Édition du
21 September 2018

انتخابات تركيا، حتى الخاسر فيها رابحٌ

لا تزال أصداء انتخابات تركيا الأخيرة تتفاعل محليا وعربيا ودوليًا، بين مبتهج مطمئن، وعبوس قمطرير متآمر، قد تتعدد الدروس المستخلصة منها، لكن، ثمة درس جدير بالإشارة، كان بطله محرم انجه، منافس أردوغان الرئيسي في انتخابات 24 جوان. أثبت انجه من خلال موقفه عقب نشر النتائج النهاية، أنه أولا معارضٌ وطنيٌ محبٌ لبلده وحريصٌ على سلامتها، وثانيا، انه يتمتع بثقافة المعارضة السياسية، ويؤمن بأخلاقيتها وآلياتها، وثالثا، أن الممارسة السياسة استثمار على المدى البعيد ولا يتوقف عند خسارة موعد انتخابيي، لأن المسار السياسي طويل النفَس، يقتضي المثابرة، ويفرض على المنهزم فيه في محطة ما، الاعتراف بهزيمته وفوز خصمه والعمل لمساعدته في سبيل الوطن، في انتظار مواعيد أخرى، قد يحالفه الحظ فيها، مما يعزز صورته في أذهان من يخطب ودهم ويتوقع أصواتهم. 
هذا الموقف من محرم أنجه، ذكرني بأحدث ألخصها في مشاهد ثلاثة:

1) وطنية المعارض محرم تجهض كيد المتربصين وتكشف زيف ادعاءاتهم حول الديمقراطية والحريات والتعددية
مهما كان رأي المرء في محرم انجه، الذي أبدى مقاومة سياسية شرسة، في مواجهة منافسه أردوغان، لكنه فور ظهور النتيجة، أقر بهزيمته (حوالي 30% أمام رجب طيب أردوغان 52%) ووجه رسالة إلى الرئيس المنتحب قال فيها « فلتكن رئيسًا لنا جميعًا واحتضن الجميع، كنت سأفعل ذلك لو تم انتخابي ».
المنافس محرم انجه لم يكابر ولم يتنكر للصناديق ولم يسفه صوت الشعب، واعترف بنزاهة العملية. في ندوة صحفية عقب النتائج، عاتب أحد الصحفيين الغربيين، على محرم « تسرعه في الاعتراف » وأنه كان عليه « أن يصمد ويلبي مطالب الملايين من أنصاره، الذين كانوا ينتظرونه في الشارع للاحتجاج ورفض فوز أردوغان »، وهي إشارة واضحة بل تحريض صريح على التمرد وإدخال البلاد في حالة اقتتال، فرد عليه محرم ردا رادعًا، بقوله أن مثل ما يشير إليه، تصرف لا يليق بل وينافي قواعد العملية الديمقراطية، لأن الديمقراطية تتطلب المنافسة الشريفة والاعتراف بنتائج الصناديق. والملفت للنظر، أن هذا الصحفي الغربي الذي يدعي تمثيل قيم ومبادئ الديمقراطية، هو من يدعو إلى هتك أعراضها وإجهاض نتائجها والتحريض على لاقتتال، لكننا لم نسمع أبدا، توجيه مثل هذه الدعوة إلى مشرح منهزم في أي دولة من الدول الغربية، ولم يطلب يوما أنصار المرشحين المنهزمين بالخروج إلى الشارع لرفض النتائج، باعتبار أن الشعب قد صوت وقال كلمته، وكأن الديمقراطية وقيمها تطبق فقط في بقعة جغرافية ثقافية محددة.

2) نسجل أيضا ذلك التباين الصارخ بين موقف محرم ومواقف المعارضة عندنا في الوطن العربي، خاصة في الجزائر، مصر وتونس، التي فور اتضاح هزيمتها النكراء في صناديق الاقتراع توزعت أطياف هذه « المعارضة » بين مستنفر للدبابات ومحرض على قتل من خيبوا ظنهم، واحتقار الشعب ووصمه بأقذر النعوت (منها غاشي، أي دهماء)، وحتى التنصل منه، مثل صاحب مقولة « أخطأت في انتمائي لهذا الشعب »، ونعلم النتيجة الدامية لكافة هذه المواقف.
ضحالة الثقافة السياسية وغياب الذمة لأخلاقية، لدى هذه الأطراف العربية، أعمت بصيرتهم وجعلتهم يتحولون إلى أبواق وأدوات للدكتاتوريات المتحكمة، واختارت التحريض على الشعوب وإغراق البلدان فيما تعيشه، بدلا من اعترافها بالنتائج والاستعداد لجولات أخرى، فأقصت نفسها نهائيا من اعتبار الشعب، بحيث لم يعد ينفع تملقها الآن أو لاحقا، وتباكيها على انتهاك الحقوق والحريات والمطالبة بدولة القانون، مثلما شهدنا بعضها يتبجح مؤخرا.

3) ذكرني موقف محرم بدرس رائع في أخلاقيات المنافسة الشريفة، قدمته إليانور روزفلت، زوجة الرئيس الأمريكي ديلانو فرانلكين روزفلت (من 4 مارس 1933 إلى 12 ابريل 1945). رغم المكانة والثقة التي كانت تحظى بها إليانور روزفلت وسط الشعب الأمريكي، مني مرشحها للانتخابات الرئاسية (في 1952 و1956) حاكم ولاية إلينوي، بالهزيمة أمام منافسه دوايت ايزنهاور، ومع ذلك لم تسب الشعب الأمريكي ولم تتهمه بالجهل والغباء مثلما وصفه البعض عندنا، بل ردت بقولها الشهير، في مقالة نشرت بإحدى الصحف « حتى إذا حدثت النفس الإنسان بالتشكيك في حكمة الشعب، فمن الأفضل دائمًا الاعتقاد بأنه مع مرور الوقت ستكون حكمة الأغلبية أكبر وأقوى؛ يجب على من هُم في الأقلية قبول هزيمتهم بسمو النفس ». الدرس اكتمل.

في الختام لا يمكن لمنصف أن ينكر أن محرم انجه خرج ناجحا من الامتحان الانتخابي حتى بعد خسارته أمام أردوغان، لأنه خرج برأس مال ثمين يمكنه استثماره لاحقا، وهذا يشكل في الواقع، أصل العمل السياسي، المواصلة في العمل لإقناع المواطنين بجدوى البرامج والمقترحات، والاستعداد لمراحل بعد الهزيمة، لأن الهزيمة ليست في واقع الأمر نهاية المطاف، وإنما مرحلة لصقل التجربة ليس إلا، الأمر الذي لم يفهمه كل من استنجد بالدبابة ضد الصناديق، وادعى تبريرا لدعمه الانقلابات، بعد خسارته صوت الشعب، أن خروج الدبابة جاء لحماية الديمقراطية. لله في خلقه شؤون.


Nombre de lectures : 932
3 Commentaires sur cet article

LAISSER UN COMMENTAIRE

*

*

Ce site utilise Akismet pour réduire les indésirables. En savoir plus sur comment les données de vos commentaires sont utilisées.

  • Mohammed
    1 juillet 2018 at 12 h 14 min - Reply

    Il suffit pourtant d’utiliser la bonne échelle pour retrouver les génies et les idiots dans la même catégorie de faiblesse humaine ; et meilleures seraient alors les chances d’une alliance entre la foi et l’intelligence. La première ne peut néanmoins jouir de prérogatives morales que si les fondements de la seconde ne sont pas contrariés, sinon celle-ci risque de se révolter et défoncer les frontières, jugées alors toutes stupides. Pour le plus grand bonheur de la perversion, qui elle, sans jugement aucun, accuse et condamne la religiosité de stupidité. Le peuple turc a compris avec son président et son oppositions, les premières conditions de la renaissance contemporaine dans un monde plein de susceptibilité et d’hypocrisie.




    2
  • yamine
    1 juillet 2018 at 18 h 16 min - Reply

    la Turquie ont un président SALAHE Honnête Francs directe bosseur dynamique ponctuel présent aime son pays et les musulmans a mon avis ce président est aidé par dieu.




    2
  • yamine
    1 juillet 2018 at 18 h 27 min - Reply

    نحن قوما لا نركع الا لله ce qu’il a dit Ardogan a Saraivo pendant sa compagne électorale.




    0
  • Congrès du Changement Démocratique