Édition du
18 November 2018

إلغاء منح متفوقي البكالوريا.. هل كان قرارا صائبا؟

..

عبد الحميد دخانباحث في فيزياء المفاعلات النووية، معهد بول شيرر، سويسرا

www.echoroukonline.com

تنظر الدول المحترمة إلى عباقرتها ومبدعيها على أساس أنهم يشكلون ثروة استراتيجية تسهم في قيادة قاطرة التطور والإبداع والبحث العلمي، وأي مساس بهم يعتبر تهديدا لأمنها القومي. زيادة على ذلك، فإن هذه الدول تحاول أن تستقطب أدمغة الدول الأخرى، “النائمة”، بشتى أنواع الإغراءات المادية والمعنوية لأنها تعلم يقينا أن هذه الأدمغة سوف تعطي دفعا إضافيا ومختلفا ونوعيا لمنظومتها العلمية والتكنولوجية وبالتالي الاقتصادية أيضا.
أما في الجزائر، فالكل يعلم الواقع المر! أغلب الأدمغة التي تكونت في أرقى الجامعات العالمية اختارت البقاء في الغرب، والبقية التي رجعت في سنوات مضت ربطت أحزمتها في السنوات القليلة الماضية واختارت الهجرة مرة أخرى، وبالأخص نحو دول الخليج! أما البقية الباقية التي ما زالت في الجزائر لظروفها الخاصة، فإنها تقاوم وتكابد أمام تحديات فاقت طاقة تحملها.
يعتبر ابتعاث الطلبة المتفوقين للدراسة في الجامعات العالمية، التي تمتلك الجودة العالية في التعليم والبحث من بين الاستثمارات الاستراتيجية التي دأبت عليها معظم الدول النامية، ومن بينها الجزائر، وهذا لتكوين نخبها العلمية ولمسايرة التطور السريع للعلم والتكنولوجيا والخبرات وكذا نقلها والتمكن منها.
كما هو معلوم تقرر منذ 2002 إلغاء منحة الدراسة بالخارج للطلبة المتفوقين في شهادة البكالوريا، وما زال القرار ساريا. السبب في هذا القرار، كما جاء على لسان المسؤول الأول في القطاع آنذاك، محاربة ظاهرة هجرة الأدمغة. حيث تشير الإحصاءات إلى أن جل الطلبة الذين تحصلوا على المنحة لم يرجعوا إلى أرض الوطن بعد إتمام دراستهم.
ففي حين ارتاحت بعض الأطراف لهذا القرار وثمنته، حيث اعتبرته يصب في مصلحة الوطن ويحفظ قدرات وطاقات البلاد، كيف لا وكما ذكرنا أعلاه أن تجربة أربعة عقود كانت مريرة، ذهبت أطراف أخرى إلى استنكار القرار واعتبرته متسرعا وأن من شأنه أن يقتل نبوغ أولئك الطلبة وهم في بداية مسيرتهم. وأضافت أنه لا يعقل أن تُلغى هذه المنح وجامعاتنا بمستواها الحالي لا يمكنها بأي حال من الأحوال استيعاب هؤلاء العباقرة والمساهمة في تكوينهم وتنمية قدراتهم الهائلة. بل وذهبت بعض الآراء إلى اعتبار أن الموت البطيء لنبوغهم وتميزهم ينتظرهم على أعتاب الجامعة الجزائرية!

الأدمغة في الخارج.. الفرق بين الجزائر ودول عربية

في البداية، يجب الاعتراف بالحقيقة المرة التي تشهدها الجامعة الجزائرية، وكما أشار إليها المسؤولون في القطاع، وهي النزيف المستمر للأدمغة الجزائرية. فكيف يعقل أن المدرسة والجامعة الجزائرية تتعهد تلك الثروات البشرية الرفيعة لمدة تقارب 12 إلى 17 سنة، فإذا نضجت واستوت عصرتها الجامعات الغربية؟؟ لهذا فالأمر لا يعقل ولا يقبل بأي حال من الأحوال.
أما من ناحية أخرى، فنجد أنه، وعلى عكس الوضع في الجزائر، في دول عربية أخرى يعود المبتعثون مباشرة بعد إتمام الدراسة، وهذا لسببين رئيسين. الأول هو وجود لوائح قانونية صارمة متفق عليها ما بين الدولة والطالب المبتعث إلى الخارج. هذه اللوائح تجبر المبتعث على الرجوع إلى بلده متى أنهى دراسته، وأحسن مثال على ذلك ما يحدث في مصر (مع تعقيدات ونزيف من نوع آخر). أما السبب الثاني لرجوع الأدمغة في تلك الدول فيعود إلى وجود المناخ المناسب لإكمال مسيرة البحث والتعليم، على غرار ما يجري في المملكة المغربية مثلا. فالمكانة المرموقة التي يحظى بها الأساتذة والباحثون الجامعيون في السلم الاجتماعي المغربي وكذلك أجورهم التي تضاهي رواتب نظرائهم في فرنسا، جعلت الحصول على منصب أستاذ جامعي في المملكة المغربية حلما يراود الكثير من الدكاترة الجامعيين في الجامعات الأجنبية.

لماذا يطرح مشكل النوابغ بحدّة في الجزائر؟

إذا السؤال الموضوعي الواجب طرحه من قبل الجهات الوصية: لماذا هذا المشكل وبهذه الحدة في الجزائر؟ أليس السبب هو المنظومة المهترئة التي لا تعطي القيمة والمكانة والمناخ الملائمين للباحث والأستاذ الجامعي؟ أم السبب هو الأنانية المفرطة لهذه الأدمغة التي ألفت حياة الرفاهية والمكانة الممتازة في الخارج؟ حيث أصبحت غير مستعدة للتضحية والصبر على المكاره في سبيل الوطن؟ والحقيقة أن مناقشة هذه النقطة تستدعي مقالا آخر.
يجب التأكيد هنا أن ربط سبب ظاهرة هجرة الأدمغة بابتعاث الطلبة المتفوقين في البكالوريا هو ربط خاطئ تماما، والسبب بسيط، لأن الطلبة المتفوقين في البكالوريا لا يمكن بأي حال من الأحوال تسميتهم أدمغة، فأقصى ما يمكن أن يقال عنهم إنهم “مشاريع أدمغة” أو “أدمغة جنينية”. وبالتالي التصدي الفعلي لظاهرة تسرب الأدمغة يجب أن يكون مركزا حول الأدمغة الحقيقية وليس حول الأدمغة الجنينية التي لم تولد بعد. فكيف يتسكت عن تسرب المئات من الأساتذة الأكفاء إلى الخارج والتركيز على طلبة متميزين يريدون أن ينمّوا قدراتهم الاستثنائية في جامعات ذات مستوى عال، هي للأسف الشديد غير موجودة في الوقت الحالي في الجزائر.

معالجة هجرة الأدمغة.. أي خيار أمام الجزائر؟

إن الهدف من هذه المساهمة المتواضعة هو تبيان مدى سداد قرار توقيف منحة الدراسة في الخارج من عدمه وتقديم الخيارات الممكنة وأحسنها، على أساس متابعتنا للموضوع لسنوات واحتكاكنا بالعديد من الطاقات الجزائرية في أوروبا وأمريكا ومنطقة الخليج.
لتقييم أي خيار يجب أولا وضع مؤشرات قابلة للقياس، على أساسها يمكن التفريق بين مختلف الخيارات وبالتالي تحديد أحسنها. في تقديرينا يمكن الاعتماد على مؤشرين واضحين في تقييم أي خيار:
1. الحصول على تعليم وتكوين ممتاز من جامعات مرموقة
2. المساهمة في تنمية البلاد
سوف نحاول تقييم الخيارين المعروفين، الأول طبق منذ الاستقلال إلى سنة 2001، أي الابتعاث الكلاسيكي، والثاني خيار منع الابتعاث مطلقا، وهذا على ضوء هذين المؤشرين، ثم في الأخير نقترح ما نعتقد أنه يمثل نظام ابتعاث مجديا ونشرح بعض تفاصيله.

1) الابتعاث بالطريقة الكلاسيكية: ونعني به ما هو متعارف عليه سابقا، أي كل طالب يتحصل على درجة ممتاز فله الحق في المنحة، حيث أسهم هذا النمط بشكل كبير في تكوين الآلاف من الأدمغة الجزائرية منذ الاستقلال، بعضهم في الجزائر والأغلب ما زال في الخارج يبدع ويكتشف ويتبوأ بعضهم مناصب رفيعة في كبريات الجامعات ومراكز البحث وحتى المؤسسات والشركات العالمية. ومما لا شك فيه، أن هذا الخيار قد حقق إلى أبعد الحدود المؤشر الأول.
2) أما بخصوص المؤشر الثاني، المساهمة في تنمية البلاد، فلا يمكن اعتباره معدوما رغم عدم عودة هذه الإطارات، لأنه وببساطة وبسبب التقدم في تكنولوجيا الاتصالات، فإن العديد من الأدمغة تسهم بشكل فردي أو جماعي في التنمية والمسؤولية ملقاة بقدر كبير على عاتق الدولة، وأي وجود لإرادة سياسية حقيقية وخطة عملية واضحة سوف يجعل معظم الأدمغة تسهم ودون تردد مساهمة فعالة. والحقيقة التي يجب أن ندركها هي أنه وبالرغم من بقاء أغلب الأدمغة، إن لم تكن كلها، في الخارج إلا أن أغلب هذه الأدمغة تعتبر طاقة أو قوة جزائرية كامنة يمكن استرجاعها والاستفادة منها إذا توفرت الإرادة والرؤية السياسيتان.

3) منع الابتعاث كليا: وهو الخيار الحالي الذي يفوت فرصة كبيرة على أولئك الطلبة للقفز بقدراتهم إلى درجات عالية. وعليه، في ما يخص المؤشر الأول، فإن هؤلاء الطلبة المتفوقين والمجبرين على إكمال دراستهم في الجامعات الجزائرية الحالية، والكل يعلم مستواها، لن يحصلوا في أحسن الأحوال على عشر الجودة التي يجدونها في الجامعات الراقية.
4) أما في ما يخص المؤشر الثاني، فإن الطلبة المتفوقين الذين حرموا من المنحة سوف تعتريهم حالة إحباط حادة تجعلهم يتصورون أنهم ظلموا ولم يعطوا حقهم وأيضا قضي عليهم، والدليل على ذلك ما نشرته جريدة “الشروق” في حوارين منفصلين لطالب متفوق في بكالوريا 2007، حيث تحولت النبرة المشبعة بالطموح والأمل- في حواره الأول سنة 2007- إلى نبرة مختلفة تماما مملوءة باليأس والإحباط في حواره الثاني سنة 2008، وهذا بعدما قضى سنته الأولى في الجامعة الجزائرية.
5) يجب الإشارة هنا إلى أن البعض من متفوقي البكالوريا يلتحقون بصفة فردية بجامعات غربية، بصفة خاصة فرنسية، بل وفي بعض الأحيان يحصلون على منح من البلد المستضيف. وفي رأينا الخاص، فإن هذه الظاهرة أخطر من سابقتها لأنها سوف تنتج كفاءات يكفرون بكل ما هو جزائري، ولا يبقى في مخيلتهم إلا تخلي الجزائر عنهم، وأنهم بفضل فرنسا ومثيلاتها قد تميزوا وأبدعوا ولن يتبقى عندها في شعورهم أي عقد معنوي بينهم وبين الجزائر. وعليه، فإن سياسة منع الابتعاث تجعل مساهمة هؤلاء الطلبة إما ضعيفة أو منعدمة، إما بسبب ضعف التكوين في الجامعات الجزائرية أو لعدم وجود أي عقد معنوي يربطهم بالجزائر.

الابتعاث المُجدي.. الخيار الثالث الأمثل لمصلحة الوطن

من خلال ما سبق، يتضح جليا أنه برغم وجود سلبيات في خيار الابتعاث الكلاسيكي، إلا أنه يبقى أحسن بكثير من الخيار المطبق حاليا من قبل الجهات الوصية، وبالتالي حتى إذا افترضنا أنه ليس لدينا إلا هذان الخياران، يبقى ابتعاث الطلبة المتفوقين إلى الخارج، برغم بعض السلبيات، أحسن الخيارات. لكن مع هذا، هناك خيار ثالث ولكن يحتاج إلى دولة قوية مضطلعة بمهامها ذات إرادة سياسية وخطة واضحة المعالم في الاستثمار في ثروتها البشرية، الذي نسميه هنا الابتعاث المجدي المشروط.

6) الابتعاث المجدي المشروط: إن الابتعاث المجدي، المقترح هنا، يجب أن يضمن أعلى الدرجات للمؤشرين السابقين.
فللحصول على تكوين ممتاز لا مفر في السنوات الخمس القادمة، على الأقل، من الابتعاث إلى الخارج، لأن الجامعات الجزائرية بالوضع الحالي لا تستجيب لطموحات هذه الشريحة. إن أي قرار بتوقيف الابتعاث يجب أن يكون مرافقا بوجود، وليس بوعود، جامعات تميز أو مراكز امتياز تستوعب هؤلاء الطلبة، ولا يتأتى هذا إلا بجلب أحسن الأساتذة من الداخل ولم لا الاستعانة بالأدمغة من خارج الوطن وذلك ضمن برنامج قومي. فكيف يعقل أن يُوقف الابتعاث لسنوات طويلة خاصة في ظل فشل تجربة المدارس التحضيرية في توفير تكوين متميز، بل إن بعضها إن لم أقل جلها قد أغلق نهائيا.
أما في ما يخص المؤشر الثاني، فأظن أنه لا مناص من الاقتداء بمعظم الدول التي تبتعث طلبتها المتفوقين، حيث يوضع دفتر شروط بين الدولة والطالب المبتعث، يتعهد الطالب بموجبه بعودته إلى أرض الوطن بمجرد أن يحصل على الدكتوراه، حيث يتوجب عليه أن يعمل في الجزائر على الأقل 5 سنوات قبل أن يكون له الحق في الخروج مجددا لتنمية قدراته ومواصلة تجارب وتحديات أخرى. أظن أن الدولة القوية هي التي تنجح في تطبيق القوانين الشجاعة (دفتر الشروط) وليس التي تمنع كل شيء وبالتالي تفوت الفرصة الذهبية في “إنتاج” أدمغة عظيمة.

رعاية المواهب المتميزة واجب من مسؤوليات الدولة

إن من حق هؤلاء الطلبة المتميزين أن يجدوا كل الدعم لإكمال دراستهم في جامعات تستوعب قدراتهم وتنميها بل وتدفعها إلى أقصى حدود الإبداع والعطاء. يجب أن يكون حق مكفول لهم ودون نقاش مقابل اجتهادهم ومقابل أيضا تلك القدرات الفطرية الاستثنائية التي منحهم إيّاها المولى عز وجل. بل إنه من واجب الجزائر تكوين هؤلاء الطلبة في جامعات ذات مستوى عال حتى تستفيد منهم مستقبلا، طبعا إذا كانت هناك إرادة سياسية واضحة.
خلاصة القول، أن منع الطلبة من المنحة بالشكل الحالي مع عدم وجود معاهد وجامعات امتياز خطأ جسيم يجب التراجع عنه بكل شجاعة ويجب المرور بمرحلة انتقالية يتم خلالها تهيئة وإعداد كل شروط نجاح برنامج التميز داخل الوطن، من بناء المنشآت واستقطاب الأساتذة المتميزين. خلال هذه المرحلة الانتقالية يستمر الابتعاث، لكن في إطار دفتر شروط صارم يجبر الطلبة على العودة مباشرة بعد الانتهاء من الدراسة. وبهذا يتحقق للطلبة حلمهم وللجزائر نهضتها.
اللهم إلا إذا كان الهدف هو حل المشكل بطريقة بدائية متخلفة، فبدلا من القضاء على ظاهرة هجرة الأدمغة، نقضي على الأدمغة الجنينة بصفة كلية وبالتالي يحل المشكل بصفة جذرية، كما يقال في المثال الشعبي: “يتهنّى الفرطاس من حكّان الراس”.


Nombre de lectures : 1519
PAS DE COMMENTAIRES

LAISSER UN COMMENTAIRE

*

*

Ce site utilise Akismet pour réduire les indésirables. En savoir plus sur comment les données de vos commentaires sont utilisées.

Congrès du Changement Démocratique