Édition du
15 November 2018

وعي الخلاص المؤجل وخطيئة ثقافة التطلع للماضي في الجزائر

http://www.alquds.co.uk

بشير عمري

Jul 11, 2018

أعلن ناصر بوضياف، نجل الرئيس المغتال سنة 1992 بطريقة هوليوودية بمسرح مدينة عنابة محمد مضياف، ترشحه لرئاسيات السنة المقبلة، كشكل من أشكال إعلان القطيعة مع جيل الثورة، الذي ظل يجثم على هرم السلطة بدون أن ينفك عنها، ويفك الأجيال الجديدة من أسرها، واعدا بتغيير دفة الأمة في التاريخ في حال انتخبه الشعب الجزائري، مثلما كان يأمل والده في خضم الستة أشهر التي قضاها على رأس المجلس الأعلى للدولة، قبل أن يُقضى عليه من وراء ستار.
فإذا كان إعلان الترشح لابن أحد قادة الثورة ومفجريها مشروعا، بغض النظر عن دوافعه التي يغذي الاسترابة منها توقيتها، فإن ما قد يغدو مبعثا لعدم التفاؤل بها، هو الرؤى لكيفية التغيير التي ساقها المترشح في معرض ذكره لدوافع ترشحه، لأن المشكل الذي يعتري وعي الجزائري بطبيعة الأزمة التي حُمل إياها وتبعاتها، هو اعتقاده بأن آليات تفعيل لعبة السياسة المتبعة منذ انقلاب جماعة وجدة على الشرعية واستفرادها بالمجتمع الجزائري، تاريخا ومصيرا، كالانتخابات الدورية، والتعديلات الوزارية الموسمية، كفيلة بأن تنقله من واقعه المزري إلى مجرى حلمه في رؤية وطن بدولة وسلطة واضحتين منتخبتين تسيران وفق أبجديات النموذج العصري للدولة، كالتداول السلمي على السلطة، الفصل بين السلطات، وتفعيل المؤسسات بما يتيح للشفافية والعدالة أن تأخذا مجراهما، ما سينعكس على واقع التنمية بالإيجاب، رغم أن حال كهذا دام لأزيد من عقدين، بدون أن يتحقق شيء مما بحلم هذا المواطن.
فلربما كان لمركزية إنتاج الوعي الوطني ـ التي استحوذت عليها نخب السلطة صانعة بها أو مصطنعة لها خطاب زيف الماضي، في ظل بقاء النخب المعارضة والمستقلة مستأنسة ببعضها بعضا في صالوناتها الكلامية الضيقة، وأبراجها الشفافة السامقة ـ أثر في هذا الانحراف الحاصل على مستوى الوعي العام بواقع الحال، حيث حيدت العبقرية السياسية عن مدارها المفهومي وسياقها الموضوعي التاريخي الصحيح، بوصفها نتاج عبقرية مجتمع في التعاطي مع مقتضيات ومتقلبات التاريخ، ورُسخت غيا بكونها هبة من السماء، يتوجب أن ننتظرها، لا أن نصنعها، بذلك فُقد الأمل في المقبل ليتم الارتكاس للماضي، حين يبكي الكل على بومدين وأيامه التي فاقت إشراقا أيام الكفاح المسلح والتضحيات الجسام التي قدمها المجتمع من أجل الحرية، التي أعاد تغييبها بومدين!
كل تناقضات الرؤى سكنت ماضي الناس، هواجس العودة إلى العنف، ما فرض بقاء بقايا رئيس على رأس هرم السلطة، بدعوى أنه هو من أمن الناس من خوف وأطمعهم من جوع، حتى قال أحدهم، «إننا قبل مجيء بوتفليقة لرئاسة البلاد نهاية القرن الماضي كنا نأكل الحشيش». في وقت كان هو يقيم في نادي الصنوبر (المنطقة الخضراء الجزائرية) ينعم فيها مع المترفين، يأكلون وينعمون، بينما عامة الجزائريين يذبّحون ويجوّعون في أرض الوطن وشعابه العالية منها والمنخفضة في الجزائر العميقة، تضطرم أنفسهم بأشواق فترة المجد الصوري البومديني، الذي أقام دولة زعم أنها سوف لن تزول بزوال الرجال، وها هي ذي على وشك أن تزول بأحد رجالها، ممن لا ندري أخدموا بومدين أم خدموا معه.
في الجزائر تتهافت كل النخب وهي تنظر إلى جسد البلاد الجريح والمثخن بالجراحات القديمة منها والحديثة، معتقدة أن الاستئصال هو الدواء الألزم والوسيلة الأجدى للنجدة، كل يرى عضوا بذاته جديرا بالبتر حتى لا يتسبب في موت الجسد من تعفنه، ولو أن كل واحد تمكن من سلطة الاستئصال و»البتر» بالتداول لأنهي الوجود الوطني وانمحى الجسد الجريح بشكل نهائي، فنزعة الفصل (البتر) التي يعج بها خطاب التغيير المؤدلج، لدى كل الفرقاء لا يستقيم مع المعطى الموضوعي لظاهرة الأمة، التي صعب أن تتحول إلى دولة، أو الدولة التي عسر عليها أن تتسع إلى مقام الأمة، إذ ما بين داع إلى فصل الدين عن الدولة، وفصل العروبة عن الامازيغية، وفصل اللغة عن واقع الإدارة والتعليم، الكل يؤكد حالة الانفصال التراجيدي الذي أسست له السلطة بين السياسة والتاريخ، بحيث جعلتهما يمشيان في خطين متوازيين لا يلتقيان، مع انهما في الأمم الواقفة بحق على أرض التاريخ الصلبة، لا يتوقفان عن التفاعل والتكامل ليعيدا بعضهما إنتاج الآخر، ما يضمن استمرار الكيان الوطني ويرسخ مفهوم الأمة وعيا وعملا.
والحقيقة أن هذا الفصل للتاريخ عن السياسة فرضته طبيعة الانبثاق الوطني الخاطئ الذي تداعى عن حركة الانقلاب عن الشرعية عشية الاستقلال، واختطاف المجتمع بمقدراته ورمزيته من قبل جماعة وجدة، فأي مسعى للمزاوجة بين التاريخ والسياسة اليوم ستتولد عنه أسئلة الحقيقة الشاملة المطمورة تحت رديم رماد الحاضر، الحقيقة التي يسعى إليها الجميع والتي إن سطعت بضيائها، ستقضي منطقيا بتكسير بُنى الحاضر الزائف القائم على تلفيقات مفهومية ومؤسساتية تخدم أغراض الانقلابيين في البقاء والاستدامة في الحكم، ولا تخدم مطلقا المجتمع الحلم بالانعتاق من حالة الانخناق الوجودي، الذي يرزح تحته لعقود ستة. لذلك كله بات محتوما على من يسعى بحق إلى حلحلة الأزمة الجزائرية، التي كلما مضى عام من عمر الأمة إلا وتضاعفت أسئلتها واتسعت إشكالاتها وتعقدت مشكلاتها، أن يفكر أولا في كيفية تكسير أعمدة الوهم التي أريد لها أن تحمل أمة مثقلة بقلق التاريخ، وأن تُدعى كل القوى الوطنية إلى إعادة تأسيس ماض يطلق سراح الحاضر، فيلتقي الحاضر السلمي بالماضي السليم، ويفرزان أو بالأحرى يفرجان عن المعنى الصحيح للوجود الوطني، لتنطلق كل القوى بعد تحررها من قبضة سجالات الذات وأسئلة الهوية وساطور الانفصاليات والاستئصالات إلى ممشى التنمية وتطوير قدرات الإنسان الجزائري ليندرج في قصة الحضارة من جديد.
بدون حال وحل كهذا، سيستمر الكل على حاله يسبح في فلك أوهامه ينتظر أن ينجب فصيله أو طائفته أو عشيرته أو نخبته، زعيما منزلا من السماء لتخليص الأمة مما ناءت، طوال عقود خلت من الاستقلال المنقوص، عن حمله من أسئلة الماضي والحاضر، أجلت كلها بفعل فاعل وجمدت بسببها الطاقات الوطنية واحتبس الأمل في نفوس الناس، وبدأ اليأس يأتي على الجميع، فبلا مجلس تأسيسي حقيقي يصحح المسارات ويفتح المسرات، لا يمكن البتة إلا البقاء في قوقعة الخوف التي أعدتها السلطة بإحكام، حيث الرعب الدائم من ذاكرة الدم يفرض الارتهان للماضي.

كاتب صحافي جزائري


Nombre de lectures : 1609
PAS DE COMMENTAIRES

LAISSER UN COMMENTAIRE

*

*

Ce site utilise Akismet pour réduire les indésirables. En savoir plus sur comment les données de vos commentaires sont utilisées.

Congrès du Changement Démocratique