Édition du
21 November 2018

في الواقع الأحادي للتعددية السمعية البصرية في الجزائر

www.alquds.co.uk

7 – نوفمبر – 2018

 بشير عمري

ارتبط شهر أكتوبر/تشرين الأول في الوجدان الجزائري وجيل ما بعد الاستقلال بالتحرر النسبي من قبضة الأحادية المقيتة، التي جثمت على واقع ووعي المواطن لعقود ثلاثة، سُحق خلالها أمل بناء دولة عصرية قوية تستجيب لطموحات الشهداء، الذين أعطوا الدم مقابل الغد المشرق، تبنيه الأجيال الحرة المتلاحقة، فشابه الحدث «الأكتوبري» أو كاد في عظمته وصداه وقدسيته لدى الجيل الجديد الحدث «النوفمبري» 1954 الذي قلب به جيل الثورة معادلة التاريخ واسترد بالقوة السيادة الوطنية على الأرض.
لكن الجيل الأول رفض أن تغدو الأكتوبرية بديلا للنوفمبرية، وأمرا مركزيا في الوعي الوطني، حتى لو ناطح بذلك منطق التاريخ ذاته، ولعل أبرز قلاع التجلي في صراع البعدين الزمنيين في معركة الوعي، كان الإعلام، الذي تطور وتورط في تضاريس المسار التعددي الوعر، بشكل لا نظير له في تاريخ ما بعد الثورات والانتفاضات في العالم، ولئن كان الانتقال قد حصل نسبيا على مستوى الصحافة المكتوبة، فإنه على الصعيد السمعي البصري لقي ولا يزال عنتا، ليس فقط جراء تأثير البقية المتهالكة من سلطة الجيل القديم، وإنما من تدخل التيار الثالث في المسرح السياسي والقيادي الوطني، وهو تيار المال وجبروته الإفسادي المعيق للتحول في الوعي الوطني المؤسسي الصحيح.
وإذا ما سعينا لفهم عمق الإشكال الذي أنتج حالة التنافر المستديمة بين تطور وعي المجتمع الإعلامي، وسلطة الأمر الواقع، فلا مناص من الإشارة هنا إلى تلك الصدامية المرتسمة بين أمرين متضادين على المستويين النظري والواقعي، أي بين طبيعة التعددية، كمفهوم مؤَسس ومؤسِس للدولة الحديثة على مختلف صُعد نشاطها، طبيعة السلطة في الجزائر التي نشأت عن إرادة ضدية لكل تعدد يفرض منطقه المفهومي الخاص المطرد، ليتصل قسرا بمفهومها المركب الملفق لهذا البعد المبدئي. فإذا كان التعدد ثروة شاملة ورافدا يصب في نهر تاريخ الأمة يقوي من سيله ويديم جريانه، ثروة رمزية لا تقل أهمية عن الثروة المادية، فقد رأته سلطة الاستقلال، على غير ذلك النحو، مستعدية بذلك المفهوم المنطقي الفلسفي للأشياء بداعي الخشية من ذهاب ريح الجماعة، وتفكك عُرى المجتمع، وهو الإقرار الضمني باستحالة التعدد ومحاولة قولبتها غصبا في قالب التوحد.

صورة قاتمة عن هول مساحات الإخفاق لسلطة الدولة الوطنية الناشئة بعد الاستقلال، في قيادة المجتمع نحو التطور الطبيعي

طبعا لم يكن ثمة بد من أن تنتهي حالة التركيب التصارعي المتناقض، التي وضعت عليها قواعد التأسيس الأولى للدولة الوطنية، بين مفهوم نظري حتمي للتطور التعددي منبثق من منطق التاريخ وشروطه، ورؤية محتومة وليدة لحظة جنونية محمومة في الصراع على السلطة، إلى صدام دائم، انقشع وميض أواره الأول، وانفلتت أولى ذبدبات صداه عبر أقلام الصحافة المكتوبة، التي كانت من خلال الجرأة المعزولة لبعض الأسماء، لاسيما في الصحافة الفرانكفونية التي كانت تتمتع بحصانة وقوة داخل الأجهزة والآلهة المتصارعة داخل المعبد الحاكم، ولا أدل على ذلك من شغف الجزائريين القارئين للصحافة الفرانكفونية بجريدة «الجزائر الأحداث» التي كانت الأعنف نقدا وانتقادا لممارسات الحزب الواحد التي لم يكن تأثيرها بالقوة التي كانت ستغدو، في ما لو لم تعرف المقروئية العربية ذلك الاتساع، نتيجة تعريب التعليم وانتشار التعليم الأساسي. لكن وصول الصراع بين أجنحة السلطة إلى ذروته ولجوئه إلى الحسم عبر الشارع، من خلال تثويره قبل أن يصدم الجميع بهول الأبعاد التي أخذها الشارع نتيجة الاحتقان والضيق من ضيم وظلم الأحادية، عجّل بالانتقال إلى التعددية الصحافية، بالموازاة طبعا مع التعددية السياسية، التي تم الإقرار بها على استحياء، توضحه الصيغة الدستورية سنة 1989 التي رسمت الاعتراف بالتيارات المتعددة بعبارة «حرية إنشاء جمعيات ذات طابع سياسي» ولم تذكر الأحزاب تصريحا! وهكذا شهدت الساحة الإعلامية توالدا مطردا للعناوين الصحافية، أماطت اللثام عن وعي جديد كان يتفاعل تحت الأرض في سراديب السرية، فازدانت الساحة الوطنية بخطابات ثقافية، فكرية وسياسية دفعت بالجزائر إلى صدر الحدث الإقليمي والدولي وقتها بوصفها أنموذجا نوعيا في الانتقال المجتمعي الشامل.
ولكون قيادة الإصلاح الوطني السياسي منه والاقتصادي التي كانت تقود البلاد وقتذاك، تحت إمرة الرئيس الراحل الشاذلي بن جديد، كانت جادة في مسعاها للمضي قدما نحو تكريس القطيعة مع رؤى النظام السابقة، القائمة على احتكار التاريخ والثروة على حساب منطق التاريخ ذاته، وأبرز مبادئه المفهومية وعلى رأسها التعددية، ولكون أيضا قدرة البلاد الضعيفة وقتها على الذهاب الفوري إلى التعددية السمعية البصرية، فقد فتحت القناة الوطنية الأحادية بشكل أو بآخر على التعددية الوليدة، وصار المجتمع يكتشف بالصوت والصورة طبيعته المتعددة والمتطورة، في نسق التحول الحتمي والطبيعي محليا، إقليميا وعالميا، واستحالت بذلك القناة التلفزيونية الجزائرية إلى منبر نوعي مشترك نسبيا، ولم يعد خطاب السلطة المنبوذ يهيمن على أسماع ومرأى الجزائريين، تكفي الإشارة هنا فقط إلى الصيت والسمعة الوطنية التي كانت تُحظى بها حصة «في لقاء الصحافة» التي كان ينشطها الإعلامي مراد شبين نهاية الثمانينيات وبداية التسعينات، يستضيف من خلالها شخصيات وأحزاب ورجال الفكر والثقافة، لإدراك قيمة ومستوى التحول في الوعي والممارسة التعددية على نطاق واسع من خلال قناة واحدة تخلصت من الأحادية. لكن مع الارتكاسة السياسية الكبرى التي تسبب فيها الطرف المحافظ في السلطة وردته العنيفة والعنفية على العهد الجديد، بعد إيقاف المسار الانتخابي سنة 1992 أعاد المشهد وأبطاله إلى المربع الأول، ونكصت المؤسسة التلفزيونية على أعقابها مرتجعة إلى العهد القديم، مستبدلة الخوف من الاستعمار بالخوف من الإرهاب، مجمدة لمسار تطور التعددية الوليدة بحجة أن المجتمع غير قابل وغير قادر على ممارسة التعدد في واقعه، قبل أن تصدم هاته السلطة غير المواكبة لآليات تطور التاريخ، بانفجار البث الفضائي، والهجرة الجماعية للمتلقي الجزائري إلى القنوات الخارجية تنفيسا من خنق الرؤية الأحادية الجديدة.
ومع مجيء بوتفليقة للحكم نهاية القرن الماضي، تم تعزيز الهيمنة على الإعلام السمعي البصري من قبل السلطة، من خلال رفض التفكير في مجرد فتح النقاش حول فكرة التحول إلى التعددية السمعية البصرية، فطغت خطابات الرئيس والحصص الممجدة لإنجازاته وزياراته والندوات التي تحلل سياساته، متذرعة السلطة في رفضها ذلك، بكون التعددية ممارسة على مستوى المجالس المنتخبة داخل بنيات مليئة بأصوات نشاز بالترف الفكري والأيديولوجي الحزبي، أما مصلحيا فالكل سواسية وسواء! وتحت ضغط تطور البث الفضائي وانتشار اقتصاد الإعلام الحر، قبلت السلطة على استحياء أيضا بالتعددية السمعية البصرية، لكن بخطاب أحادي، لا يخرج عن سياساتها و لا يمرق عن مبتغاها، فعكس القناة الواحدة (القناة العمومية) عشية التعددية السياسية التي كانت متعددة الصوت، تبرز اليوم القنوات المتعددة بصوت واحد لا يخرج عن مساق السلطة وسوقها الخطابي، كل ذلك بسبب اختراق رجال المال لهذا الفضاء، ما عسر تطوره بالشكل الطبيعي، مثلما تطورت الصحافة المكتوبة لأنها تأسست عبر أصحاب المهنة في شركات وتعاونيات أنشأها صحافيون بدعم من السلطة الإصلاحية حينها. والإشكال القائم هنا فيما يتعلق بهذا الحضور المطرد في التعدد (الأحادي) لقطاع السمعي البصري، هو خلوه من المشروع، فراغ قاتل يعكس حالة الانفصام والانفصال الحاد بين تطور المجتمع ونخبه الحاكمة والمثقفة، فإذا كانت لسلطة السمعي البصرية الواحد الأحادية في ما مضى مشروع واضح وهو تنشئة المواطن على أسس الخطاب الأيديولوجي للدولة الوطنية وقتها، فإن تحول سلطة السياسة وسياسة السلطة إلى ما وراء الحافة الأيديولوجية دونما توافق وطني على مشروع تأسيسي، جعل هذا التعدد يقف على فراغ قاتل يجعله أبعد من أن يغدو بديلا عن أحادية الماضي، فضلا عن أن يعبر عن الحاضر! هي إذن صورة أخرى قاتمة عن هول مساحات الإخفاق لسلطة الدولة الوطنية الناشئة بعد الاستقلال، في قيادة المجتمع نحو التطور الطبيعي في مسرح التاريخ، بسبب رفض سنة التغيير الجيلي، وطغيان روح الغنائمية والسعي لاستبقائها غصبا عن منطق التاريخ ذاته.
كاتب صحافي جزائري


Nombre de lectures : 636
UN COMMENTAIRE

LAISSER UN COMMENTAIRE

*

*

Ce site utilise Akismet pour réduire les indésirables. En savoir plus sur comment les données de vos commentaires sont utilisées.

  • tarak
    10 novembre 2018 at 19 h 13 min - Reply

    Bonsoir à tous

    La RTA est travestie en une dizaine de chaines à langue de bois.




    1
  • Congrès du Changement Démocratique