Édition du
19 March 2019

« الجيش ليس محايدا لكنه لا يريد التدخل « بطريقة التسعينات

أخبار الوطن3 يناير 2019 – محمد سيدمو

 /www.elkhabar.com

يرى حسني عبيدي  الباحث السياسي الجزائري ومدير الدراسات والأبحاث حول العالم العربي والمتوسط بجنيف،  بأن الرئاسيات وضعت النظام السياسي في مأزق، « بين الحفاظ على الشكلية الانتخابية وإجراء الانتخابات في موعدها، رغم الوضع الصحي للرئيس بوتفليقة، أو القيام بتأخير الموعد الانتخابي حتى تتضح الأمور، ما يعني نهاية المسار الانتخابي وسقوط مبدأ دستورية الوضع السياسي الحالي ». ويقول أستاذ العلاقات الدولية بجامعة جنيف، إن « الجيش الجزائري لا يزال فاعلا في صناعة كل القرارات، وبالتالي فإن أي تدخل إضافي يعني الانقلاب على الرئيس، وهو خط أحمر لجيش لا يريد تكرار تجربة العشرية السوداء بنخبة عسكرية تختلف في بنيتها السياسية وخلفيتها العسكرية عن سابقاتها ».

وزارة الدفاع أصدرت بيانا شديد اللهجة ضد ضباط سابقين طالبوه بالتدخل في الرئاسيات.. هل تعتقد أن الجيش يريد أن ينأى بنفسه فعلا عن الرئاسيات، أم أنه يريد فقط أن يؤكد ولاءه للرئيس وقراراته؟
* أولا؛ بيان الجيش الأخير غير مفاجئ، لا في توقيته ولا في محتواه، لكنه يحمل في طياته عناصر مهمة تتمثل في حدة وقوة المفردات المستعملة، تحديدا حرصها على احترام الدستور والإشارة إلى المؤامرة، وكأن المؤسسة العسكرية تم استفزازها بقوة، بمقالات صحفية تطالب بضرورة احترامها للدستور، في حين أن بيانها ليس بعيدا عن ذلك. الفرق في الوسيلة؛ أي أنها لا تريد أن تتدخل الآن وليس غدا.

ثانيا، قيادة الجيش حريصة على مهنيتها التي اكتسبتها منذ سنوات، وعلى انسجامها الذي هو مشروط بعدم تسييسها. اعتبارا للتوافق بين رئيس الأركان ورئيس الجمهورية ومحيطه، لا شيء يستدعي تغيير خطتها وتصورها، بحكم أنها شريك أساسي في الحكم. كيف نطالب العسكر بالتدخل وهو فاعل أساسي في كل القرارات التي يعتبرها سيادية وتخصه. أي تدخل إضافي يعني الانقلاب على الرئيس، وهو خط أحمر لجيش لا يريد تكرار تجربة العشرية السوداء بنخبة عسكرية تختلف في بنيتها السياسية وخلفيتها العسكرية عن سابقاتها.

لكن سياسة النأي بالنفس عن احترام موعد انتخابي من عدمه، لا تعني الحياد المطلق.. أعتقد أن الظروف السياسية والأمنية هي المحدد الرئيسي لأداء الجيش، وليس تصور سياسي أو إجراء استباقي مرتبطا بموعد انتخابي، لن يغير في معادلة الحكم في الجزائر ولن ينقص من مركزية المؤسسة العسكرية في صناعة القرار.

كيف تفسر الغموض الذي يسود الوضع السياسي في الجزائر قبيل أشهر من الانتخابات الرئاسية؟

* حرِصَ النظام السياسي في الجزائر منذ عقود على احترام الحد الأدنى للعملية الانتخابية، الذي يتمثل في احترام المواعيد الانتخابية وعدم تجاوز الاستحقاق الانتخابي شكليا لتمرير من يراه مناسبا للحكم، سواء تعلق الأمر بالانتخابات البلدية أو التشريعية أو الرئاسية. لذا، فإن النظام في الجزائر أمام تحدي الإبقاء على الشكلية الانتخابية وإجراء الانتخابات في موعدها، رغم الوضع الصحي والغموض حول ترشح الرئيس بوتفليقة أو الالتفاف على آخر « مكسب »، أو القيام بتأخير الموعد الانتخابي حتى تتضح الأمور، ما يعني نهاية المسار الانتخابي وسقوط مبدأ دستورية الوضع السياسي الحالي.

هذه الثنائية المتمثلة في جدلية الإبقاء على الانتخابات أو تأجيلها، جعلت النظام في مأزق؛ لأنه مطالب بإيجاد بديل في كلتا الحالتين.. من هنا، يبدو ترشح الرئيس بوتفليقة المغيب أصلا من صناعة القرار، أمراً ثانويا أمام عجز منظومة الحكم الحالية عن إيجاد آلية مقبولة دستوريا وشعبيا للانتقال السياسي. وبالتالي، فإن بقاء الرئيس يكسر جمودا في الوضع السياسي هو بدوره مؤشر موضوعي على تكافؤ موازين القوى في هرم السلطة الذي يضمن استمرار النظام دون غالب لو مغلوب.

ما رأيك في دعوات بعض أحزاب الموالاة إلى التمديد للرئيس بوتفليقة؟

* أحزاب الموالاة تعبير سياسي مرخص له من قبل النظام. تعبير لا يرتقي إلى درجة العمل الحزبي ولا العمل السياسي من أجل ضمان تداول سلمي على السلطة، أو اقتراح مشروع مجتمعي لجزائر الغد. نحن أمام مشهد سياسي تم تفصيله من قبل النظام منذ 1999، لا يتسع لأحزاب سياسية حقيقية. عندما يصبح الخطاب السياسي لأحزاب في السلطة أو خارجها مقتصرا على التمديد للرئيس أو عدمه، من الصعب الحديث عن تجديد النخبة السياسية أو التفكير في إعادة بناء مؤسسات دستورية. بمعنى آخر؛ أحزاب الموالاة لا يمكنها أن تخرج عن الإطار المحدد لها من قبل النظام السياسي الذي يحرص على الإبقاء على شكلية البيئة السياسية والنسق السياسي والانتخابي لا أكثر. هذا لا يمنع النظام السياسي من تسويق دعوات الأحزاب بالتنديد أو المطالبة بندوة وطنية كشرعنة وقبول من قبل المجتمع لتصور يحاول النظام تقديمه.

حركة مجتمع السلم التي تنشط في المعارضة، تطالب أيضا بتأجيل الانتخابات.. ما رأيك فيما تطرحه؟

* حركة مجتمع السلم تخشى عمليات التلغيم داخل صفوفها، ما يؤدي إلى إضعافها. كما أن مشاركة كل الأحزاب السياسية من موالاة أو معارضة في البرلمان أو الحكومة، أدت إلى خلق نمط من الزبائنية، ينقص من هامش الحركة ويقلل من مصداقيتهم. حركة مجتمع السلم ليست سباقة في المطالبة بتأجيل الانتخابات، لكنها تريد غلق باب المزايدة والقول إن معضلة النظام لا تكمن في شخص الرئيس أو الاستحقاق الانتخابي، بقدر ما هي تكمن في طبيعة النظام السياسي. خطاب مزدوج يضمن للحزب الاستمرار في المعارضة والحفاظ على أوراق تمكّنها من المشاركة في السلطة.

ما هو الخلل الذي تراه تحديدا في فكرة مقري الداعية إلى التوافق الوطني على إصلاحات سياسية واقتصادية مقابل تأجيل الانتخابات الرئاسية؟

* فكرة التوافق جذابة، لكن تنقصها الضمانات.. ما هي الضمانات التي تطرح حتى يؤدي التوافق إلى عملية سياسية جديدة مبنية على شرعية دستورية؟ ما هي طبيعة الجهة الضامنة؟ هل هي الرئاسة التي هي في الأصل طرف في الأزمة؟ أم الجيش الذي لا يريد التدخل؟ أعتقد أن الثقة غائبة اليوم في الجزائر، ولهذا ما يبرره.. ففي الانتخابات الرئاسية لسنة 1999، نزلت أوزان ثقيلة الانتخابات، على غرار حسين آيت أحمد وأحمد طالب الإبراهيمي وغيرهما، ولم يكن لهؤلاء ليدخلوا السباق لولا حصولهم فعلا على ضمانات بنزاهة العملية الانتخابية، لكنهم اكتشفوا في منتصف الطريق بأنهم تعرضوا للخداع وانسحبوا، وهذا أفضى إلى مزيد من الشرخ بين الأحزاب والشخصيات، وبين منظومة الحكم، لا تزال آثاره إلى اليوم.

في اعتقادي، فإن عبد الرزاق مقري يبني مشروعه على حسابات لا يتحكم فيها، وبتكلفة عالية جدا هي خرق الدستور، الذي رغم عيوبه يبقى هو المؤسسة الوحيدة الأكثر استقرارا. تجاوز الدستور بذريعة أن البلاد في أزمة، سيكسر حاجزا نفسيا مهما، وقد يشكل سابقة خطيرة من أجل تحقيق توافق وطني غير مضمون النتائج.

تُستدعى دائما تجارب إسبانيا والبرتغال في تحقيق التوافق السياسي، وكذلك تجارب دول أمريكا اللاتينية وأوربا الشرقية.. ما الذي تراه الأنسب للجزائر؟

* أعتقد أن الإسقاط على تجربتي إسبانيا والبرتغال ليس دقيقا، فهما بلدان، رغم الحكم العسكري الذي كان مسيطرا فيهما، إلا أن مؤسسات قوية وقارة بقيت لديهما. في إسبانيا، قامت المؤسسة الملكية بدور أساسي، وكان لها ضمانات الجيش للمرور بالبلاد إلى الانتقال الديمقراطي. النخب الجزائرية في اعتقادي، عليها دراسة تجارب دول أمريكا اللاتينية، التي قاد فيها الجيش بمساهمة رجال الأعمال، عملية الانتقال السياسي. قد يكون الفارق أن في هذه الدول، وجدت نخب نزيهة ومتجردة، استشعرت ضرورة التحول، وهو ما ينقص الجزائر في الوقت الحالي.

كيف سيكون شكل الرئاسيات المقبلة في ظل الضبابية الشديدة التي تحيط بها؟

* تكتسب الرئاسيات أهمية بالغة في الجزائر لما يخوله الدستور من صلاحيات للرئيس. لكن الاستمرار في حالة الجمود الحالي واللغط المتواصل حول موعد تنظيمها، أفقد الرئاسيات « قدسيتها » وأسقط مبدأ مأسسة الانتخابات. من هنا، فإن تنظيم الرئاسيات في موعدها رغم الغموض والارتباك الكبير في المشهد السياسي، سيجعلها لا حدث. إعادة ترشح الرئيس ستكون بمثابة تصويت مدى الحياة على رئيس تم الإبقاء عليه؛ لأنه لا يحكم فعليا ولا يشكل تهديدا على توازن القوى الذي يعتبر المحدد الأساسي في منظومة الحكم. منافسة الرئيس المرشح مجازفة غير محسوبة لعملية انتخابية محسومة مسبقا. أما أخطار هذا الاتجاه؛ هو تفاقم الهوة بين المواطن والعملية السياسية، وتعطيل أي مشروع إصلاحي وتغييب مستمر للجزائر في القضايا الإقليمية والدولية، وانكماش ما بقي لها من تأثير في التحديات الأمنية والاقتصادية. لكن أكبر تحدٍ هو داخلي؛ ويتمثل في مقاطعة الانتخابات التي تعتبر موقفا سياسيا معارضا بامتياز ويطعن في شرعية الرئيس المقبل.

ما هي البدائل التي في نظرك يمكن للنظام أن يلجأ إليها في حال قرر بوتفليقة الانسحاب في 2019؟

* قرار الانسحاب إن تم، سيكون هو الحدث الأبرز وليس تنظيم الانتخابات. والحديث عندها سيكون عما قبل الرئيس بوتفليقة وما بعده. لكن الانسحاب الإرادي يتطلب شروطا لا بد من توفيرها؛ منها الضمانات الممنوحة للمحيط الرئاسي وللأطراف المتحالفة معه، طبيعة الجهة الضامنة وقدرتها على فرض احترام الضمانات من قبل الجميع، وأخيرا التوافق حول مرشح جديد، أو على الأقل مواصفات رجل المرحلة المقبل.

إذا سلمنا بأن الرئيس الحالي جزء من ثلاثية حاكمة تجمع أقطاب الرئيس ومحيطه، المؤسسة العسكرية والمقاولون الجدد من رجال الأعمال، فإن تغيير قطب (الرئيس) لن يؤثر على معادلة الحكم التي ستضمن استمرار النظام. كما أنه لو سلمنا لفرضية الرئيس المفاجأة، فإن هذا الأخير لن يصنع ثورة داخل النسق الحالي. هذا لا يعني انعدام الترشيحات أو غياب المنافسة بين المترشحين، لكن لا يمكن بناء مشروع رئاسي جديد يُكوّن قطيعة مع الماضي في ظرف ثلاثة أشهر، وفي ظل نظام سياسي، تعمد الإقصاء السياسي والتصحير الفكري على مدى سنوات مروجا لمقولة مفادها أن النخبة السياسية الحالية مفلسة وغير جاهزة للحكم. أي ترشيح رئاسي سيكون محفوفا بالمخاطر؛ لأنه يدرك أنه أمام سيناريو مخيف وليد الإرث السابق؛ أي تدهور إضافي في الوضع الاقتصادي والمستوى المعيشي، يؤدي حتما إلى تذمر وغليان شعبي تتجاوز معالجته قدرة الرئيس الجديد.

هل القوى الخارجية المهتمة تقليديا بالجزائر سيكون لها دور في الرئاسيات المقبلة؟

* الجميع يشيد بقدرة الجزائر على تجاوز تداعيات الربيع العربي، وإنها بقيت حصنا منيعا. لكن القليل مكترث بأن الفاتورة التي دفعتها الجزائر مكلفة وإنها دفعت وتدفع وهي وحيدة. المقاربة الغالبة لدى القوى المهتمة بالجزائر؛ هي الحفاظ على الاستقرار والأمن مهما تعددت الوسائل والطرق. يجب الاعتراف بأن المطلب الديمقراطي لم يعد يشكل أولوية بالنسبة للغرب.. تصاعد اليمين المتطرف والتيار الشعوبي، بالإضافة إلى تحديات الهجرة والإرهاب المقترنة مع الانكماش الاقتصادي، أنقصت من هامش الحركة والتأثير لدى القوى الخارجية.

صحيح أنها تحرص على تحقيق الحد الأدنى من المشاركة الشعبية، لكن دون اقتناع أو رغبة في تغيير سلوك الدول. لذا، فإن الجزائر ظلت حريصة على التظاهر باحترام المواعيد الانتخابية لغلق باب التأويل والانتقادات. فعليا، فرنسا والولايات المتحدة تتابعان الوضع في الجزائر لاعتبارات أمنية واقتصادية. كما أن الرئيس المقبل أو من يعمل على تسويقه، يدرك بأن التوافق مع باريس وواشنطن شرط ضروري لإنجاح مهمة الرئيس المقبل، خاصة وأن التحدي الآتي طابعه اقتصادي وأمني.


Nombre de lectures : 1330
PAS DE COMMENTAIRES

LAISSER UN COMMENTAIRE

*

*

Ce site utilise Akismet pour réduire les indésirables. En savoir plus sur comment les données de vos commentaires sont utilisées.

Congrès du Changement Démocratique