Édition du
15 June 2019

بوتفليقة‭ ‬من‭ ‬ما‭ ‬قبل‭ ‬الجمهورية‭ ‬إلى‭ ‬الجمهورية‭ ‬الثانية‭ ‬

www.alquds.co.uk  بشير عمري * 20 – مارس – 2019

في‭ ‬حوار‭ ‬تلفزيوني‭ ‬له‭ ‬مع‭ ‬قناة‭ ‬‮«‬الشروق‮»‬‭ ‬بدا‭ ‬الدبلوماسي‭ ‬الجزائري‭ ‬الأخضر‭ ‬الإبراهيمي‭ ‬كغيره‭ ‬من‭ ‬رجالات‭ ‬النظام‭ ‬متخبطا‭ ‬من‭ ‬أثر‭ ‬صدمة‭ ‬الشارع‭ ‬الجزائري‭ ‬الصاحي‭ ‬فجأة،‭ ‬وبقوة‭ ‬ووحدة‭ ‬غير‭ ‬معهودتين‭ ‬في‭ ‬تاريخ‭ ‬الحراك‭ ‬الشعبي‭ ‬الوطني،‭ ‬إذ‭ ‬راح‭ ‬في‭ ‬معرض‭ ‬إجابته‭ ‬على‭ ‬أسئلة‭ ‬الصحافيين‭ ‬يخبط‭ ‬خبط‭ ‬عشواء‭ ‬ذات‭ ‬اليمين‭ ‬وذات‭ ‬الشمال،‭ ‬ليبرر‭ ‬في‭ ‬الآن‭ ‬ذاته‭ ‬شرعية‭ ‬مطالب‭ ‬الشارع‭ ‬وشرعية‭ ‬رد‭ ‬السلطة،‭ ‬في‭ ‬استحالة‭ ‬منطقية‭ ‬كما‭ ‬هو‭ ‬مُحال‭ ‬الجمع‭ ‬بين‭ ‬الماء‭ ‬النار،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يعكس‭ ‬بجلاء‭ ‬حالة‭ ‬التماهي‭ ‬التام‭ ‬مع‭ ‬فكر‭ ‬السلطة‭ ‬في‭ ‬شخص‭ ‬الرئيس‭ ‬وتركزها‭ ‬فيه،‭ ‬بحيث‭ ‬نضب‭ ‬معها‭ ‬المحيط‭ ‬والمعين‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬في‭ ‬السابق‭ ‬هو‭ ‬من‭ ‬يخطط‭ ‬ويرسم‭ ‬تكتيك‭ ‬استمرار‭ ‬اللاالشرعية‭ ‬التاريخية‭ ‬للسلطة،‭ ‬ويجد‭ ‬لها‭ ‬مخرجات‭ ‬وتأويلات‭ ‬قانونية‭ ‬وتبريرات‭ ‬واقعية‭ ‬باصطناع‭ ‬الفراغات‭ ‬الدستورية‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬الظروف‭ ‬المحلية‭ ‬والعالمية‭ ‬تسمح‭ ‬بتسويقها،‭ ‬عكس‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬حاصل‭ ‬اليوم،‭ ‬حيث‭ ‬السماوات‭ ‬والفضاءات‭ ‬مفتوحة،‭ ‬وكل‭ ‬بات‭ ‬له‭ ‬الوسع‭ ‬في‭ ‬السمع‭ ‬والرد‭ ‬والتأكيد‭ ‬والتفنيد‭.‬
لكن‭ ‬ما‭ ‬أمكن‭ ‬ملاحظته‭ ‬في‭ ‬حديث‭ ‬الإبراهيمي‭ ‬لقناة‭ ‬‮«‬الشروق‮»‬،‭ ‬هو‭ ‬أنه‭ ‬حاول‭ ‬عبر‭ ‬اللغة،‭ ‬التحايل‭ ‬على‭ ‬سياق‭ ‬الأزمة‭ ‬الوطنية‭ ‬المعاشة‭ ‬اليوم،‭ ‬التي‭ ‬فجرها‭ ‬التجرؤ‭ ‬غير‭ ‬المدروس‭ ‬وغير‭ ‬محمود‭ ‬العواقب،‭ ‬كما‭ ‬اتضح‭ ‬لاحقا،‭ ‬من‭ ‬جماعة‭ ‬الرئاسة‭ ‬والرئيس‭ ‬على‭ ‬ترشيح‭ ‬هذا‭ ‬الأخير‭ ‬لولاية‭ ‬خامسة‭ ‬على‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬حالته‭ ‬الصحية‭ ‬المتهالكة،‭ ‬ما‭ ‬اعتبره‭ ‬الشعب‭ ‬قلة‭ ‬احترام‭ ‬له‭ ‬وللدولة‭ ‬الجزائرية‭ ‬التي‭ ‬أصبحت‭ ‬بسبب‭ ‬ذلك‭ ‬أضحوكة‭ ‬العالم،‭ ‬فراح‭ ‬الإبراهيمي‭ ‬في‭ ‬كلامه‭ ‬يخلط‭ ‬بين‭ ‬أبعاد‭ ‬الأزمة‭ ‬يثير‭ ‬مرة‭ ‬بُعدها‭ ‬الهامشي‭ ‬في‭ ‬تغيير‭ ‬الحكومة،‭ ‬ثم‭ ‬ينصرف‭ ‬للحديث‭ ‬عن‭ ‬الندوة‭ ‬الوطنية‭ ‬التي‭ ‬دعا‭ ‬إليها‭ ‬الرئيس‭ ‬في‭ ‬رسالته‭ ‬الأخيرة،‭ ‬وحين‭ ‬يسأله‭ ‬الصحافيان‭ ‬عن‭ ‬مطلب‭ ‬الشارع‭ ‬برحيل‭ ‬النظام‭ ‬كله،‭ ‬يندمج‭ ‬معهما‭ ‬بشكل‭ ‬غير‭ ‬منطقي‭ ‬ويقر‭ ‬بشرعية‭ ‬المطلب،‭ ‬لكنه‭ ‬يحرص‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬يتم‭ ‬ذلك‭ ‬وفق‭ ‬آليات‭ ‬مضبوطة،‭ ‬أي‭ ‬مع‭ ‬السلطة‭ ‬التي‭ ‬يثور‭ ‬الشعب‭ ‬أصلا‭ ‬ضدها‭ ‬ويرفض‭ ‬بقاءها‭! ‬وهنا‭ ‬وقع‭ ‬الإبراهيمي‭ ‬المحسوب‭ ‬على‭ ‬اللوبي‭ ‬الأمريكي،‭ ‬في‭ ‬مصيبة‭ ‬كلامية‭ ‬كبيرة،‭ ‬حين‭ ‬أكد‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬بقاء‭ ‬الرئيس‭ ‬خارج‭ ‬المدة‭ ‬الرئاسية‭ ‬الدستورية‭ ‬ليس‭ ‬تمديدا،‭ ‬طالما‭ ‬أنه‭ ‬ينتوي‭ ‬الانتقال‭ ‬بالجزائر‭ ‬من‭ ‬الجمهورية‭ ‬الأولى‭ ‬إلى‭ ‬الجمهورية‭ ‬الثانية،‭ ‬مدعيا‭ ‬أن‭ ‬‮«‬الخروج‭ ‬من‭ ‬الجمهورية‭ ‬الأولى‭ ‬والدخول‭ ‬في‭ ‬الثانية‭ ‬يتطلب‭ ‬عملا‭ ‬تأسيسيا‭ ‬غالبا،‭ ‬بل‭ ‬ضروريا‭ ‬حتى‭ ‬إن‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬في‭ ‬إطار‭ ‬الدستور،‭ ‬أي‭ ‬أن‭ ‬الدستور‭ ‬يصبح‭ ‬ثانويا‮»‬‭. ‬معنى‭ ‬هذا‭ ‬أن‭ ‬نعطل‭ ‬القوانين‭ ‬والمؤسسات‭ ‬وأن‭ ‬النظام‭ ‬بقيادة‭ ‬بوتفليقة‭ ‬في‭ ‬حالة‭ ‬ثورة‭ ‬على‭ ‬نفسه‭ ‬موازية‭ ‬لثورة‭ ‬الشعب‭ ‬في‭ ‬الشارع‭ ‬عليه‭ ‬وعلى‭ ‬نظامه،‭ ‬في‭ ‬حين‭ ‬رمضان‭ ‬لعمامرة‭ ‬نائب‭ ‬الوزير‭ ‬الأول‭ ‬ووزير‭ ‬الخارجية‭ ‬المحسوب‭ ‬على‭ ‬اللوبي‭ ‬الفرنسي،‭ ‬يصر‭ ‬على‭ ‬بقاء‭ ‬مؤسسات‭ ‬الدولة‭ ‬وسيرورتها‭ ‬بشكل‭ ‬طبيعي،‭ ‬بمعنى‭ ‬واضح‭ ‬وفاضح‭ ‬أننا‭ ‬إزاء‭ ‬حالة‭ ‬من‭ ‬العشوائية‭ ‬الخطابية‭ ‬والخططية،‭ ‬التي‭ ‬تكشف‭ ‬أن‭ ‬مصدر‭ ‬القرار‭ ‬ليس‭ ‬رأسا‭ ‬واحدا،‭ ‬وعليه‭ ‬يظل‭ ‬التساؤل‭ ‬مشروعا‭ ‬من‭ ‬يحكم‭ ‬الجزائر‭ ‬اليوم؟
والحقيقة‭ ‬هو‭ ‬أن‭ ‬مأتى‭ ‬تخبط‭ ‬الإبراهيمي،‭ ‬وغيره‭ ‬من‭ ‬رجالات‭ ‬السلطة‭ ‬والنظام‭ ‬في‭ ‬الجزائر،‭ ‬يظل‭ ‬تداعيا‭ ‬لتعاظم‭ ‬المد‭ ‬الشعبي،‭ ‬عددا‭ ‬ومطلبا‭ ‬من‭ ‬يوم‭ ‬لآخر،‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬عجز‭ ‬الرئيس،‭ ‬الذي‭ ‬احتكر‭ ‬مطولا‭ ‬أداة‭ ‬التخطيط‭ ‬وتسيير‭ ‬السياسة‭ ‬بالبلاد،‭ ‬مهمشا‭ ‬الشعب‭ ‬الذي‭ ‬تتجاوز‭ ‬قدراته‭ ‬التخطيط‭ ‬الطغياني،‭ ‬لأنه‭ ‬يتعلق‭ ‬بالإرادة‭ ‬العامة‭ ‬المتحدة‭ ‬لكامل‭ ‬أفراد‭ ‬الشعب،‭ ‬من‭ ‬هنا‭ ‬صعُب‭ ‬على‭ ‬هؤلاء‭ ‬رصد‭ ‬الطبيعة‭ ‬المطلبية‭ ‬للشعب،‭ ‬وتحديد‭ ‬سقفها‭ ‬وكيفية‭ ‬التعامل‭ ‬معها‭ ‬بالشكل‭ ‬الذي‭ ‬يمكنهم‭ ‬من‭ ‬الالتفاف‭ ‬حولها،‭ ‬أو‭ ‬عرقلة‭ ‬نسق‭ ‬تطورها،‭ ‬لاسيما‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬الإحجام‭ ‬الذكي‭ ‬والمتواصل‭ ‬للجهة‭ ‬التي‭ ‬تثور‭ ‬الشارع‭ ‬عن‭ ‬الظهور،‭ ‬مستعملة‭ ‬أسلوب‭ ‬النظام‭ ‬الجزائري‭ ‬الحقيقي‭ ‬المتخفي،‭ ‬والذي‭ ‬استعسر‭ ‬على‭ ‬العالم‭ ‬ضبطه‭ ‬معرفته،‭ ‬وبالتالي‭ ‬تحديد‭ ‬طبيعة‭ ‬نظام‭ ‬حكم‭ ‬الجزائر،‭ ‬مقارنة‭ ‬بما‭ ‬تطرحه‭ ‬تجارب‭ ‬السياسة‭ ‬وعلومها‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬بأسره‭.‬
فإذا‭ ‬كان‭ ‬الأخضر‭ ‬الإبراهيمي‭ ‬لم‭ ‬يستطع‭ ‬الاهتداء‭ ‬إلى‭ ‬سبيل‭ ‬للتجاوب‭ ‬المنطقي‭ ‬مع‭ ‬ما‭ ‬يطرحه‭ ‬الشارع،‭ ‬مقابل‭ ‬ما‭ ‬تصبو‭ ‬إليه‭ ‬الجماعة‭ ‬الحاكمة‭ ‬المحيطة‭ ‬بالرئيس‭ ‬اليوم،‭ ‬فلأن‭ ‬السبب‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬يعود‭ ‬إلى‭ ‬شاكلة‭ ‬تعاطي‭ ‬تلكم‭ ‬الجماعة‭ ‬مع‭ ‬معطى‭ ‬جدلية‭ ‬تكور‭ ‬الوعي‭ ‬وحركة‭ ‬التاريخ‭ ‬في‭ ‬الشارع‭ ‬الجزائري،‭ ‬الأمر‭ ‬الذي‭ ‬أدى‭ ‬بها‭ ‬إلى‭ ‬طرح‭ ‬الحلول‭ ‬الترقيعية‭ ‬وهي‭ ‬تترنح‭ ‬في‭ ‬محاولة‭ ‬استيعاب‭ ‬صدمة‭ ‬الشارع‭ ‬والوعي‭ ‬الحاد‭ ‬الذي‭ ‬لم‭ ‬تستقرئ‭ ‬معالمه‭ ‬وملامحه،‭ ‬لأنها‭ ‬كانت‭ ‬مستنكفة‭ ‬عن‭ ‬ذلك‭ ‬طيلة‭ ‬عشرين‭ ‬سنة،‭ ‬غاطسة‭ ‬في‭ ‬ملذات‭ ‬النفط،‭ ‬ومآدب‭ ‬الريع،‭ ‬متكئة‭ ‬على‭ ‬خدر‭ ‬الشعب‭ ‬وسند‭ ‬الخارج،‭ ‬وحين‭ ‬استفاقت‭ ‬لم‭ ‬تهتد‭ ‬لقراءة‭ ‬وفهم‭ ‬مخطط‭ ‬نبض‭ ‬الشارع‭ ‬ومنحنياته،‭ ‬وهل‭ ‬الأمر‭ ‬يتعلق‭ ‬بمطلب‭ ‬انتقال‭ ‬جمهوري؟‭ ‬أم‭ ‬انتقام‭ ‬شعبي‭ ‬من‭ ‬زمرة‭ ‬فاسدة‭ ‬عبثت‭ ‬بالبلاد‭ ‬لعقدين،‭ ‬وفوتت‭ ‬عليها‭ ‬فرصة‭ ‬الانبعاث‭ ‬الاقتصادي‭ ‬التي‭ ‬وفرتها‭ ‬الطفرة‭ ‬النفطية‭ ‬حين‭ ‬بلغ‭ ‬سعر‭ ‬البرميل‭ ‬الواحد‭ ‬165‭ ‬دولارا،‭ ‬في‭ ‬فترة‭ ‬البذخ‭ ‬والإسراف‭ ‬والسرقة‭ ‬التي‭ ‬لم‭ ‬يُشهد‭ ‬مثلها‭ ‬في‭ ‬تاريخ‭ ‬البلاد،‭ ‬وفر‭ ‬للخزينة‭ ‬مداخيل‭ ‬بمقدورها‭ ‬بناء‭ ‬دولة‭ ‬من‭ ‬الحضيض،‭ ‬تبخرت‭ ‬بلا‭ ‬نار‭.‬
لكن‭ ‬الواضح‭ ‬أن‭ ‬أزمة‭ ‬البلاد‭ ‬هي‭ ‬أعمق‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬أزمة‭ ‬مرض‭ ‬الرئيس،‭ ‬أو‭ ‬رفض‭ ‬للعهدة‭ ‬الخامسة‭ ‬أو‭ ‬رفض‭ ‬للتمديد،‭ ‬بل‭ ‬وأعمق‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬أزمة‭ ‬إسقاط‭ ‬النظام،‭ ‬لأنها‭ ‬بالمختصر‭ ‬المفيد‭ ‬تجمع‭ ‬كل‭ ‬هاته‭ ‬الأزمات‭ ‬وتضيف‭ ‬عليها‭ ‬أزمة‭ ‬حسابات‭ ‬الماضي‭ ‬المعتور،‭ ‬الذي‭ ‬ولّد‭ ‬الحالة‭ ‬الحاصلة‭ ‬من‭ ‬الاحتباس‭ ‬الوطني،‭ ‬هي‭ ‬أزمة‭ ‬حتمية‭ ‬لنهاية‭ ‬منطقية‭ ‬لمسار‭ ‬من‭ ‬الاحتكار‭ ‬للمصير‭ ‬الوطني،‭ ‬تأسس‭ ‬مع‭ ‬بداية‭ ‬وعي‭ ‬وممارسة‭ ‬الدولة‭ ‬قبيل‭ ‬الاستقلال‭ ‬حتى‭. ‬فالجمهورية‭ ‬الأولى‭ ‬التي‭ ‬يدعي‭ ‬الرئيس‭ ‬ومن‭ ‬يحكمهم‭ ‬أو‭ ‬يحكمونه‭ ‬اليوم،‭ ‬لم‭ ‬تر‭ ‬نورا‭ ‬إلا‭ ‬في‭ ‬ما‭ ‬يتعلق‭ ‬بالعنوان،‭ ‬ودمغة‭ ‬الدولة‭ ‬وطابعها‭ ‬القانوني‭ ‬والسياسي،‭ ‬بينما‭ ‬على‭ ‬بساط‭ ‬الواقع،‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬سرى‭ ‬وجرى،‭ ‬إنما‭ ‬تم‭ ‬بنمط‭ ‬مارق‭ ‬عن‭ ‬كل‭ ‬توصيفات‭ ‬نظم‭ ‬الحكم‭ ‬في‭ ‬العالم،‭ ‬من‭ ‬هنا‭ ‬ينطرح‭ ‬السؤال‭ ‬على‭ ‬وعي‭ ‬جيل‭ ‬التجديد‭ ‬حول‭ ‬ماهية‭ ‬الجمهورية‭ ‬الأولى‭ ‬وهويتها،‭ ‬وشكل‭ ‬اشتغالها،‭ ‬حتى‭ ‬يؤسس‭ ‬على‭ ‬قواعدها‭ ‬لأسلوب‭ ‬القطيعة‭ ‬الأمثل‭ ‬معها،‭ ‬فيتحقق‭ ‬الانتقال‭ ‬الجمهوري‭ ‬الحقيقي،‭ ‬وبعدها‭ ‬يمكن‭ ‬توصيفه‭ ‬وترقيمه‭ ‬بالعد‭ ‬الجمهوري‭ ‬الأول،‭ ‬أم‭ ‬الثاني‭ ‬باعتبارنا‭ ‬عشنا‭ ‬جمهورية‭ ‬الصفر‭. ‬بالاستناد‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬تقدم‭ ‬فإن‭ ‬الجمهورية‭ ‬بمعناها‭ ‬الفلسفي‭ ‬والوظيفي،‭ ‬لم‭ ‬تزل‭ ‬بالجزائر‭ ‬قيد‭ ‬التأسيس‭ ‬منذ‭ ‬تم‭ ‬رفع‭ ‬جلسة‭ ‬مؤتمر‭ ‬طرابلس‭ ‬سنة‭ ‬1961‭ ‬دونما‭ ‬بيان‭ ‬ختام،‭ ‬كما‭ ‬هو‭ ‬الحال‭ ‬مع‭ ‬أدبيات‭ ‬وأبجديات‭ ‬المؤتمرات،‭ ‬بسبب‭ ‬الخلافات‭ ‬الحادة‭ ‬بين‭ ‬معسكر‭ ‬الانقلاب‭ (‬جماعة‭ ‬وجدة‭ ‬أي‭ ‬قيادة‭ ‬الأركان‭) ‬ومعسكر‭ ‬الشرعية‭ ‬الموؤدة‭ (‬الحكومة‭ ‬المؤقتة‭ ‬بقيادة‭ ‬الراحل‭ ‬بن‭ ‬يوسف‭ ‬بن‭ ‬خدة‭) ‬إلى‭ ‬اليوم،‭ ‬تلك‭ ‬الأزمة‭ ‬التي‭ ‬يعد‭ ‬الرئيس‭ ‬الحالي‭ ‬ممن‭ ‬تسببوا‭ ‬فيها،‭ ‬موقعين‭ ‬الأجيال‭ ‬في‭ ‬أتونها‭ ‬جيلا‭ ‬بعد‭ ‬جيل‭. ‬فطبيعة‭ ‬التكوين‭ ‬السياسي‭ ‬للرئيس‭ ‬الحالي‭ ‬هي‭ ‬أبعد‭ ‬ما‭ ‬تكون‭ ‬عن‭ ‬القناعة‭ ‬الجمهورية،‭ ‬وأسلوبه‭ ‬القيادي‭ ‬للدولة‭ ‬هو‭ ‬اقتيادي‭ ‬بكل‭ ‬دلالات‭ ‬الكلمة،‭ ‬فهو‭ ‬لا‭ ‬يؤمن‭ ‬بجمهورإلا‭ ‬الذي‭ ‬يهتف‭ ‬بحياته‭ ‬على‭ ‬الأرصفة‭ ‬ويصفق‭ ‬له‭ ‬في‭ ‬القاعات،‭ ‬مثلما‭ ‬لا‭ ‬يؤمن‭ ‬بشيء‭ ‬اسمه‭ ‬سيادة‭ ‬القانون‭ ‬وسير‭ ‬المؤسسات‭ ‬وفصل‭ ‬السلطات‭ ‬وسُلَّمية‭ ‬الوظائف،‭ ‬وقد‭ ‬كرس‭ ‬ذلك،‭ ‬ليس‭ ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬الممارسة‭ ‬بل‭ ‬على‭ ‬صعيد‭ ‬التقنين،‭ ‬إذ‭ ‬حاز‭ ‬لنفسه‭ ‬مع‭ ‬توالي‭ ‬العُهدات‭ ‬صلاحيات‭ ‬فاقت‭ ‬الأباطرة‭ ‬والسلاطين‭ ‬والملوك‭ ‬في‭ ‬الممالك‭ ‬غير‭ ‬الدستورية‭! ‬في‭ ‬جرأة‭ ‬منه‭ ‬لعدم‭ ‬اقتناعه‭ ‬بما‭ ‬أنجز‭ ‬عبر‭ ‬مسارات‭ ‬وحقب‭ ‬الاستقلال،‭ ‬بما‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬فترة‭ ‬اشتغاله‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬بومدين‭ ‬وزيرا‭ ‬للشؤون‭ ‬الخارجية،‭ ‬حيث‭ ‬كانت‭ ‬الدولة‭ ‬تمضي‭ ‬بقليل‭ ‬من‭ ‬توصيات‭ ‬بيان‭ ‬أول‭ ‬نوفمبر‭ ‬التأسيسية‭ ‬لمنطق‭ ‬الحكم‭ ‬ومنها‭ ‬الطابع‭ ‬الاجتماعي،‭ ‬بعدما‭ ‬تم‭ ‬الدوس‭ ‬على‭ ‬الطبع‭ ‬الجماعي‭ ‬للحكم‭ ‬والوقوع‭ ‬في‭ ‬نمط‭ ‬الحكم‭ ‬الفردي‭ ‬الانفرادي‭.‬
من‭ ‬هنا‭ ‬يتبين‭ ‬أن‭ ‬ما‭ ‬يُتلاعب‭ ‬به‭ ‬الآن‭ ‬من‭ ‬كلمات‭ ‬عبر‭ ‬بلاتوهات‭ ‬التحليل‭ ‬السياسي،‭ ‬من‭ ‬طرف‭ ‬المرافعين‭ ‬عن‭ ‬مبادرة‭ ‬التأسيس‭ ‬للجمهورية‭ ‬الثانية‭ ‬المنسوبة‭ ‬لرئيس‭ ‬كان‭ ‬قد‭ ‬أجهز‭ ‬قبل‭ ‬الاستقلال‭ (‬1962‭) ‬على‭ ‬ميلاد‭ ‬الجمهورية‭ ‬الأولى،‭ ‬وأعاد‭ ‬البلد‭ ‬حين‭ ‬عاد‭ ‬إليها‭ (‬1999‭) ‬حاكما‭ ‬مستبدا‭ ‬بالمكياج‭ ‬الديمقراطي،‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬قبل‭ ‬الحلم‭ ‬الجمهوري‭ ‬الموؤد،‭ ‬مجرد‭ ‬قصص‭ ‬سياسي‭ ‬خيالي‭ ‬لا‭ ‬يصلح‭ ‬للتسلية‭ ‬حتى،‭ ‬فالجيل‭ ‬الجديد‭ ‬اليوم‭ ‬يصبو‭ ‬بوعيه‭ ‬الذاتي‭ ‬للقطيعة‭ ‬مع‭ ‬الغربة‭ ‬التي‭ ‬عاشها‭ ‬الأولون‭ ‬منه‭ ‬على‭ ‬مستويات‭ ‬عدة،‭ ‬من‭ ‬الهوية‭ ‬المتصلة‭ ‬بخصائص‭ ‬الكينونة‭ ‬الوطنية‭ ‬الممتدة‭ ‬لأزيد‭ ‬من‭ ‬نصف‭ ‬قرن،‭ ‬تسبب‭ ‬فيها‭ ‬نظام‭ ‬‮«‬الرعاية‭ ‬غير‭ ‬الوطنية‮»‬‭ ‬للشعب،‭ ‬عبر‭ ‬ترييع‭ ‬اقتصاده،‭ ‬وربط‭ ‬كرامته‭ ‬وعيشه‭ ‬بالظروف‭ ‬المتقلبة‭ ‬للأسواق‭ ‬العالمية،‭ ‬كلما‭ ‬تحسنت‭ ‬تلكم‭ ‬الأسواق‭ ‬سكت‭ ‬الشعب‭ ‬واستراح‭ ‬النظام،‭ ‬وكلما‭ ‬ساءت،‭ ‬استاء‭ ‬الشعب‭ ‬واستأسد‭ ‬النظام،‭ ‬وبالغ‭ ‬في‭ ‬المنع‭ ‬والقمع،‭ ‬فلا‭ ‬يمكن‭ ‬لنظام‭ ‬كهذا‭ ‬أن‭ ‬يدعي‭ ‬الثورة‭ ‬أو‭ ‬التمرد‭ ‬على‭ ‬نفسه،‭ ‬لأنه‭ ‬لا‭ ‬شيء‭ ‬في‭ ‬الطبيعة‭ ‬يُصلح‭ ‬نفسه‭ ‬بنفسه‭ ‬خارج‭ ‬اشتراطات‭ ‬التفاعل‭ ‬التلقائي‭ ‬الخارجي،‭ ‬فهكذا‭ ‬هو‭ ‬النظام‭ ‬المتهالك‭ ‬بالجزائر‭ ‬وهكذا‭ ‬هو‭ ‬بوتفليقة‭!‬

*كاتب‭ ‬وصحافي‭ ‬جزائري


Nombre de lectures : 723
UN COMMENTAIRE

LAISSER UN COMMENTAIRE

*

*

Ce site utilise Akismet pour réduire les indésirables. En savoir plus sur comment les données de vos commentaires sont utilisées.

  • Amine
    22 mars 2019 at 18 h 20 min - Reply

    IMPORTANT – IMPORTANT À PARTAGER SUR FACEBOOK

    1 – QU’ON ARRÊTE LA VUVUZELA : ÇA donne n’importe quoi, on aimerai mieux entendre la voix du peuple, les chants et les FLN DÉGAGE

    2 – QU’ON UTILISE SEULEMENT LE DRAPEAU ALGÉRIEN : UNE FOIS L’ALGÉRIE LIBÉRÉ ON EN REPARLERA DE TOUT DANS LES NORMES ET POUR L’INTÉRÊT DE TOUS.

    3 – TOUT LES ALGÉRIENS KHAWA KHAWA…MILITAIRES, POLICE, GENDARME, CIVILS, LES POLITICIENS.. ET AUSSI LES EX-PARTISANS DU 5 EM MANDATS

    UNE FOIS LA DEUXIÈME RÉPUBLIQUE INSTALLÉ DANS LES NORMES, LA JUSTICE LIBÉRÉ, LA PAROLE LIBÉRÉ….TOUS SERA PLUS LIMPIDE ET CLAIRE….ET INCHAALAH TOUS RENTRERA DANS L’ORDRE POUR L’INTÉRÊT DU PEUPLE ALGÉRIEN.

    LE PEUPLE EST SUFFISAMMENT VACCINÉ POUR DÉBUSQUER ET RECONNAÎTRE LES FUTURS MOUNAFIKINES, PERTURBATEURS, DIVISEURS…

    1
  • Congrès du Changement Démocratique