الشعبي، تتصرف بطريقة استباقية، بإطلاق أذرعها الثلاثة، حتى قبل انطلاق حراك الاحتجاج.

إذا أدركنا أن ما تقوم به هذه السلطة أمرٌ « طبيعيٌ »، فإن ما لم يعُد مقبولا هو عدم إدراك المواطن عموما وفئات المجتمع، التي دأبت على الاحتجاج ورفع مطالبها، أن سلطة غير شرعية، غير مخولة أصلا للنظر في مطالبه ناهيك عن تحقيقها، وأن حقوقه  وكرامته، وحريته (بحسب مطالب كل فئة من فئات الشعب) لن تأتي بمنحة ومنٍ من هذا النظام بل بالنضال المستمر وتضافر جهود الجميع، حول أرضية مشتركة تحقق أساسيات المجتمع برمته.

وبالنظر إلى ما سبق ذكره، فإن احتجاجات الأطباء المقيمين ليست الأولى من نوعها، ومعاملتها الوحشية من قبل السلطة ليس جديدا، بل شهدت شتى مناطق الوطن آلاف الاحتجاجات وكان الرد واحدا من قبل السلطة بأذرعها الثلاثة.

سياسيًا، من جانب السلطة، انطلاقا من عدم شرعيتها ووعيها بذلك، فهي تخشى كل حراك يذكرها بوضعها ويهدد في نظرها بقائها، وترى فيه عدوا، بصرف النظر عن أي مطالب يرفعه، وليس من مهامها أن تستجيب له، أما الشق « المعارض »، فلا يختلف موقفه، حتى وإن تملق بتصريحات زئبقية، فلا يُفوت الفرصة للغمز في كل من يخرج ليحتج على النظام القائم، واتهماه بالشعْبوية والفوضى والمساس بالأمن والاستقرار، وزعمه عدم التصرف بالحكمة من أجل الصالح العام، والسبب في مثل هذا الموقف « السلطوي » المعارض، جد بسيط، هذه المعارضة المرخص لها من قبل السلطة، للقيام بدور محدد، تدرك أن بقاءها مرهون ببقاء هذه السلطة، وهي أيضا تنظر إلى الحراك ولاحتجاجات كنوع من الاعتراض عليها وعدم الاعتراف بشرعيتها كمعارضة.

أجهزة الأمن، لأنها ميلشيات بأتم معنى الكلمة، تأتمر بمن يدفع لها، وتم انتقائها بناء على معاير المليشيات والعصابات وليس بمعاير الكفاءة ودولة القانون، ونظرة فاحصة إلى تشكيلتها وطريقة تصرفها، في تعاملها مع الشعب كعدو يقهر ولا كمواطن يحافظ على أمنه، يجلي الصورة خير من ألف كتاب.

جهاز الإعلام، هو جزء لا يتجزأ من منظومة السلطة اللا شرعية، بكافة وسائلها المكتوبة والمسموعة والمرئية والإلكترونية (حتى التي تزعم أنها مستقلة) وقد ساعدت في تكريس تسلط النظام المتغلب وبررت دمويته بحجة الحفاظ على الجمهورية والديمقراطية والدولة، من خلال تجريم كل محاولة تغيير جدي.

نُذكر بذلك، للفت الانتباه بأن الاحتجاجات تُنَظم في ظل دولة القانون، أي لما تتوجه إلى سلطة شرعية ذات سيادية، فتحظى بالاهتمام ويُنصت إليها ويُستجاب لمطالبها عندما تكون موضوعية ومشروعة، لكن عندما تتم في ظل حكم عصابة متحكمة، فلا تجدي نفعا أمام سلطة مغتصبة، بل يقتضي الأمر مواجهتها بمقاومة شعبية حضارية بمطالب جامعة وليست فئوية.

ولأدل على عدم نية السلطة القائمة على إجراء أي نوع من الحوار والتفاوض والإصلاح، ما نراه يوميا من خلال إطلاقها العنان لعشرات الآلاف من عناصرها البوليسية المختلفة، لمحاصرة بضعة مئات وأحيانا عشرات الأفراد فقط، ولسان حالها يقول أنا موجودة بهذه القوة ولن أتردد في القضاء بلا رحمة على كل من يجادلني في بقائي، وهي ترمي من خلال الدفع بهذه الأعداد الهائلة، بعث رسالة ردع وتيئيس لكل من تُحدثه نفسه بالخروج للتضامن أو المشاركة في الاحتجاج، وفي الوقت نفسه، تعمل على استباق الوضع، لإدراكها، أنه في حالة انضمام كافة فئات الشعب للحراك، ستعجز لا محالة عن مقابلة الجماهير المنتفضة، بقوى كافية، فيبطل مفعول عصا الردع التي استعملتها على الدوام، وما لم نُدرك هذه الحقيقة ونتصرف وفقها، نظل نراوح مكننا وننهك قوانا قبل أن تنفك عرانا.

ونحن اليوم أمام امتحان وتمحيص، إذا تُرك اليوم الأطباء يصارعون لوحدهم دون تضامن باقي فئات الشعب، وفي غياب مساندة عريضة واعتبار قضيتهم هي قضية الجميع، من حيث المبدأ، لتكون بذلك هذه الهبة بمثابة خطوة في طريق بناء تضامن شامل يوحد صوت وصف الشعب بكافة أطيافه، ويرفع جميع مظالمه، من اجل استعادة حقوقهم المشروعة، بالنضال لا بالمن من السلطة، واستعادة حقه في دولة مدنية وقيادة منتخبة في ظروف نزيهة وشفافة، فلو سمحنا اليوم، لا قدر الله، بسقوط الأطباء وأدرنا لهم اليوم ظهرنا، ولم يعنينا كسر عظمهم وإراقة دمائهم، من قبل آلة العصابة، مثلما تركت أسر المختطفين وغيرهم، يواجهون وحدهم جرائم جيش المرتزقة، فلنكبر جميعا أربع، ولن يجد أحد منا من سيقف إلى جانبه، عندما يكون بحاجة إلى مساندة، لأن الكل قد قضى على نفسه في اللحظة التي اعتبر نفسه غير معني، وعندما سمح للعصابة برهن مصيره وسفك دمه، قبل 26 سنة بل وحتى قبل ذلك.

لكن دعونا نكون صرحاء مع النفس ونسأل لماذا وصلنا إلى هذا الوضع، أو هذا الدرك بالأخرى، وجعلنا السلطة تتجرأ علينا وتمعن في احتقارنا والتقليل من شأننا والاستهتار بحقوقنا؟ ألم يخرج عشرات الآلاف من المواطنين في آلاف المسيرات الاحتجاجية للمطالبة بحقوقهم وبالإنصاف ورفع الغبن على الشعب؟ ماذا كان مآلها؟ التعب والملل والإرهاق ثم  انفض الجمع وتلاشت الجهود والمبادرات. لماذا لم تفلح في تحقيق مطالبها؟ هل من قلة عدد وضعف العزيمة، كلا، لا هذا ولا ذاك، بل « غثاء كغثاء السيل ».

لأن الاحتجاجات كانت بالآلاف، والمشاركين، عشرات الآلاف، لكنها متفرقة من حيث المواقع، والزمن، والاهتمامات والمطالب، مما سهل على النظام القضاء عليها بطرق شتى وليس أقلها عزلها عن بعضها البعض، وانفراده بها الواحدة تلو الأخرى وكسره كل واحدة على حدة، بطرق وحيل شتى، منها تشويه سمعة من يقوم بها، وترك أبواقه تنهش لحمهم وعرضهم واتهامهم بالتخوين والتجريم أو اتهامهم بأن مطالبهم « سياسية »!!!

وكان الفخ ماكرا، فوقع فيه القائمون على هذه الاحتجاجات ولقفوا الطعم دون أن يدركون خطورته، وأنهم يقوضون حراكهم بأيديهم وينزعون عنه كل الشرعية وأسباب النجاح والانتشار، من خلال « تنصلهم » من التهم السياسية وكأنها جريمة، وكأنه ليس للمواطن الحق في رفع شعارات سياسية والنضال السياسي، فقبلوا باللعِب في المربع الذي حشرهم فيه النظام وحاصرهم فيه لامتلاكه الأسلحة المناسبة للقضاء عليهم في ذلك المربع، ولم يسألوا أنفسهم، لماذا يحظر عليهم النضال السياسي، وهم الأطر في الدولة في مختلف المجالات، فمن له الحق في حرمانهم من حقهم ذلك؟ لم ينتبهوا أن التهمة الباطلة لكنها المحبوكة بعناية، كان الغرض الأساسي منها، إبعادهم عن جمع الصفوف وتوسيع نطاق الحراك، وتفتيت النسيج وجعل كل طرف يتبرأ من مطالب الطرف الآخر، ومن ثم يقضي على نفسه بنفسه، فشهدنا بتعجب وذهول، كيف ارتفعت أصوات الكثير من قادة الاحتجاجات وهم يحلفونون أغلظ الأيمان بان مطالبهم غير سياسية!!!  وهل الاحتجاج للمطالبة بالحقوق والكرامة، هو ممارسة غير سياسية؟؟؟ بانسحابهم ذلك وتخليهم بمحض إرادتهم عن حقهم المشروع، مكنوا السلطة القضاء عليهم بمكر، وغفلة منهم!  فتتابعت الاحتجاجات وتبعها الفشل، وفات هؤلاء أنهم لو وحدوا صفوفهم للمطالبة بمطالب مشتركة بين جميع المحتجين، كالاجتماع حول نوع من الأرضية المشتركة، تقوم على مطالب العدل والإنصاف والحقوق، لانضمت الآلاف إلى لآلاف أخرى وتعاظم الحشد، واستحال القضاء عليهم، ولظفر الجميع في نهاية المطاف بحقوقهم، لكن للأسف سياسة « اخطي راسي » التي اعتقد أصحابها أنها تحقق لهم مكاسبهم وتضمن سلامتهم، جعلت الجميع يصاب في الرأس والقلب معا (الوطن برمته) ولم يفلح أحد منهم.

في الواقع سياسة تخطي راسي لم تبدأ اليوم أو قبل سنة أو حتى عشر سنوات؟ المشكلة أقدم من ذلك، وبدأت منذ أن سُرقت الجزائر في حين غفلة من أهلها، وتوطدت أرجل ومدرعات جيش الحدود بينما « الناس » يحتفلون بانجلاء « المستعمر »، وتواصل انسحاب الشعب عبر عقود، ثم بعد انقلاب 11 يناير 1992، كل يعتقد أن سلامته في إدارة ظهره للضحايا المتعاقبين، فتخلوا على ضحايا القتل خارج القانون، والاختطافات والاعتقالات والمجازر، وكلما اعتقدوا أنهم غير معنيين، كلما اقترب فحيح نار الإرهاب السلطوي من دائرتهم حتى أذاقهم بعض لهيبه. هل ما زال « تخطي راسي » يشكل طوق النجاة؟ فلنفقْ قبل أن يجرفنا طوفان لا يبقي ولا يذر.


Nombre de lectures : 2219
UN COMMENTAIRE

LAISSER UN COMMENTAIRE

*

*

  • Algérien éveillé
    8 février 2018 at 13 h 13 min - Reply

    Les revendications des résidents,ce sont des revendications politiques par excellence(n’en déplaise à leurs détracteurs)au moins dans le volet de la réforme globale d’un système de santé complètement délabré.Dire le contraire ça frôle la malhonnêteté intellectuelle, parfois naïvement.

    Donc bravo aux résidents de la CAMRA d’être à la tête d’un peloton qui ne cesse de s’agrandir!
    Tout l’honneur est à eux car ils ont exprimé tout haut ce que leurs aînés ne l’ont pas dénoncé à temps alors que tout le monde le savait.




    8
  • Congrès du Changement Démocratique