Édition du
18 January 2019

القصة الكاملة لاستقالة الشاذلي بن جديد


الخبر

10 janvier 2019
بقلم : عبد العزيز بوباكير
يخطئ من يظنّ أن الشاذلي بن جديد أوقف المسار الانتخابي، فهذا القرار اتخذه المجلس الأعلى للأمن يوم 12 جانفي 1992، باقتراح من العربي بلخير والجنرال خالد نزار وحاشيتهما، ومباركة لجنة عبد الحق بن حمودة لإنقاذ الجزائر، وتأييد أحزاب علمانية وجمعيات نسوية. وكان هناك من حاول دفع الشاذلي نحو هذه الخطوة، لكن الرئيس رفض ذلك رفضا قاطعا.

تسارعت الأحداث في الأسبوع الأول من السنة. بارك الشاذلي خروج مناضلي جبهة القوى الاشتراكية إلى الشارع للمطالبة بحماية الديموقراطية والسلم المدني، وبسبب وقوع تجاوزات خطيرة جرى الطعن في نزاهة العملية الانتخابية، واختلط الحابل بالنابل. كانت البلاد مفتوحة على كل الاحتمالات وحبلى بكل التوقعات، وخلا المجال أمام المغامرين وأهوائهم التسلطيّة الذين حاولوا دفع الشاذلي إلى تزكية انقلاب عسكري. وكان المواطنون يعيشون فترات من القلق والترقب بعد إعلان الحكومة عن فشلها في تحقيق وعدها بتنظيم انتخابات نزيهة ونظيفة وعن عزمها الاستقالة. كان يجب إيجاد حلّ سلمي بعد اكتساح جبهة الإنقاذ للفضاء العام والمؤسسات المنتخبة، وكان إجراء الدور الثاني من الانتخابات التشريعية المقرّرة يوم 16 جانفي مثيرا لكل المخاوف والشرور. 

كان من رأي عبد الحميد مهري مواصلة المسار الانتخابي واحترام إرادة الشعب، ونقل الصراع إلى البرلمان من خلال تحالف بين جبهة التحرير الوطني وجبهة القوى الاشتراكية. ونقل مهري للشاذلي أن حسين آيت أحمد يعارض إيقاف المسار ويعتبره انقلابا، وأنه قال له: » في كل الأحوال من حقّ الرئيس حلّ البرلمان ». ومنذ ذلك الوقت لم يتوقف خالد نزار، بعد أن فشل في إقناع آيت أحمد بتولي الرئاسة، عن معاداة جبهة القوى الاشتراكية واتهام زعيمها بأنه ما يزال تحت التأثير المخدّر للفرع الفرنسي للأممية العمالية (SFIO). والتقى نزار، أيضا، بأحمد بن بلة لنفس الغرض. وفي آخر لقاء لنزار بالشاذلي سأله عن رأيه في محمد بوضياف فأجابه الشاذلي: » أنتم تعرفونه، أثناء الصراع بين هيئة الأركان العامة والحكومة المؤقتة ردّ على اقتراح بومدين له منصب الرئاسة أنه يرفض العمل تحت جزمة العسكر ». وإلى يوم رحيله لن يجد الشاذلي مبررا لقبول بوضياف منصب رئاسة المجلس الأعلى للدولة. وكيف أقنع نفسه، بعد طول تجربته ودروس منفاه، بأنه هو المنقذ! قال لي الشاذلي : »حين شاهده في التليفزيون، وهو يتهاوى في عنابة تحت وابل من الرصاص انتابني شعور غريب بأن تلك الرصاصات كان من الممكن أن تكون من نصيبي ».

نزلت استقالة الشاذلي المفاجئة كالصاعقة على الجميع. لاحظ المجلس الأعلى للأمن في تصريحه « استحالة مواصلة المسار الانتخابي حتى تتوفر الشروط الضرورية للسير العادي للمؤسسات ». وتكفل مؤقتا بكل ما من شأنه المساس بالنظام العام وأمن الدولة، أي أن المجلس الأعلى الأمن أصبح هو الحاكم الفعلي إلى غاية إيجاد حلّ لشغور منصب رئاسة الجمهورية. واضطر إلى اللجوء إلى المجلس الدستوري.

يوم 11 ديسمبر استقبل الشاذلي أعضاءه، وسلّم لرئيسه عبد المالك بن حبيلس رسالة استقالته. وقال لأعضاء المجلس « بعد تقييمي للوضع، وتفكير طويل للمرحلة الراهنة والتطورات التي تعرفها البلاد، وحتى لا أكون عائقا أمام أيّ تفكير تحفظ من خلاله وحدة الأمة واستقرارها، قرّرت أن أعلن أمامكم عن استقالتي من رئاسة الجمهورية ابتداء من اليوم، وأملي من خلال الرسالة المكتوبة والممضاة، أن تبلّغ للرأي العام الجزائري. وهذا القرار ليس تهرّبا من المسؤولية، بل بالعكس أراه ضرورة نظرا لصعوبة الوضعية وخطورتها، فضّلت أن اتخذ هذا القرار لمصلحة البلاد والأمة ووحدة الشعب واستقرار البلاد وأمنها.

وحتى أجعلكم في الصورة، فإنني اخترت إعلان استقالتي أمام المجلس الدستوري، لأنني قمت بعد آخر جلسة للمجلس الشعبي الوطني بحلّ البرلمان. والمجلس الدستوري هو الهيئة الدستورية الوحيدة التي بقيت بعد رئاسة الجمهورية والمجلس الشعبي الوطني ».

كان من المفروض أن يتولى عبد العزيز بلخادم، وفقا للمادة 117 من الدستور، رئاسة الدولة لمدة 45 يوما، لكن الشاذلي آثر حلّ البرلمان في 5 جانفي، تفاديا لأيّ انزلاق، إذ لم يكن الجيش يطمئن لبلخادم، وكانت الصحافة آنذاك تشنّ حملة عليه، متّهمة أيّاه بعلاقة مشبوهة بإيران. وكما كان متوقّعا رفض عبد المالك بن حبيلس تحمّل مسؤولية رئاسة الدولة مؤقتا، فقد كان يدرك، بحكمته المعروفة، أنه قد يتحوّل إلى دُمية في يدي جماعة متخفيّة وراء الستار، وتمّ اللجوء في آخر المطاف إلى محمد بوضياف على رأس مجلس أعلى للدولة.
= = = = =
لم يكن خيار الاستقالة بالنسبة إلى الشاذلي سهلا. هل جاءت في الوقت المناسب، هل تأخرت عن موعدها؟. كان الشاذلي نفسيا، والحق يقال، مستقيلا منذ حوادث أكتوبر 1988، وكان في خطابه في 19 سبتمبر قد طالب « بإعطائه حريته وإطلاق يديه ». فقد اقتنع باستحالة قيَام ممارسة سياسيّة شفّافة في البلد، وربّما كانت قراءته للواقع الجزائري خاطئة. وصاحب استقالته صراع داخلي مقلق بين التشبّث بكرسي الحكم ونداء الضمير. وانتصر في النهاية نداء الضمير.
كان الطريق إلى الاستقالة طويلا ومثقلا بالأحداث…
في 10 سبتمبر 1989 عيّن مولود حمروش رئيسا للحكومة، خلفا لقاصدي مرباح. كان الشاذلي يعوّل على الوجوه الجديدة والشابة، وكان حمروش من هؤلاء. راهن على ذكائه وقدرته الفائقة على العمل وعلى اطلاعه على الملّفات الاقتصادية والسياسية الحسّاسة. كان من الثقاة، عمل معه بإخلاص ووفاء وتفان طيلة 13 سنة، كان رجل دولة بأتمّ معنى الكلمة، سواء في منصبه كأمين عام للحكومة أو كأمين عام للرئاسة. ولا يخفي الشاذلي أنه كان يعدّه لخلافته، وكانت نقطة التوافق بينهما هي أن النظام لا يمكن إصلاحه إلاّ من الداخل، لكن دون تسرّع. أسند الشاذلي إلى حمروش مهمة محدّدة، وهي الإشراف على الإصلاحات ومتابعتها. لكن حمروش، كما يقول الشاذلي، سحب الغطاء كلّه نحوه وتسرّع حيث لا يجب التسرّع.
ويندهش الشاذلي في غالب الأحيان لمّا يسمع البعض يتحدث عن إصلاحات حمروش، أو حكومة حمروش الإصلاحية. الإصلاحات، كما يردد الشاذلي » هي إصلاحاتي، أنا صاحبها وكنت أنا باعثها. فلكي تقوم بإصلاحات، خصوصا في بلد مثل الجزائر، يجب أن تملك السلطة، والسلطة كانت بين يدي، ولم يكن حمروش سوى منفذ لهذه الإصلاحات ».

شرع الشاذلي في إطلاق الإصلاحات في مطلع الثمانينيات بإعادة هيكلة المؤسسات الاقتصادية. ولقيّت هذه الإصلاحات مقاومة شرسة في صفوف الحزب الذي اعتبرها تراجعا عن المكاسب التي تحقّقت في عهد بومدين، واصفا إعادة الهيكلة بتفكيك وتفتيت للقطاع العام. لم تكن إعادة الهيكلة محاولة للتخلص من بعض الإطارات، إنما هي سياسة من اللامركزية، حيث يحتل المقر الرئيسي للمؤسسة بعده الحقيقي، ويقوم بدوره في مجال التخطيط والتوجيه والمتابعة. ومُنحت صلاحيات محدّدة لوحدات الإنتاج، لكي تحلّ مشاكلها الداخلية على مستوى الإدارة المحلية ومجالس العمال. ولم يعد المقر الرئيسي يتكفل بحل مشاكل غير مهمة مرتبطة بالتسيير اليومي مثل قطع الغيار أو المشاكل التي تواجه العمال. وأصبحت كل مؤسسة تتحمل كل مسؤولياتها سواء على المستوى المركزي أو الجهوي.
أنهيت إعادة الهيكلية العضوية في سنة 1982 ، وتلتها إعادة الهيكلة المالية. وكان من المنتظر أن تتوّج العمليتين بإضفاء لامركزية المؤسسات وتشجيع المسيّرين والعمال ووضع حد للاختلالات المالية. وبلغ عدد المؤسسات العمومية المعنية بالعملية 480 تضمّ 2079 وحدة، حسب التقارير التي كانت تصل الرئاسة من وزارة التخطيط.
وبالنظر إلى تعثر الإصلاحات وبطئها وطغيان البيروقراطية على تسييرها قرّر الشاذلي سحب هذا الملف من الوزير الأول، وأوكل كل المسؤولية إلى مولود حمروش وفريقه. وكعادته نأى بنفسه عن التدخل في أمر اللجنة، واكتفى بتقديم التوجيهات العامة، وأطلق يد حمروش في قيادة الإصلاحات مع إلزامه بتحقيق نتائج في أفضل الآجال.

وسارت الإصلاحات بمفهومها الواسع باتجاه التمكين للتعددية السياسية واستقلالية المؤسسات العمومية وتشجيع الاستثمار الخاص وخوصصة الأراضي والمصادقة على قانون النقد والقرض وفتح الباب أمام استقلالية الصحافة. واتخذ حمروش قرارين يقول البعض أنهما أضرا به أكثر مما نفعاه. ويعترف الشاذلي بأنه يتقاسم مسؤولية ذلك معه. الأول إلغاء وزارة المجاهدين، وهو ملّف ثقيل أصبح يرهق الحكومة، وكان يجب تحويل صلاحيات الوزارة إلى المنظمة الوطنية للمجاهدين، الذين رأوا في هذا القرار طعنا في مزاياهم وانتقاصا من منزلتهم في المجتمع. والثاني إلغاء وزارة الإعلام التي أصبح لا معنى لوجودها في ظل وجود مجلس أعلى للإعلام وإمكانية تفعيل سلطة للضبط.
والحال، أن الإصلاحات اصطدمت بلوبيات متنفّذة في كل دواليب الدولة والحزب، وحتى المجلس الوطني الشعبي. قرّر الشاذلي في المؤتمر السادس أنلا يترشح لرئاسة الجمهورية، واجتمع قبل ذلك ببعض أعضاء اللجنة المركزية، وأطلعهم بأنه ماضٍ في الإصلاحات إلى أبعد حدّ ممكن، وإدخال تغييرات جذرية في المجالين السياسي والاقتصادي، وإن لم يوافقوا على ذلك عليهم أن يبحثوا عن مرشح آخر. وقال لهم « يكفي التغني بالثورة، هناك أجيال جديدة تتطلع إلى حياة أفضل ». لكن لا حياة لمن تنادي. أرسلوا إلى الشاذلي عبد الحميد مهري ليبلّغوني ما مفاده « لا تذهب بعيدا في الإصلاحات ». وأعطوا تعليمات للمناضلين للتصويب ب »لا » على دستور 23 فيفري 1989. طالب الشاذلي من المشرفين على تنظيم أشغال المؤتمر السادس للحزب ألاّ يعلّقوا صورته في القاعة، حتى لا يقال أن الشاذلي يضغط على المناضلين بحثا عن تزكية. وكان قد كلّف بوعلام بسايح بعد حوادث أكتوبر أن يقدّم تصوّرا معمّقا للإصلاحات، لكنه بسايح لم يذهب بعيدا في اقتراحاته. 

مرّ أكتوبر بكل ما في حوادثه من ضحايا وآلام وخسائر…

كان الشاذلي يشعر بنفسه وحيدا في مواجهة ما أفرزته زوبعة أكتوبر، فكل المؤسسات تهاوت مثل بناءات كارتونية. ولم يبق إلاّ الجيش صامدا. لم يتوقف الحراك السياسي في الشارع وفي المساجد، وأصبحت المسيرات تفرض منطقها في حلبة التجاذبات، وتغيّر المشهد السياسي بعد اعتماد التجمع من أجل الثقافة والديموقراطية والجبهة الإسلامية للإنقاذ. ولم تتوقف موجة العنف المسلّح الذي كانت ترتكبه بعض المليشيات تدّعي الجبهة الإسلامية للإنقاذ أنها بريئة منها (المذبحة الشنيعة في ثُكنة قمار، الهجوم على محكمة البليدة، تدنيس المقابر الخ…).

عجز حمروش عن احتواء الوضع، وحين كان الشاذلي يسأله عن حلول للانفلات الأمني واحتلال الساحات العمومية، كان يجيبه أنه يفضّل تدجين أنصار الفيس من خلال التعامل معهم في ساحتي أول ماي وساحة الشهداء على متابعتهم كل جمعة لدى خروجهم من المساجد. وطفح الكيل بتوجيه عباسي مدني تحذيرا للجيش وإعلانه عن الإضراب العام. وفي 12 جوان 1990 نظمت الانتخابات المحلية، وكان حزب جبهة التحرير الوطني واثقا من الفوز بها واطمأن مناضلوه بالا، واكتفوا بأمجادهم الغابرة! بعد شهر عيّن الشاذلي خالد نزار وزيرا للدفاع الوطني، وكان قرارا غير صائب ندم عليه طول حياته. فنزار لم يتغير منذ أن كان الشاذلي مسؤولا عنه في المنطقة الأولى للقاعدة الشرقية، يُقحم نفسه في أمور لا تعنيه، وينسب لنفسه خوارق في أحداث لم يكن حاضرا فيها. كان خالد نزار يؤكد للشاذلي مزهوّا أن جبهة الإنقاذ لن تحوز أكثر من 25% من الأصوات في أحسن الأحوال.
======
وفي 17 جانفي اندلعت حرب الخليج الأولى، وكان الشاذلي قد بذل جهودا كبيرة في التوسط مع جورج بوش وميتران والملك فهد لتفاديها. وزاد ذلك من احتقان الوضع الداخلي بسبب مطالبة الفيس بالسماح لمتطوعين بالالتحاق بالجبهة العراقية، سبحان مغيّر الأحوال الفيس الذي كان يتهم صداّم بالكفر والديكتاتورية يهبّ الآن لنصرته. ومن الواضح أن قيادة الفيس كانت تزايد بإذكاء مشاعر المواطنين في قضية تجهل تعقيداتها الدولية. وقد لام الشاذلي خالد نزار على استقباله علي بلحاج وقيادة من الفيس في مقر الحكومة، وكان تبرير خالد نزار أن المسيرة، التي نظّمت بداعي التضامن مع الشعب العراقي، كانت في الحقيقة متّجهة لاقتحام وزارة الدفاع، كما أنه كان، كما قال نزار للشاذلي، يريد معرفة النوايا الحقيقية للمتظاهرين. ولم يبق في نهاية الأمر أمام مصالح الأمن إلاّ اعتقال علي بلحاج وعباسي مدني، المسؤولين عن الفوضى العارمة التي وضعت البلاد على شفا حفرة من الانهيار.

بعد فوز جبهة الإنقاذ فوزا ساحقا في الاستحقاقات الانتخابية، حوّل منتخبو الفيس البلديات إلى منابر للدعاية والتحريض، وأصبحت مطالب المواطنين آخر اهتماماتهم، وطالب منتخبوهم بتطبيق الشريعة الإسلامية في تسيير شؤون البلديات! وعمّت حالة من اللاأمن تحوّلت تدريجيا إلى اغتيالات جبانة لخيرة أبناء الوطن. في الخامس من جوان أعلن الشاذلي عن حالة الحصار طبقا للمادة 86 من الدستور، وأمر الدرك الوطني بتفريق المعتصمين في الساحات. وأستدعى إلى زرالدة وزير الدفاع خالد نزار ليقدّم له تقريرا عن نشر وحدات الجيش في العاصمة. وكان الشاذلي قبل وصول نزار تناول الوضع مع عبد الحميد مهري والعربي بلخير وعبد العزيز بلخادم، وطرح معهم كل الاحتمالات الممكنة ووصلوا إلى نتيجة، وهي انسداد الوضع وضرورة البحث عن مخرج. ونطق عبد العزيز بلخادم بالقول « يجب البحث عن حلّ سياسي ». وافق الشاذلي على رأيه مضيفا: » إما أن تستقيل الحكومة أو تُقال ». لم يكن أحد من الأربعة ينتظر من الشاذلي مثل هذا الحسم.

لقد بذلت حكومة مولود حمروش جهودا لا يمكن نكرانها في مجال ترشيد النفقات العمومية، وإصلاح النظام النقدي والمالي للبلد، وتحرير التجارة الخارجية، وكسر الاحتكارات، وإضفاء الشفافية على التسيير. لكن، لسوء حظه، لم يكن يحظى بدعم مسؤولي الحزب وقادة الجيش. كان أعضاء نافذون في الحزب يتهمونه بمحاولة إحداث انشقاق في صفوفهم، أما خالد نزار فكان يسعى إلى زعزعة ثقة الشاذلي به، ويبث وسط ضباط الجيش أن حمروش عقد زواجا غير شرعي مع الفيس لتقاسم السلطة. ثم روّج في مذكراته، بشكل مخزٍ، لتواطؤ بين الشاذلي وحمروش والفيس للبقاء في السلطة. 

كان سيد أحمد غزالي، وزير الخارجية، في رحلة افريقية لماّ عيّنه الشاذلي رئيسا للحكومة. في البداية كان مترددا، ثم قبل المنصب تحت ضغط خالد نزار والعربي بلخير، وتعهد أمام الشاذلي وأمام الرأي العام بتنظيم انتخابات تشريعية نظيفة ونزيهة. وحدثت الصدمة الثانية يوم 26 ديسمبر 1991 بفوز الفيس بالدور الأول للانتخابات التشريعية ب 26% من الأصوات، أي 188 مقعدا، ولم تحصل جبهة التحرير إلا على 15 مقعدا، وجبهة القوى الاشتراكية 25 مقعدا، في انتظار مفاجئات الدور الثاني من الانتخابات. 

ما العمل؟ كان لا بدّ من اتخاذ قرار في أسرع وقت، وكان ذلك يُؤرّق الرئيس. خيار صعب ومؤلم في نفس الوقت بين التمسك بالحكم أو الاستجابة لنداء الضمير. فإن فضّل الشاذلي خيار التمسك بالحكم ماذا سيقال عنه؟. الشاذلي أبو الديموقراطية ينقلب عليها لمّا رأى أنها لا تخدمه. وإن هو استجاب لنداء الضمير بالتخلي عن الكرسي، سيتهمه آخرون، لا محاولة، بالهروب من تحمّل المسؤولية وترك السفينة تغرق في اللحظة الحرجة. 

وليس صحيحا ما أشيع عن محاولته البحث عن تعايش مع الجبهة الإسلامية للإنقاذ في الندوة الصحفية التي عقدها يوم 24 ديسمبر 1991. فكل ما قاله هو أنه مستعد للعمل مع أيّ تشكيل سياسي في إطار الدستور، وهذا يستبعد الفيس ما دام أضحى حاضنا للعنف والعصيان. وهل من عاقل يصدّق أن يتعايش، من أرسى الديموقراطية والتعددية، مع أناس يرفعون شعارات « الديموقراطية كُفر » و »لا ميثاق ولا دستور قال الله قال الرسول » و »دولة إسلامية بالصندوق أو البندقية »!. وبالمقابل، فإن قيادة الفيس كانت تمارس ازدواجية من النفاق السياسي، تشتم الشاذلي في العلن، وتسعى في السر إلى الاتصال به. وكان الشاذلي يتلقى مطالبهم عبر شخصين لا ثالث لهما: عبد الحميد مهري وعبد العزيز بلخادم. واندس في العملية أدعياء و »وسطاء »، منهم والي تيبازة قدور لحول. كانوا يقولون لقيادة الفيس الشاذلي يقول لكم كذا… وكذا، وبدورهم ينقلون عن الفيس قولوا للشاذلي كذا… وكذا. ويبلغ ذلك الكلام المخابرات التي كانت تجسّ نبض الفيس. 

في 11 جانفي أعلن الشاذلي استقالته من رئاسة الجمهورية. وقرّر تسليم مقاليد الحكم للجيش، فهو المؤسسة الوحيدة التي بقيت صامدة وضامنة للوحدة الوطنية ومحافظة على الدستور والمؤسسات. وما قيل عن عريضة مطالبة بتنحيته وقّعها الضباط السامون في اجتماع بعين النعجة محض هراء. فالجيش ظلّ إلى آخر لحظة وفيّا له، خاصة قادة النواحي العسكرية.

طلب نزار وزير الدفاع مقابلة الشاذلي، وما عدا عموميات لم يتطرق معه لأيّ شيء مهم في هذا اللقاء الأول. اللقاء الثاني جرى في عين النعجة، وكان الشاذلي ينوي أن يعلن خلاله عن استقالته، لكن الضباط ترجوه بالتمّهل. في اللقاء الأخير جاء خالد نزار، رفقة الجنرال أحمد جنوحات للقاء الشاذلي. فقد كان يعرف أن الشاذلي كان مسؤولا عن جنوحات في القاعدة الشرقية، وأن في إمكانه إقناعه بالتراجع عن الاستقالة. لكن قرار الشاذلي كان لا رجعة فيه، تسليم السلطة إلى الجيش، طالبا من قيادته تجنب الفوضى والشوشرة. طلب خالد نزار من الشاذلي إمهاله الوقت الكافي للاستعداد لهذا الإعلان. وحاول الضغط عليه ليتوجه بخطاب للأمة، لكن الشاذلي رفض صيغة الخطاب. وقرّر الاكتفاء بقراءة نصّ الاستقالة في التليفزيون في نشرة الثامنة يوم السبت 11 جانفي 1992.

بعد استقالة الشاذلي راج كلام ما أنزل الله به من سلطان. فمن قائل أنني أُقيل، ومن مؤكد أني « أستُقيل »، ومنهم من ذهب به خياله حد الولع بالخرافات. لكن الشاذلي فضل الصمت رغم إدراكه لخطورة الوضع في تلك المرحلة الحسّاسة، وكان يشعر براحة البال وصفاء الضمير. لقد أدّى واجبه، كما يقول، عزيزا مكرّما، وحين تعارضت قناعاته وأخلاقه مع الخسّة والمذلة، فضّل الانسحاب بشرف، شرف الإنسان والمجاهد، وجنّب بلده الوقوع في دوّامة قد لا تنتهي من الفوضى والعنف. ولم يحدث في تاريخ العرب أن تخلى ملك أو رئيس عن الحكم، إلاّ الشاذلي بن جديد والسوداني سوار الذهب واليامين زروال. وهو يشعر، كما قال لي، « باعتزاز أكبر حين أسمع وسط الزعماء العرب من يريد أن يورّث الحكم ذريّته، ومن يهرب بثروات بلاده إلى الخارج، ومن يصف شعبه بأبشع النعوت، ومن يدكّ مواطنيه بالقنابل والأسلحة الكيمياوية ».


Nombre de lectures : 713
UN COMMENTAIRE

LAISSER UN COMMENTAIRE

*

*

Ce site utilise Akismet pour réduire les indésirables. En savoir plus sur comment les données de vos commentaires sont utilisées.

  • Ben Adem
    11 janvier 2019 at 1 h 38 min - Reply

    Allaah yarhmou CHADLI. il avait su comment sortir par la grande porte de l’Histoire !
    il avait compris que gouverner en Algérie relève de la mythologie, et qu’au bout de dix ans(fin 89) il fallait préparer une transition entre les mains du peuple pour stopper l’hémorragie politico-économique dont le chantier avait commencé fin 1978, même que c’était bien avant en 1958. et le top départ en vrille du process vers l’inconnu était le 5 juillet 1962.

    1
  • Congrès du Changement Démocratique