Édition du
18 July 2018

الذهنية و الذُّريَّة والجيش!

بقلم فضيل بوماله

أغلبية الناس، بما فيها ما يسمى باطلا بالطبقة السياسية و النخب الثقافية والاقتصادية، تنتظر متفرجة نهاية جيل بوتفليقة بيولوجيا كي تتبدى لها معالم الحل لعطب الجزائر التاريخي وتزول معه الشرعية الثورية الزائفة لتستعاض بشرعية دستورية شعبية ديمقراطية.

كان ل » انتظار غودو » هذا أن يكون واقعيا وناجعا لو اكتفى النظام الجزائري بمعادلة السلطة والتداول عليها داخل تلك الدائرة الجيلية المغلقة..غير أن الوضع سوسيوسياسيا أخطر مما يُتصور. فعلاوة على تدمير أبجديات قواعد الدولة والمجتمع الحديثين وإجهاض كل إمكانية  » سياسية قانونية وسلمية » في الانتقال الى حكامة ديمقراطية، عمل النظام، بفساده وإفساده وطغيانه، على صناعة « تراكيب ذهنية ونفسية » مريضة ومُقاوِمة لمفاهيم الأمة والدولة والحرية و العقل والعمل والمبادرة والتنافس والشرعية والقانونية والمؤسسات وكذا أي معنى للتضحية من أجل الخلاص الجماعي.

وبالموازاة مع ذلك، عملت وجوه التظام وأعمدته و أذرعه، وما أكثرها خاصة في السنوات الثلاثين الأخيرة، على تفريخ  » ذُرَّيَة » فاسدة من البنات والابناء وزرعهم في مختلف مواقع القيادة والمصالح في الداخل والخارج. فبقدر أفول جيل الآباء والأخوال والأصهار والعرابين بقدر ما تتكاثر ذرياتهم وتحتكر قطاعات المال والاعمال والمجمعات الاقتصادية وتتغلغل داخل قوى الأمن والجيش والدبلوماسية،الخ. وشخصيا، لا أراها مستعدة للتنازل عن « ثرواتها » المنهوبة ومواقعها « المحتلة » وقبول أي تغيير دون إخضاعها لمنطق القطيعة مهما كانت الآليات و التكلفة.

وبين هذا وذاك، لا يزال الخطاب المُروِّج ،بحمية مجانية أو بمقابل، « للجيش والعسكرة » والقائل بأنه لا بديل عن الجيش لانه « المؤسسة الوحيدة القوية والمتماسكة » و « حامي الجمهورية » و »مُخلِّص البلاد الأوحد » متجذرا في الذهنيات. والحقيقة، في تقديري، وهي أقل ما يمكن أن يقال في هذا الباب أن الجيش الجزائري جيش حكم ونظام وليس جيش دولة وحداثة. كما أنه جيش قوة وعصب وليس جيش مؤسسات وقيم جمهورية قادرة على أي دمقرطة فعلية. نظريا،كان بإمكان الجيش لعب ذلك الدور المهم في العديد من الفرص خلال العقود الثلاثة الأخيرة أي منذ أحداث اكتوبر 1988 لكنه أجهضها بنفسه ولم يحدث أي نقلة في وعيه السياسي وفي علاقته بالسلطة والعالم المتغير. والسبب، فيما أراه بعجالة، أنه جوهر الأزمة السياسية وطرفها الأكبر والرئيس. ولا أعتقد أنه سيكون، مرحليا، الا متمسكا بالسلطة صانعا للرؤساء مكررا لتجاربه الطويلة الفاشلة السابقة ومتورطا ، كقيادات واتخاذ للقرار، في كل الأزمات الحادة والخطايا الكبرى.
وعليه، فالحل يجب أن يمر ،طال الزمن او قصر، بالقطائع البنيوية الأساسية وبناء ميزان قوة فعلي يثور على المنظومات القاتلة و يُحيِّد رؤوس الفساد وذرياتها وشبكاتها ويسقط نهائيا معادلة « الدمقرطة » ب « الذهنيات المعسكرة » كما هما عليه اليوم « قطيعنا السياسي و قواتنا المسلحة ».

وانطلاقا من زاوية النظر هذه، أصبحت مجالات المناورة ضيقة كما تجاوزت أزمتنا البنيوية مداها السياسي المرتبط بالسلطة الى كينونة الوطن ووحدة الشعب. فإما الجدية في بناء دولة ومجتمع حقيقيين وإما سنواصل تأجيل الحلول الراديكالية إلى أن يحين موعد الانفجار الاعظم. وذلك ما لا أتمناه ولا أريد معايشته.

فضيل بوماله


Nombre de lectures : 538
PAS DE COMMENTAIRES

LAISSER UN COMMENTAIRE

*

*

Congrès du Changement Démocratique