مخاطر تحول الفاعل الاجتماعي إلى محور المعارضة للسلطة في الجزائر
Édition du
19 August 2018

مخاطر تحول الفاعل الاجتماعي إلى محور المعارضة للسلطة في الجزائر

http://www.alquds.co.uk

بشير عمري

Jun 02, 2018

لا يصعب على الراصد للمشهد الجزائري، في حاصل أزمته المتشعبة والمترابطة على صعيدي التاريخ والواقع، أن يرى تلك المفارقات الكبرى التي يصنعها تصرف سلطة ناشئة من نظام مارق، عن كل بُنى سياسية أتت بها أنماط الحكم في العلوم السياسية، وتطبيقات السياسة المعاصرتين، حين تضغط على المجتمع من كل جوانبه في الوقت نفسه، بما لا يسمح لفكر وحركة التغيير أن ينبلجا وينقلا المجتمع والأمة إلى حيث تفرضه المتغيرات الحاصلة في التاريخ.
إذ في الوقت الذي لا تزال فيه المعارضة واقعة بين كماشة هذه السلطة على مستويي الخطاب والممارسة، من خلال التضييق والتكسير الممنهج من الداخل، تواجه حركات الاحتجاج القطاعية ذات المطالب الاجتماعية بالصلف والشطط العنتري ذاتهما، حتى تضمن عدم خروج المجتمع إلى الخلاص من باب «الاجتماعي»، بعد أن ضمنت عدم حدوث ذلك من باب «السياسي»، فما هي حقيقة هذا السلوك الناشز عن كل أعراف الممارسة السلطوية في التاريخ؟ ما هي جذوره وأسباب بقائه واستشرائه في المجتمعين السياسي والمدني في الجزائر؟

قبل الاسترسال في الإجابة عن تلكم الأسئلة، تقتضي منا حاجة التحليل الموضوعي للإشكال، الرجوع إلى المناشئ الأولى للوعي بالجماعة الوطنية، وبداية العمل النضالي النقابي منه والسياسي، لتأكيد الهوية الخاصة، فجوهر الإشكال الذي صاحبها، إنما تمحور حول الظاهرة التصارعية بين الزعيم والجماعة، فعلى سيناريو كهذا لقصة طويلة تمتد إلى راهن الجزائريين اليوم، تشكل العقل السياسي الوطني، الذي أريد له أن ينهض وينشأ على فكرة أن القضية الوطنية ومشروع الأمة ومسارات تجسيد كل الأحلام العامة على أرض الواقع، إنما يتوجب أن تتجسد في شخص الزعيم، أبو الوطنية، باني الاشتراكية، برنامج فخامته.. إلى غير ذلك من أنماط التعبير المضلة.

وعي زائف شكّل عقل الجزائريين السياسي المعاق في ظل صمت العديد من النخب وخيانة بعضها، وفوّت عليهم فرصة القبض على مدارك الحقيقة الكبرى، من أن مصادرة تضحيات المجتمع وجهوده في تصحيح مسارات التاريخ، بإزاحة الاستعمار وتثبيت الهوية، وإعادة الوجود الوطني إلى طبيعته، إنما هي خاصته هو (أي المجتمع) المتولدة عن تفاعلاته المستمرة مع التاريخ، وليس لزعيم أي كان حضوره في مسارح الخطاب الوطني من فضل في ذلك، وهكذا تسليم واستسلام قواعد الوعي الشعبية الطبيعية إلى وهم الزعيم، عطّل كل محاولات التوجه نحو بناء دولة القانون والمؤسسات، والعلاقة التعاقدية التي تربط بين جل هذه المكونات، وبالتالي عطّل تطور السياسة ومجتمعها في الجزائر، وهو ما يتجلي من فشل التعددية، التي هي على أعتاب طي عقدها الثالث، تحت إمرة شخص يرأس البلاد منذ نهاية القرن الفائت، ووزير أول يروح ويجيء على رأس وزارته في سراء الاقتصاد البازاري للبلاد وضرائه!

كما أن حقيقة البنية السلطوية في الجزائر، البعيدة كليا عن نظائر ونظريات السياسة في العالم، توضح أن الزعيم ليس أكثر من إرادة جماعة غير مرئية، يحقق مطامحها ومطامعها، وفي حال تمرد استدعى من الجماعة إسقاطه، بتحريك معاول التخريب الذاتي واستعمال الاستعلام وتفتيح ملفات الماضي والحاضر، لتأليب الرأي العام، بل تحريكه ضده، وهو ما حصل مع الشاذلي ومع زروال في التجربتين الشهيرتين.

سوء إدارة فعل المعارضة للجيل المعارض الثاني بعد ذاك، الذي تولد عن خطيئة بناء النظام الناشز عن التاريخ، الذي جاء في أعقاب انقلاب جماعة وجدة، والذي احتكر الوعي والتاريخ والإنسان بشكل أحادي، أخر مجددا نشوء مجتمع السياسة بأدواته التغيرية الراقية، التي على رأسها قوة العزل القانوني، وسيادة الاقتراع العام، فالمعارضة في جيلها الثاني مارست نشاطها بمعزل عن أي اتصال معرفي بجذور وأسس تشكل العقل السياسي الوطني، وخطايا تضليله وضلال المهيمنين عليه، فسقط جل تشكيلتها بمختلف توجهاتها وأحجام قواعدها الشعبية، وأوعيتها الانتخابية في آلية التأزيم والتكسير من الداخل، أفقدتهم وحدتهم ومصداقيتهم لدى قواعدهم، وانفرط عقد جل التنظيمات الكبرى، بما في ذلك السمت الأيديولوجي الواضح (التياران القبائلي والإسلامي)، ليستباح حقل السياسة بشكل نهائي من طرف المفسدين، ويسقط السياسي من وعي التغيير الجماهيري، بعد أن استحال إلى انتهازي عالق بوحل الفساد.

سقوط السياسي الممنهج والمبرمج لدى القواعد الشعبية، وإعلان إفلاس النخب بشتى مواقعها وأطيافها وولائها للمصلحة الخاصة على حساب العامة، جعل المواطن يلتجأ إلى جزئية المطلب الاجتماعي المهني، يبني عليها احتجاجه على قرارات السلطة الاقتصادية، وطبعا المعارضة الاجتماعية والمهنية، رغم خطورة قوتها وقدرتها، التي قد لا تقف عند حد تغيير سلطة، بل لها أن تصل إلى حد تدميرها، مثلما حدث مع نقابة التضامن المحظورة في بولندا، مطلع ثمانينيات القرن الفائت، في مواجهة النظام الشيوعي الأحادي، لكن حالة الانفصال التكويني، التي لازمت العلاقة بين النقابي والسياسي على صعيد المعارضة، عكس ما هو حاصل على مستوى السلطة حين يتكامل الطرفان بشكل فوقي تام وكامل، سيجعل من قدرة التغيير الاجتماعي محدودة، وهيمنة السياسي السلطوي كبيرة، وهذا ما يتجلى في عراك الشارع بين عدة قطاعات مهنية واجتماعية، أبرزها حركة الأطباء المقيمين المطلبية، التي تواجه بقسوة وعنف غير مسبوقين وسط سكوت عجيب وغريب من السياسي المعارض دونما شهادة على كل ما يجري من على مسرح الهزيمة. 

لكن ما ينبغي التنبيه إليه هو أنه بارتهان السلطة للآلة الاجتماعية بإقصائها للفاعل السياسي، تكون قد جازفت بوجودها، طالما أن الاقتصاد الجزائري الذي أقامته هي عبر سلسلة أجيالها على النفعية والانتفاعية الريعية، لم يعد لها القدرة على إلجام مجتمع تتضاعف بنيته الديموغرافية، وتتسع نطاقات مطالبه الاجتماعية، التي قد تغدو في احتجاجاتها قوة جارفة، لا تسع كل الطفرات النفطية على إسكاتها مثلما حدث مع نظام مبارك، الذي أطاح به غضب العشوائيات والفئات المحرومة، التي لم تجد استعمالا ذكيا من سياسيي المعارضة، فانهارت أمام الثورة المضادة التي مولتها دول الخليج، وأغدقت على جياعها بالمال والغذاء الآني الذي في حقيقته غذاء لا يسمن ولا يغني من جوع التاريخ.

من هنا يتضح أن عورة السياسي الجزائري هو في عدم قدرته على اكتشاف عورة النظام المركب، مذ تراءت إرهاصات الذات الوطنية السياسية، وبداية تشكل وعي الدولة المستقلة قبيل فترة الاستقلال بقليل، لأن شمولية السلطة وقدرتها على التستر خلف ممارستها للشمولية تلك بتوظيف أدوات الجذب والسحر النفعي الخاص، كما كان الشأن مع تحالف الرئاسة في عهدتي بوتفليقة الأوليين، أعاق التمشي الطبيعي الذي كان قد بدأه المجتمع باتجاه التغيير، عبر تعددية صاخبة وصادقة تم التعجيل بتنكيسها وتشويهها، رغم أنها لم تعمر أكثر من ثلاث سنوات، فالحقل الاجتماعي، قد يكون فيصل التغيير، والفاصل في معركة السلطة المركبة مع مجتمع جديد متكاثر العدد، يخلو من أداة القيادة السياسية المعارضة، ويسعى للتحرر من القيادة النقابية للسلطة، وهو ما سيجعل التكهن بالمآل أكثر من صعب على الأقل على المدى المنظور.

كاتب جزائري


Nombre de lectures : 1392
PAS DE COMMENTAIRES

LAISSER UN COMMENTAIRE

*

*

Congrès du Changement Démocratique