Édition du
20 June 2018

الأجندة السياسية الوطنية.. ضالة النخب والشعب معا!

http://www.alquds.co.uk 

بشير عمري

Mar 21, 2018

في إحدى مداخلاته التحليلية التلفزيونية الدقيقة للوضع العام في الجزائر، وآفاق إشكالاتها الاقتصادية والسياسية على وجه أخص، أعاب الوزير السابق للإعلام عبد العزيز رحابي، المعروف بمعارضته الشديدة لنظام بوتفليقة القائم، وتمت تنحيته من منصبه أثناء انعقاد مجلس للوزراء، من قبل الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة ـ أعاب على الجزائريين، لاسيما منهم النخب السياسية، المؤطرة منها حزبيا وغير المؤطرة، افتقارهم وافتقادهم لثقافة الأجندة السياسية، كما هو عليه الحال لدى الأمم والدول ذات التقاليد السياسية الكبرى، التي بها يتم حصر الرؤية ويتحدد المسار بشكل أوضح، ما يجعله قابلا للشرح والتشريح، فضلا عن أن هذا الغياب المفضوح لثقافة الأجندة، يعدم كل محاولة لنشوء نسق واحد للفعل السياسي تستقيم عليه التجربة الوطنية بكل تنوعها.

نقد في صميم العاهة التي تشوه الوعي بالوجود الوطني وآليات اشتغاله التي عسّرت من فرص التحول من مركزية الشخص وخياله القائم على الوهم الكاريزمي، إلى قوة الحظيرة المؤسساتية والرأي الجماعي الذي يعطي الخلود السلاسة والسلامة لسيرورة الدولة حقيقيا ومثاليا. هل يمكن فعلا الحديث عن أزمة الأجندة السياسية الوطنية، في ظل الإرادة المضمرة في عدم نشوء مجتمع سياسي قوي يمكنه إنتاج الخيال اللازم للمرور من لحظة النضال الوطني الأولى، لفترة ما بعد الاستقلال، إلى العمل الحزبي التعددي الموؤد بداية تسعينيات القرن الفائت؟ وهل نملك مؤسسات صناعة الإنسان «الوطني» أو المواطن الواعي، حتى ننظر قيمة مضافة في تاريخ الحركة السياسية والوطنية، التي نشات بانبلاج عصر القطريات العربية المستقلة؟ كلها أسئلة تحيلنا إلى ارتجاع نقدي للحظة ميلاد السلطة القُطرية في الوطن العربي، انطلاقا من تجربة الجزائر التي تم فيها تجميد كل آليات وأدوات ورؤى التحول، من خطاب وممارسات الوطنية المتحدة القتالية للآخر، إلى الوطنية المتعددة البانية للأنا، وفق مشروطيات الحالة الاستقلالية القاطعة من أدوات الكفاح والقتال للآخر.  
هنا تتوجب الإشارة إلى أن ثقافة الأجندة الوطنية، هي وليدة السريان الموضوعي والسلس للحراك السياسي الوطني، التي تترسخ من تراكم التجربة على صعيد العملية السياسية المتداعى من كل الإطراف لقواعدها، وفق خط سير له مرجعه في الذات الجمعية والضمير الوطني، مع مشروعية الاختلاف في التفاصبل المتصلة بالأولويات المشروعاتية، وهذا ما يضفي على الحراك الوطني الحالة النسقية التي تعطي هوية للمجتمع السياسي للبلاد.

كل هذا يدعونا للتساؤل فعلا، إن كان جُماع ذلك حاصلا فعلا في تجربة الدولة الوطنية في الجزائر، طيلة مراحل ما بعد الاستقلال، فالواضح أن طيلة فترة الأحادية التي بسطت من خلالها جماعة وجدة بالتواتر والتوارث، يدها على الحكم، مضت شؤون الامة وفق إرادة واحدة، تقصدت استبقاء الوضع القائم المتسم بالحكم الفرعوني بعيدا عن خصوصيات البلد الثقافية والسوسيولوجية، مستشرفا أفقا لا يمكنه أن يرقى بالامة سوى على صُعد المستهلك من خطابات الديماغوجية الوطنية، المجردة من كل موضوعات وموضوعيات التاريخ.
رُسِم التصنيع و»الترييف» في الوقت ذاته، وفق رؤى جاهزة مستوردة بعيدا عن إرادة الشعب، واستُنفرت في مثل تلك المشروعات جهود وأسرفت عليه أوقات واستنزفت خزائن الشعب، قبل أن يتم تكسير كل تلك الممتلكات والمقدرات قبل أن تصل أفق الاجندة الحالمة، اتباع بالأثمان الرمزية على الأوليغارشية المصطنعة. أما على صعيد إرادة البناء السياسي للبلاد أو إعادة بنائها وفق الموحى والموصى من التغيرات، التي عرفتها أنساق العمل السياسي في العالم، واتساع نطاق الحرية الفردية على حساب حرية الجماعة، فقد مضى فيها حكم السلطة الفعلية المستديمة بحجية شرعيتها التاريخية، وتم تعطيل مشروع الانتقال من الأحادية الفعلية إلى التعددية الفاعلة، بخلق نموذج سوقي وتسويقي لإرادة التغيير الكاذبة، عبر إنتاج موديل عالمي للسياسة يرتكز على فكرة ديمقراطية وتعددية الواجهة، التي داخلها غير خارجها بالمرة. وحين تغيب الأجندة، تتكرس العشوائية والتلقائية ويحل التخليط محل التخطيط، فيتلاشى الحساب ويتأكد اللاعقاب لتموت المسؤولية في ثنايا الفوضى، ناهيك عن تفشي الفساد الذي يغدو بلا حد في الأفق كما في القاع، تلكم أهم مخاطر اللاأجندة على حياة الشعوب والأمم، ويجب التفريق بين الأجندة والتخطيط، فالأولى عنوان كبير للثاني، الذي يظل الاطار التفصيلي لها، والشعوب التي سارت على ثقافة الأجندة حافظت على تواصل واستمرار وجودها النسقي في كامل صعد التطور السياسي منها والاقتصادي، وحافظت على بُناها الرمزية والهوياتية، نأت بنفسها بالتالي عن السقوط في وهدة البحث عن الذات، كأداة من النخب الحاكمة لتلهية النخب الثقافية والفكرية والزج بالشعوب في توافه خلافات لا تخدم الافراد ولا الجماعات في شيء.

ومبدأ الأجندة يقي الكيان الوطني من جرم المس بثوابت بناه، عبر اغتصاب نصوصه الوطنية المقدسة، وعلى رأسها الدستور، واستباحته بالشكل الذي يجعله مبتذلا ويجعله أضحوكة الجماعة الوطنية، فضلا عن الرأي العام الدولي الذي سيصنف الدولة المستباحة والمستبيحة لدستورها بكل التصانيف التي تُلحق بالعصب الإجرامية في كل لغات العالم، ويضعها بالتالي موضع الدولة الفاشلة. إذن بعد كل الذي تقدم، تتضح مكامن الارتكاس الكبير الذي حدث للمجتمع، بعد أن صار الهدوء الاسود، والسلم الفوقي الذي ساد البلاد والعباد طيلة سنوات الوصاية الأحادية، هو مطلب الناس، ولا مطلب لهم سواه، فانتحر المستقبل في الزمن الجزائري، وضاعت فرص النهوض من كوابيس التاريخ والفكاك من قيود كبلت الإرادة في الخلاص من كل أشكال الوصاية والاندراج في سياق البناء الموضوعي للأمة، وفق نموذج الأجندة بكل أبعادها الزمانية ونطاقات اشتغالها تجسد عبقرية الأمة وممشاها الطبيعي في التاريخ، وإلى أن يحين زمن الأجندة السياسية، سيبقى الكل يبطش كيفما شاء وأنى شاء باسم برنامج فخامة الرئيس!
كاتب صحافي جزائري


Nombre de lectures : 1035
PAS DE COMMENTAIRES

LAISSER UN COMMENTAIRE

*

*

Congrès du Changement Démocratique