Édition du
18 July 2018

انقلاب 19 جوان 1965

عبد العزيز بوباكير
ل « الخبر »

بن بلة كان يعتقد بأن جماعة وجدة لن تجرؤ على الإطاحة به

حاوره: حميد عبد القادر

عنوان الكتاب عبارة عن سؤال كالتالي: « 19 جوان 1965 انقلاب أم تصحيح ثوري؟، هل يقدم جوابا؟

العنوان الاستفهامي للكتاب يعني أنّ الفكرة ليست الإجابة بـ »نعم » أو بـ »لا » بقدر تركيزها على الحيثيّات التي سبقت الحدث أو تلك التي أعقبته من وجهات نظر مختلفة. وذلك لحساسية هذا السؤال في المخيال الجزائري وارتباطه بشخصيةالرئيس الراحل هواري بومدين بما تشكلّه من رمزية لدى الجزائريين الذين آمنوا بمشروعه وتبنوه. فلا محالة أنّه كان مخلّصا بالنسبة للكثيرين من أزمة أنقدت الدولة الجزائريّة وثورتها الفتيّة، في حين مثّل بالنسبة لمعارضيه اغتصابا للسّلطة وبداية لحكم أوليغارشي عسكريّ مستبدّ دام 13 سنة.
بومدين كان يخطط للاستيلاء على الحكم منذ وصوله الى قيادة هيئة الاركان، لكنه كان في حاجة إلى غطاء مدنيّ لإضفاء الشرعيّة على غاياته. حاول في البداية مع بوضياف، لكن هذا الأخير رفض أن يحكم تحت « جزمة العسكر ». فاستقرّ رأيه على أحمد بن بلة رغم العديد من التحفظات عليه، ومنها ما كان يقوله عنه أنّه (أي بن بلة) لم يطلق رصاصة واحدة أثناء الثورة. وظل بومدين يعتبر بن بلة جملة معترضة في مسار الثورة سرعان ما تمحى وتزول.
كان بن بلة على علم بما يحاك ضده من تآمر بدليل انّه قدّم وزير دفاعه بومدين إلى أحد الصحافيين الأجانب بالقول: « هذا الرجل يتآمر ضدّي ». لكنه كان راسخ الاعتقاد بأنّ جماعة القاراقوز ويقصد بها جماعة وجدة لن تجرؤ على الإطاحة به نظرا لما كان يتمتّع به من دعم خارجيّ مستمد من هالة الثورة الجزائريّة. وكانت الاستعدادات جارية آنذاك لانعقاد الندوة الأفروآسيوية في الجزائر في شهر سبتمبر. وحتى ذلك الوقت كان بن بلة قد نجح إلى حدّ ما في تفكيك جماعة وجدة وركز بين يديه كلّ السلطات: رئاسة الحكومة، الداخلية، المالية، الإعلام، الحزب، وأراد تنحية عبد العزيز بوتفليقة من وزارة الخارجيّة ولن يبقى له في النهاية إلاّ رأس العُصبة أو جماعة وجدة :هواري بومدين. 

كيف تمّ اِختيار تاريخ 19 جوان؟

الحركة كان من المفروض أن تتم يوم 17 جوان في وهران بعد خروج الرئيس من المقابلة التي جمعت الجزائر والبرازيل، أي أنّ الذي كان سيعتقله هو الشاذلي بن جديد الذي كان آنذاك قائدا للناحية العسكريّة الثانية, لكن الأمر أجّل إلى يوم 19 خوفا من ردّة فعل الأنصار وبسبب حضور الصحافة الوطنيّة والأجنبيّة. واِعتقلته ليلا في مسكنه بفيلا جولي جماعة على رأسها الطاهر الزبيري الذي دبر بدوره محاولة اِنقلاب فاشلة ضدّ بومدين بعد سنتين.
ما هي أهم الأسباب التي تقف وراء وقوع ما جرى يوم 19 جوان؟
في بيان 19 جوان اتّهم بن بلة بالاستحواذ على الحكم والديماغوجيّة والارتجال والنزعة الشعبويّة وتبديد طاقات الشعب وسوء التسيير، لكن هذه نعوت يمكن ان تستعملها أيّ حركة تسعى إلى تغيير نظام الحكم في أيّ بلد. لقد وعدت جماعة وجدة بإصدار كتاب أبيض يقدّمون فيه أسباب وحيثيّات حركتهم لكنهم لم يقوموا بذلك. واحتاروا في تسمية الحركة التي أقدموا عليها.

هل هو اِنقلاب أم تصحيح ثوريّ؟ 

لا أحد يجيبك عن هذا السؤال، حتى مدبّرو العمليّة. هل قاموا بانقلاب ككلّ الانقلابات التي يُخطّط لها الديكتاتوريون والمتعطشون إلى السلطة والمغامرون في بلدان إفريقيا وأمريكا اللاتينيّة والوطن العربي، أم أنّهم أعادوا، كما يزعمون، الثورة إلى مجراها الطبيعيّ، بعد أن اِنحرفت بفعل إغراءات الحكم الفرديّ؟ فإذا كان من المتعارف عليه أنّ الانقلاب هو الاستيلاء على الحكم بوسائل غير دستوريّة، وأنّ الانقلابيين يلجؤون دائما إلى القوة ويعتمدون على دعم جزء من الطبقة السياسيّة والمجتمع المدنيّ، يصبح 19 جوان- من هذا المنظور – انقلابا بكل المقاييس والمواصفات، بالرغم من أن مدبّريه يجدون حتى اليوم حرجا كبيرا في الاعتراف بذلك.
فهذا هواري بومدين يردّ على سؤال جريدة « الأهرام » المصريّة بعد عملية 19 جوان: « يجب أن نتفق حول جوهر وطبيعة الانقلاب. الانقلاب العسكريّ هو في حقيقة الأمر عمليّة عسكريّة بحتة تقوم بها مجموعة تنتمي إلى جيش كلاسيكيّ، مجموعة مُغامِرة ترمي إلى الاستيلاء على الحكم وخدمة مصالحها الضيّقة، أمّا نحن فلسنا جيشا من المرتزقة.. هل يصحّ القول إنّ 19 جوان هو انقلاب يُشبه الانقلابات التي تحدث في أمريكا اللاتينيّة مثلا؟ صحيح أنّ الدبّابات خرجت إلى الشوارع لوقت قصير، هل فرضنا حالة الطوارئ؟ هل أعلننا حظر التجوّل؟ هل تمّ حلّ أيّ منظمة جماهيريّة أو تنظيم وطنيّ؟ ».
تبريرات واهية وحجج غير مقنعة من الرأس المدبّرة للعمليّة، إذا قارنا أسباب الحركة بالنتائج التي أفرزتها بعد سنوات، وهي الحكم الفرديّ والاستبداد.
غير أنّه إذا أمعنا النظر في التغييرات الحاسمة التي حدثت في الجزائر، من منظور الاستيلاء على الحكم بوسائل غير دستوريّة وباستعمال القوة أحيانا، يصبح تاريخنا المعاصر مرصّعا بسلسلة من الانقلابات والمقالب، لا تنتهي إلاّ لتأخذ حقّها الطبيعيّ في أيّ تغيير… والأمثلة كثيرة.
اِحتار مدبّرو العمليّة في تسمية حركتهم فكلمة اِنقلاب مزعجة سياسيا فتفطّن بوتفليقة الى تسمية التّصحيح الثوريّ التي أخذها من شوان لاي الوزير الأوّل الصينيّ.

يحتوي الكتاب على أراء ومواقف الفاعلين التاريخيين بخصوص الحدث، هل هذا يعني محاولة لتوخي الموضوعيّة في الطرح؟

من هذا الجانب الكتاب غنيّ بشهادات مدبّري العمليّة مثل الطاهر الزبيري وأنصار بن بلة مثل الحاج بن علاّ وكذلك شهادات الذين اِنضمّوا فيما بعد الى الحركة مثل بشير بومعزة وأحمد محساس وأحمد طالب الإبراهيميّ. هذا بالإضافة الى شهادات وكتابات وتحاليل أجانب عايشوا تلك الأحداث مثل الفرنسيين جون دانيال هيرفي بورج وبن يامين ستورا والأمريكيّ وليام كوانت والسويسريّ فافرود والبولوني كابودانسكي وأساتذة ومؤرخين جزائريين.

يحتوي الكتاب كذلك على آراء ومواقف المثقفين من الحدث، كيف كانت؟

مواقف المثقفين من الحركة كانت مختلفة ومتباينة. كانوا على علم بالصراع الدائر في هرم السلطة لكنهم لم يكونوا يتوقعون أن تصل الأمور إلى اِستعمال القوّة لحسم ذلك الصراع.
وبقي أغلبهم أوفياء للشرعيّة التي يمثّلها الرئيس أحمد بن بلة، ورفضوا فكرة « التّصحيح الثوريّ » التي جاء بها العقيد بومدين، واِعتبروا ما جرى يوم 19 جوان 1964 اِنقلابا عسكريّا.
المؤرخ محمد حربي من بين المثقفين القلائل الذين وقفوا ضدّ اِنقلاب بومدين، الأمر الذي كلّفه السجن ثم المنفى، أمّا حسين زهوان وبشير حاج علي فتزعما تيارا معارضا للانقلاب يدعى « منظمة المقاومة الشعبية »ORP. فألقي عليهما القبض، وسجنا. وفي السجن كتب بشير حاج علي كتابه الشهير « التعسّف ». 

من بين السياسيين والمناضلين الذين اِتّخذوا مواقف مناهضة للانقلاب نجد التيار اليساريّ، لماذا ظل أنصاره على تحالفهم مع الرئيس أحمد بن بلة؟

اليسار لم يكن كتلة واحدة في موقفه من حركة 19 جوان، فالحزب الشيوعيّ مثلا كان يحبّذ أن تعود التعدّدية السياسية للجزائر تماما كما كانت في الحركة الوطنيّة قبل أن تقود جبهة التّحرير بنفسها وبمفردها وتمنع الانضمام إليها في شكل تيارات حزبيّة. هذا الموقف وغيره من طرف شيوعيين آخرين، ومنهم بشير حاج علي، الصادق هجرس، وآخرين أشدّ حدّة في المعارضة، ومنهم الكثيرون ممّن اِحتفظ باستقلاليته لسنوات عديدة في إطار حركة سريّة عرفت فيما بعد بحزب الطليعة الاشتراكيّة…وما كان بن بلة ولا بومدين من بعده على اِستعداد للتعامل مع الشيوعيين بطريقة تختلف عن تعامله مع حركات شعباني، آيت أحمد، بوضياف…إلخ، ولا أن يكون السّجن والنفي، اِستثناء على قادة باقي زعماء المعارضة.

هل يمكن الحديث اليوم عن الأسباب التي أدّت لنجاح الانقلاب؟ 

الأسباب كثيرة. ولعلّ أهمّها هو القوة العسكريّة التي كانت تحت أوامر هواري بومدين. وتكتّل جماعة وجدة حول بومدين وأخيرا الطابع الاِرتجاليّ والفوضويّ الذي ميّز حكم بن بلة، وهو ما أفقده شعبيته الموهومة.
وأعتقد أنّ بشير بومعزة كان على حق حين قال: » إنّ 14 سنة من تاريخ بلادنا شهدت ممارسات الحكم السابق تتأكّد، بل إنّها تفاقمت وتمّت مَأْسَسَتُها، وهكذا فإنّ أهم الاِتهامات التي وجهت للأمين العام السابق للحزب لا أساس لها من الصحة، وفقدت مصداقيتها وتبدو الآن ظلما مجحفا طالما أنّ التقييمات المختلفة حول نفس الممارسات تقود إلى نتائج متناقضة في الأساس ».


Nombre de lectures : 981
PAS DE COMMENTAIRES

LAISSER UN COMMENTAIRE

*

*

Congrès du Changement Démocratique