Édition du
21 September 2018

باخرة التربية تغرق…!!

www.echoroukonline.com

أبو بكر خالد سعد اللهأستاذ جامعي قسم الرياضيات / المدرسة العليا للأساتذة- القبة

قبل يومين، وفي خطاب مطوّل افتتح به مؤتمرا ضم جميع ممثلي الشعب الفرنسي أسهب الرئيس ماكرون في الحديث عن التربية معلنًا أن “التربية هي معركة القرن الحادي والعشرين” لأنه يعتبر أن التحولات المقدمة عليها بلاده والعالم “تتطلب أن نكَـوّن بطريقة أفضل في بداية العمر وخلال العمر كله”! ومن أساسيات جودة التكوين -كما أكد عليها المخطط الفرنسي الذي سيكون حيز التنفيذ في سبتمبر الداخل- هو تكوين المكونين لأن بدون إعداد المعلم الكفء والأستاذ الجاد فلن تكون هناك نقلة نوعية في سيرورة التعليم.. والسؤال: أين نحن من كل ذلك؟!

خريجو المدارس العليا
إن الدور الرئيسي للمدارس العليا هو تكوين المكونين لمراحل التعليم المختلفة. ولذا صُممت المناهج الدراسية لهذه المدارس لكي يتلقى الطالب خلال مسيرته الجامعية (5 سنوات للثانوي و4 للمتوسط و3 للابتدائي) دروسا مقررات تنقسم إلى 3 حقول : مقررات في الاختصاص ذاته، ومقررات في التربية والتشريع المدرسي، ومقررات في تعليمية المادة، إضافة إلى تدريبات نظرية وميدانية في المؤسسات التعليمية خلال سنة التخرج. وعلى ضوء ذلك يُفترض أن يتخرج الطالب من هذه المدارس متكامل التكوين ليباشر مهمته في الميدان حال نيل شهادته.
ومن ثم فمن يسعى إلى تحسين التكوين في منظومتنا التربوية كان عليه ضمان التوظيف لهؤلاء جميعا قبل أية فئة أخرى. لكن ما حدث خلال السنوات الأخيرة، وبصفة خاصة هذه السنة، يندى له الجبين ويجعل المرء يتساءل عمن هو وراء العملية التخريبية لمنظومتنا التربوية.
بدأ هذا التخريب بسحب بساط ضمان التوظيف من تحت أقدام المتخرجين في حين أن من دخل قبل 5 سنوات إلى المدارس العليا كان يقال له عكس ذلك في موضوع التوظيف ! ومعظم من دخل المدارس كان هذا هو مبرره الأول لاختيار مهنة التعليم.
ثم في هذه السنة أعلنت مديريات التربية عبر الوطن لخريجي المدارس أن يضعوا ملفاتهم قبل 4 جويلية. وعليه استفرت هذه المؤسسات قواها لما علمت بالخبر حتى لا تضيّع الفرصة للمتخرجين… لأنها لم تكن تسلم الشهادات قبل هذا التاريخ! ومن المعلوم أن مدرسة القبة مثلا تعوّدت على تسليم تلك الشهادات منذ ربع قرن، يوم 4 جويلية بالذات!
ورغم ذلك فات قطار تسليم الملفات الكثير من الخريجين، ومنهم من استطاع وضع ملفه كاملا. وفي آخر المطاف صدرت نتائج التوظيف بأن بعض المديريات لا توظف أحدا، وأخرى توظف عددا لا يتجاوز جزءا ضئيلا من مجموع المتخرجين… ووصفا لهذا الوضع المزري عبرت إحدى الخريجات في الرياضيات بمرارة قائلة : “لم يتركوا لنا حتى الوقت لنعيش فرحة التخرج والنجاح”!!
وفي ذات الوقت تعلن وزارة التربية عن توظيف خريجي الجامعات الذين لم يتضمن تكوينهم مقررات تربوية وميدانية تؤهلهم لمباشرة التعليم بدءا من سبتمبر. وبالطبيعة الحال فالوزارة (حسب علمنا) تنوي بذل الجهد لتلقين هؤلاء بعض أساسيات الفعل التعليمي على عجل.
فما سرّ أن ننفض أيدينا ممن اختاروا مهنة التدريس منذ 3 أو 5 سنوات، وكوناهم لهذا الغرض خلال كل تلك المدة ثم نفتح باب الترشح لنفس المهمة لغيرهم؟ ! بطبيعة الحال فنحن لا ندعو إلى حرمان أحد من التوظيف، لكننا ندعو إلى أعطاء الأولوية لمن يستحقها.

وفي مجال تقييم المؤسسات !!
في الميدان بدل النظر بعين ناقدة متفحصة لمجريات الأحداث التربوية في كافة المؤسسات التعليمية لاستخلاص الإيجابي والسلبي في كل منها، تقوم وزارة التربية بتحقيقاتها في الولايات والدوائر التي لم تكن نتائجها في امتحانات الخامسة والأهلية والبكالوريا جيدة. وهذا يعني بالنسبة لهؤلاء تسليط أشد العقوبات عليهم. وهو ما يدفع بالكثير منهم إلى البحث عن سبل رفع نسب النجاح… وقد فسر الكثير من المتتبعين أن ذلك يشكل السبب الرئيس لانتشار الغش في المدارس!
ألا يتذكر أهل الحل والربط أن في بعض الولايات انتقلت فيها هذه النسبة من الحضيض إلى الذروة في السنة الموالية بقدرة قادر؟ ! أليس من الأفضل أن يكون التقييم أكثر جدية وصرامة وأن تُكرم من خلاله الولايات والمؤسسات الجديرة في التكوين النوعي، ودعوة أصحابها إلى أن يجوبوا بقية المناطق ليقدموا النصح والأخذ بأيدي من تعثروا… وهذا دون معاقبة أي شخص أو تقليده الأوسمة على أساس نسبة النجاح سواء كانت في نزول أو صعود؟ بل ينبغي وضع مقاييس أخرى لتكريم المحسن وتوبيخ المتقاعس.
وهذه عينة معبرة عن واقع مرير جاءت فيما كتبه أحد المتتبعين : “إن احتساب نسبة النجاح في الحركة التنقلية لمديري المؤسسات وتحمليهم وحدهم فقط مسؤولية النتائج المدرسية في الامتحانات الرسمية هو دافع كبير حتى يغش الطاقم كله… إنها إهانة كبيرة لمسارهم المهني ولشهاداتهم ولابداعاتهم ولاجتهاداتهم ومبادراتهم داخل المؤسسة… فتسييرهم (مثلا) لمؤسسة ريفية يتمدرس فيها البدو الرحل، تتوفر على فوجين تربويين و5 مستويات مدمجة يتنقل إليها الأساتذة على البعير والحمير ومشيا .. هل يُعامل تسييره كغيره ويعاقب؟”.
أما في الغش فقرأنا صيحة ولي أمر جاء فيها”… كل تلميذ مثابر مجتهد ذاق مرارة الغش الجماعي، فلا انتصرت له نجاحاته ولا حانت ساعة تكريمه التي سهر ليال في انتظارها فالكل تم تكريمه، وهو حلقة مجهولة بينهم”. ثم يضيف حول ما جرى لابنته المجتهدة حين صدرت النتائج: “… نصحتها أن لا تغش ولا تكتب ما يمليه الحارس الغشاش… اعتمدت على نفسها… لكن حين صدور النتيجة لم تتقبل أن يكون معدل التلميذ المشاغب الكسول الكثير الغياب أكبر من معدلها… وظلت تكرر وتعيد: كيف يحدث ذلك يا أبي وأنا البارة والمطيعة والمجتهدة…؟”.
فماذا نضيف حول ما سماه الرئيس الفرنسي “معركة القرن الحادي والعشرين”؟ أهكذا نخوضها؟ أبتبجيل غير المؤهلين على المؤهلين في مجال التكوين؟ وهل نخوضها بإرهاب الإداري والمعلم لدفع كل منهم إلى نشر الغش والتدليس حتى يحافظ على منصبه لأن المسؤول المركزي لا تهمه إلا نسبة النجاح؟ هل نخوضها بإدخال فيروس الغش للبراءة منذ بداية مشواره المدرسي؟ إن باخرة التربية تغرق … تغرق أمام أعين الجميع… فهل لها من منجد؟!


Nombre de lectures : 1861
PAS DE COMMENTAIRES

LAISSER UN COMMENTAIRE

*

*

Ce site utilise Akismet pour réduire les indésirables. En savoir plus sur comment les données de vos commentaires sont utilisées.

Congrès du Changement Démocratique