Édition du
20 June 2019

المثقفون وحراك التغيير في الجزائر… عمق الشعب وعقم النخب!

بشير عمري 15/04/2019
www.alquds.co.uk

■ انتقد الكاتب الصحافي والأستاذ الجامعي الجزائري نذير طيار على صفحته في الفيسبوك تظلم بعض الكتاب الجزائريين مما يكون قد حدث لهم جراء انتقادهم لمسألة حكم الفرد، الذي كرسه نظام بوتفليقة واصفا ذلك بأنه «في نظري مرض نفسي خطير يجتاح البعض ممن يحسبون على الثقافة، أعرف كثيرا من المثقفين الذين انتقدوا دائما ممارسات النظام بشكل مباشر لا رمزية فيه، ومنذ ثلاثين سنة، وتعرضوا لإقصاء حقيقي فعلي، ولكنهم لم يشكوا مظلوميتهم لأحد، ويرون افتخارهم بذلك اليوم منقصة لهم، ورياء ترفضه الأخلاق العليا والقيم النبيلة، وضربا من الطمع في الثمرة قبل نضجها».
ما ساقه نذير طيار أكثر من صحيح، بل كان ذلك دائما أحد أساليب المثقف «العاجي» الذي لا يرى المجتمع إلا من خلال نظارة خياله السوداء، في لحظة هدوئه الطويلة البعيدة عن الطاحونة الاجتماعية، حيث يُسحق حلم ولحم المواطن، في حين يكتفي هو بسرد مسارات الطحن وفق خياله، ونتائج معادلاته النظرية الراقصة من قلمه على مساحات الورق البيضاء، التي تعلمها من العقم الأكاديمي، كما يتعلم الصبيان في مدارس الابتداء الجمع، الضرب ثم الطرح.
لكن وفي البدء لنحدد بالضبط هوية هذا المثقف وفق الخطاب النقدي الذي تتقاطع فيه صنوف وسهام المعرفة في مجتمعات تعزل فيها المعرفة عن الحراك التاريخي، وتحيد أحيانا وتُحيّد أحيانا أخرى من حراك الشعب وعراك النخب السياسية، ما يضعف ويشوش الرؤية التغييرية على العامة والخاصة من الذين يأملون في التغيير، فمن هو هذا المثقف المستنكف حينا والمستهدف حينا آخر؟
طبعا تتوجب هنا الإشارة الى الانزياحات المفاهيمية على صعيد خطاب العامة، التي تمت طوال العقود الفائتة مواكبة لحركة التطور المعرفي والعقلاني للناشئة، المتداعي عن اتساع رقعة التعليم، فلم يعد في نظـــــر الناس المثقف هو ذلك الذي يكتب ويقــــرأ فقط، أو ذاك الذي يعتلي المنابر المعرفــــية بشتى صنوفـــها الأدبــــية والدينية والعلمية، بل لم يعــــد حتى ذاك الـــذي يتكلم في القــــنوات والتجمعات ويجادل ويُساجل في الاتجاهات المعاكسة والصحيحة في كل شيء، بل صار ذلك الذي يهتم بشأن محيطه الصغير، كما الكبير مواجها، بصفته شريكا في ذلك المحيط، أزماته ومصادر تلكم الأزمات وفق مستطاعه النفسي والمعرفي والبدني حتى.

ففي الوقت الذي نرى فيه الفيلسوف الفرنسي ميشال أونفري يؤسس لمفهوم الجامعة الشعبية، نرى مثقفينا يكرسون القطيعة المرة الحاصلة بين المعرفة والمجتمع، التي يستغلها السياسيون وخطباء الوهم.

من هنا يمكننا رصد حالة أو طبيعة الاستجابة النفسية وكذا الميدانية، التي أبداها المثقف الجزائري في خضم حراك الشعب الجزائري الحاصل حاليا، ومدى إسهامه في إنضاج مبادرة التحرك لاقتلاع قواعد الفساد والاستبداد، التي أسستها منظومة حكم حادت طيلة ثلاثة عقود عن أساس جوهري في الوثيقة المؤسسة لطبيعة المجتمع، وشاكلة الدولة في الجزائر، ونعني بها هنا وثيقة أول نوفمبر/تشرين الثاني 1954 الثورية، التي نصت وأوصت بالطابع الاجتماعي لدولة الاستقلال، بوصف هذه الدولة منتهى لوعي وممارسة نضاليين، نتجا ونضجا في عمق المجتمع وطابعه الشعبي، بعيدا عن كل إسهام أو تأطير بورجوازي أو فئوي أو طائفي. لكن مع الأسف، هذا التطور الحاصل في وعي وقناعات العامة، بخصوص هوية وماهية المثقف، لم يُسمع من هذا الأخير ومن الكثير من المثقفين تحديدا، والسبب هو في «العاجية» الأبدية التي لا يزال «يتعقَّم» في شرنقتها هذا المثقف المتعفف عن بساطة الرؤية وسذاجة التحليل، وضعف الرؤية لدى العامي والعامة. ففي الوقت الذي نرى فيه مثلا الفيلسوف الفرنسي ميشال أونفري يؤسس لمفهوم الجامعة الشعبية، بوصفها إطارا تعبيئيا تعليميا يستوعب العقل العام المنفصل عن عناء وأثقال الطروحات الأكاديمية النظرية التي انفصمت بفعل اجترارها الفارغ وانفصامها عن واقع العالم، نرى مثقفينا يكرسون تلكم القطيعة المرة الحاصلة بين المعرفة والمجتمع، التي يستغلها السياسيون وخطباء الوهم عبر منابرهم لاستدراج الناس لمآربهم ومآرب من يوظفونهم.
لست هنا بصدد الدعوة للمضي في سبيل ميشال أونفري، فأبعد ما نكون نحن عن القدرة على التواضع «الأكاديمي» والنزول من «أبراج العاج»، ولكن دعوتي هي أن نتأمل الأزمة التي أحدثها حراك الشارع، وقفز بها إلى صدر المجتمع، وأمسك بمقود القيادة والريادة، تاركا المثقف يبرر سبب سكوته «يقتمع» في خياله ويرتجع لسنوات الدم والدمار متعللا بمخافة الانزلاق إلى المصير ذاته.
وهنا تحضرني حكاية ذلك الكاتب وزوجته اللذين فرا إلى فرنسا بداعي أنهما كانا مهددين بالقتل كـ»مثقفين» ظلا يعريان بخيالهما الأدبي الجسد الجزائري لمن لا يراه من خلف ستائره وأسماله البالية القديمة، ليعودا بعد ذلك من دون أن يمسهما أذى، وعوض أن يتكيفا مع المعطى الجديد المتمخض عن مرحلة ما سمي بالإرهاب في خطاب التوجيه، والحرب الأهلية في خطاب الموضوعية الوظيفية الإعلامية والمعرفية في بعدها الوصفي والتحليلي، عادا لنزعة عرييهما وتعريتهما للمجتمع، يهاجمان بعورة الماضي كل حركة جديدة مجددة ينهض بها الوعي المتجدد، فيرفعان من جديد هيكل الفزاعة الإسلاموية التي بحسبهما هي من تقف خلف تثوير الحراك، ويختزلان بذلك كل اللحظة الثورية التي يموج بها الشارع الجزائري المتغير، إلا في خيال هذين الكاتبين «المثقفين».
إن مثل هذا الصنف من الصف النخبوي هو من جسد بحق هزيمة المثقف وألصق به وصفة وعلامة «العاجي» التي تعني صفرية العطاء وسلبية المد والتمدد في مجتمع، تشهد كل أحقاب نهضته الثورية أن شراراتها كانت شعبية تنبجس دوما من عمق الوعي الشعبي المتفاعل مع التاريخ، بمزج ذكي بين النظريات المعرفية وواقعه الشعبي بتجاربه اليومية. وعندما سمعت أدونيس مرة ينتقد الإنترنت كآلية تثقيف وليس آلية لنشر المعرفة، قائلا «صحيح أن الإنترنت نشرت على نطاق أوسع المعرفة والثقافة، لكنها بالمقابل دمرت الثقافة العميقة» أدركت أننا إزاء أزمة خانقة على مستوى فهم وتجديد دور النخب في التفاعل مع أشياء التاريخ اجتماعيا ومجتمعيا، فالمثقف لدينا لا يزال يقاتل على الشاكلة الدونكيشوتية طواحين رياح ناشزة عن التاريخ المتدفق على نفسه، المتجدد في ذاته، يقاتل من أجل صفة ومرتبة اجتماعية تتوقف عند أعتابها، ولا تزيد عنها قيد أنملة، سلطة بلا مهمة، سلطة المثقف وهيبته. ففي تجربة الثورة وتحرير الأوطان ثم الإنسان في النموذج الجزائري، لم تكن الثقافة العميقة محركا لا للوعي بها ولا لممارستها، بل إن المعرفة العميقة التي تأتت للمجتمع بعد الاستقلال، هي التي استندت إليها الدولة العميقة لتجهز على ثورة الإنسان ومسعاه للتحرر من عبودية سلاطين الاستقلال الجدد. فالإنترنت من خلال انتشارها القوي واتساع رقعة ساكنة شبكاتها للتواصل الاجتماعي، استطاعت أن تبدع وتصنع جيوشا جرارة من الساخطين على نظم غير وطنية تعمل على إتمام ما لم يتسن للاستعمار البائد إتمامه، بعيدا عن التفكيكات النظرية «العاجية» لظاهرة الاستعمار و»نشوء السلطة» و»طبيعة العقل السياسي» لمجتمعاتنا، انتهى الدرس!

٭ كاتب جزائري


Nombre de lectures : 993
PAS DE COMMENTAIRES

LAISSER UN COMMENTAIRE

*

*

Ce site utilise Akismet pour réduire les indésirables. En savoir plus sur comment les données de vos commentaires sont utilisées.

Congrès du Changement Démocratique