Édition du
15 November 2018

قبل أن تصحو السلطة من مفعول الكوكايين

http://www.alquds.co.uk

بشير عمري

 

Jul 07, 2018

 

■ لا تزال الارتدادات الزلزالية لحادثة حجز سبعة قناطير من الكوكايين بميناء وهران تتفاعل على مستوى هرم السلطة في الجزائر، وتمتد إلى الأطراف باعتبارها القاعدة التي أسست له مذ صار النظام في الجزائر يتغير من الداخل، بمعزل عن التغييرات التي يفرضها تطور حال المجتمع الجزائري عبر كامل بُناه الحية.
وهكذا لم تعد معارك التكتلات المشكلة لهرم النظام الهرِم خافية على العامة، فضلا عن الخاصة، بعدما تم اقتلاع المدير العام للأمن الوطني على خلفية تصريحه الذي أكد فيه أنه «يجب على من يدعي محاربة الفساد أن يكون هو بذاته نظيفا من الفساد»، وهو ما اعتبر إشارة ضمنية بفساد المؤسسات الأمنية الأخرى، التي تدير بشكل أو بآخر شأن البلاد السياسي قبل الأمني، في ظل تغييب السياسة ومؤسساتها من أحزاب ومنظمات خارج الوصاية السلطوية.
هكذا تطور صراع الكتل داخل النظام، الذي عصف بمسؤولين كبار على مستويات مختلفة، محلية كبعض الولاة، وقضائية وأمنية، وفرض جملة من أسئلة في سياق تحليل ما حدث، وما قد يحدث في مستقبل النظام وسلطته، ومن خلفهما المجتمع ككل، لعل أولى تلكم الأسئلة، هل لا يزال عرّابو نظام الوصاية على الشعب يؤمنون بأن الأزمة هي في الشعب غير الواعي، وغير القادر على إدارة سياسته وسيادته كحق طبيعي؟ أم في النظام الذي صادر كل شيء قبل أن يشيخ ويعتل بمختلف علل العمر ويصبح خطرا على نفسه وعلى المجتمع ككل.
ظل الجهاز الدعائي للنظام طيلة الحقب التي تلت الاستقلال، عبر نخبه المأجورة وإعلامه الوظيفي، يسوق لخلل المجتمع الجزائري بتناقضاته الفكرية والألسنية، كعنصر أزمة يغذيها مستوى الوعي لديه، الذي بحسبهم لم يتطور بالشكل اللازم، حتى يُمنح حريته وسيادته في اختيار من يحكمه، واضعين النظام وسلطه بديلا قسريا ومستديما لهذا الفراغ «المصطنع»، على صعيدي الممارسة وبدرجة أقل الخطاب، وهو ما أكده أحد أبناء النظام ذاته، قبل أن يتخلى عنه وهو الدكتور طالب الإبراهيمي، الذي أورد في سياق «شهادته على العصر» للإعلامي أحمد منصور ما دار بينه وبين مسؤولي الجهاز الأمني غداة توقيف المسار الانتخابي، حين برروا بادرتهم الخطيرة تلك، وعدم ترك العملية الديمقراطية تأخذ مداها بأن «الشعب غير واع»!
موقف لخص عمق الأزمة التي آل إليها النظام حينها، وهو يواجه تحدي تغيير كان يهز العالم بأسره، وليس فقط الجزائر، يتعلق بانتهاء عهد الوصايا على الشعوب والامتثال إلى قواعد الحكم الليبرالي، الذي فرضه التاريخ الذي يكتبه المنتصر القوي وليس الضعيف، فالخطيئة بدأت من يومها واستمرت بأشكال ومراحل إلى أن وصلت إلى الوضع الراهن كحتمية لهذا التطور، الذي لم يدركه كهنة معبد النظام القديم.
فها قد حُيد الشعب عن مسار تقرير مصير البلاد، بوصفه العورة، أو عقدة الأزمة لأميته الســياسية وجهله التاريخي، فهل صححت أمور الدولة وصلُحت؟ كلا بل على العكس منه اتضح جلــــيا أن الأزمة لم تكن يوما في الشعب، حتى لو كان على العِلاّت التي ألصقت به، بل في التركيبة العضوية، النفسية والاستراتيجية لهذا النظام، الذي لم يكن له مشروع مجتمع يمكنه من وضع خريطة طريق تقود البلاد من مرحلة إلى مرحلة، بل كل الذي كان بحوزته هو أداة القوة وقوة الأداة لفرض بقائه على رأس الأمة.
فما تداعى عن أزمة الكوكايين من انكسارات وتكسُّرات داخل المعبد والصخب المنبعث منه بسبب اندفاع آلهته، وما رافق ذلك من استعراض للقوى، الصريح منه والضمني عبر التصريحات والتصريحات المضــــادة، لا يمكن تفسيره سوى بالأيلولة المرتقبة للانهيار الطبيعي والمنطقي لهذا النظام الهرم، بسبب فقدانه لحلقة الاحتكام التي كانت بمثابة المسطرة الضاربة لاتزانه، وتوازنات القوى التي تشكله بمعزل عن إرادة المجتمع الجزائري واختياراته.
المعروف أن أداة النظام الصلبة في إنتاجه وإعادة إنتاجه كانت جهاز الاستخبارات، وبإضعافه بإرادة تقوى على التحليل اليوم، مثلما تقوى على ذلك إرادة فرض العهد المتتالية لبوتفليقة، لاسيما منها العهدة الفارطة ومشروع المقبلة، بإضعاف هذا الجهاز يكون النظام قد فقد جزءا كبيرا من مناعته، وهو ما يؤشر إلى قرب انهياره على نفسه، وهو ما قد تكون له عواقب وخيمة في ظل الفراغ الذي حرص على أن يجعل مصير المجتمع والدولة ككل قائما عليه.
هو إذن مؤشر خطير لحال منظومة الحكم بالجزائر التي أبت أن تراجع نفسها، وفق المستجد الكوني من السياسة وإدارة الحكم، بترك الاستئصال الهادئ منه والعنيف كأداة للاستدامة في الحكم، وتأصيله عبر النماذج الصحيحة التي تقر بها التجارب الأممية في شتى أصقاع المعمورة اليوم، التي تضمن الانتقال السلس للحكم وفق قواعد وقوانين واضحة للجميع.
لكنها الخطيئة الكبرى التي استقام عليها النظام مذ صادر الشرعية بعيد الاستقلال وواصل مسيرته الخاطئة عليها، بعدم ترك زهور السياسة تنمو في قلبها بشكلها الطبيعي، حيث استمر في قهر الوعي السياسي بكل الأشكال والوسائل والقوة العمومية التي استحوذ عليها واستغلالها لأغراضه على نحو قاده إلى أزمة الشيخوخة التي آل إليها اليوم. فالإخلال بطبيعة النشاط السياسي عبر التدخل فيه وتوجيهه الوجهة الخاطئة الخادمة لجهاز الحكم، لا يمكن سوى أن ينفر المجتمع من السياسة، ويفقد قواعده الجماهيرية الوعي بها كنشاط سام وطبيعي لإدارة الشأن العام بكل حرية ومسؤولية، وهو ما صار إليه المجتمع الجزائري، حيث سُيست الرداءة وردُئت السياسة!
وإذا كانت خطيئة قتل السياسة بوصفها نشاط نبيل يضبط حراك المجتمع باتجاه تسيير أموره وضمان حكم نفسه بنفسه وتقرير مصيره وفق مؤسسات قانونية وموضوعية، فإن خطيئة اغتيال التعددية الحقة، لا يقل عنها في شيء، إذ مذ تم توقيف المسار الانتخابي سارع النظام إلى خنق صوت المعارض الحق، وخلق شبيهــــه بالاسم لضمان تعددية رقمية وهمية غير حقيقية، لطــــمأنة الرأي العام الخارجي، كان من نتائجه تضخم جهــــاز الانتهاز السياسي ودخول المال القذر فضاء السياسة والاستحواذ عليه كلية، ما عمق من ظاهرة الفساد وعممـــها أفقــــيا وعموديا في المجتمع. فالتعددية السياسية التي هي ثمرة وعي بلغه المجتمع وقاده للتمرد على الأحادية وصلفها المقيــــت، أزيحت عنوة وضمنيا عن مشترطات التغير الموضوعي والصحيح، الذي تتألم لغيابه الأمة اليوم، وبالتالي صار النظام يستأنس بالاستماع إلى أصداء نفسه، من خلال حُزيبات اصطنعها لنفسه ووضعها على واجهة حكمه، ليدرأ عن نفسه حقيقة أحاديته المستمرة في التاريخ، وبالتالي استحال اليــوم الانتقال السليم، السلس، والحقيقي للحكم، طالما أن النظام هو من يعارض نفسه ويتعدد في أحاديته!
عموما اتضح في الأخير أن إثم انتهاك الدستور سنة 2008 وفتح العُهد الذي مكن بوتفليقة من البقاء في الحكم، أكبر جريمة سياسية وقانونية اقترفت في حق الوطن، إذ أن ذلك أجهز على محاولة التأسيس لتداول فتي على السلطة، كان سيقود البلاد حتما إلى إعادة بناء نظام حكم جديد ينبثق من الشعب ومنه، يأخذ مشروعيته في اتجاه التجديد الوطني، لتظل الأسئلة المرتبطة بالمصير قائمة في الجزائر.

٭ كاتب صحافي جزائري


Nombre de lectures : 2071
4 Commentaires sur cet article

LAISSER UN COMMENTAIRE

*

*

Ce site utilise Akismet pour réduire les indésirables. En savoir plus sur comment les données de vos commentaires sont utilisées.

  • A.S
    9 juillet 2018 at 20 h 47 min - Reply

    لكنها الخطيئة الكبرى التي استقام عليها النظام بعدم ترك زهور السياسة تنمو في قلبها بشكلها الطبيعي، … AUSSI,,

    ———————–
    Les gens qui profitent du systeme font obstacle dans tout ce qui est vitale pour notre pays :

    – 1 – Le dévellopement des petites et moyennes entreprises (PME)

    .. Avec les importations massives, la corruption, les pass-droit, et l’injustice le systeme a tué les PME Algérienne.

    ((faut savoir que beaucoup d’industriel algériens sont issus du systeme (corruption, malversion, pass-droit, ne payent pas leur impots, ne rembourse pas les préts bancaire, ni les interets…))

    – 2 – Les services publics : Administration, les soins, l’enseignement, le dévellopement et prospérité à tous les niveaux, culturels et sportifs…




    1
  • wahid
    28 juillet 2018 at 7 h 11 min - Reply

    D’autres éléments de l’enquête qui brouillent les cartes.
    https://www.youtube.com/watch?v=x9tm8z0ANJ0

    Trust Bank
    https://www.algerie360.com/un-administrateur-provisoire-a-la-trust-bank-algeria-la-commission-bancaire-infirme-la-rumeur-de-liquidation/

    http://www.elmoudjahid.com/fr/actualites/24668

    Pire encore
    https://www.miamiherald.com/news/local/article190875044.html

    Quelle a été le rôle du système financier et bancaires Algérien ou de droit Algérien dans le blanchiment d’argent et la fuite des capitaux ?




    0
  • Congrès du Changement Démocratique