Édition du
23 May 2019

لمن‭ ‬تبتسم‭ ‬الثورة‭ ‬في‭ ‬الجزائر؟

22 – أبريل – 2019

لمن‭ ‬تبتسم‭ ‬الثورة‭ ‬في‭ ‬الجزائر؟

www.alquds.co.uk

 بشير عمري 2

قد‭ ‬يبدو‭ ‬السؤال‭ ‬في‭ ‬حجمه‭ ‬وصيغته‭ ‬بسيطا‭ ‬لكنه‭ ‬في‭ ‬مضمونه‭ ‬بقوة‭ ‬استنطاق‭ ‬واقع‭ ‬ضخم‭ ‬يستمر‭ ‬جلل‭ ‬فاعليته‭ ‬عبر‭ ‬سيل‭ ‬بشري‭ ‬متقطع،‭ ‬لكن‭ ‬غير‭ ‬منقطع‭ ‬في‭ ‬الزمان‭ ‬والمكان،‭ ‬على‭ ‬منحى‭ ‬متصاعد،‭ ‬مستهدفا‭ ‬تصحيح‭ ‬مجرى‭ ‬التاريخ‭ ‬الذي‭ ‬رسمته‭ ‬العبقرية‭ ‬الثورية‭ ‬لجيل‭ ‬الثورة‭ ‬التحريرية‭ ‬الكبرى‭ ‬منتصف‭ ‬القرن‭ ‬الفائت،‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬تعصف‭ ‬بحلم‭ ‬انبساط‭ ‬رسالته،‭ ‬بأسمى‭ ‬ما‭ ‬حملت‭ ‬من‭ ‬وصايا‭ ‬ونوايا،‭ ‬وهي‭ ‬حرية‭ ‬الإنسان،‭ ‬جماعة‭ ‬مغمورة‭ ‬ومغامرة‭ ‬من‭ ‬وراء‭ ‬الحدود،‭ ‬حاملة‭ ‬سلاحا‭ ‬لالتقاط‭ ‬الصور‭ ‬التذكارية‭ ‬ليس‭ ‬إلا،‭ ‬في‭ ‬جهاد‭ ‬متسلل‭ ‬خارج‭ ‬رقعة‭ ‬ميدانه،‭ ‬في‭ ‬المخيمات‭ ‬الخضراء‭ ‬بوجدة،‭ ‬حاملة‭ ‬في‭ ‬سرها‭ ‬طموحات‭ ‬شخصية‭ ‬تنحر‭ ‬الوطن‭ ‬وتنخر‭ ‬قواه‭ ‬ومقدراته‭ ‬البشرية،‭ ‬الطبيعية‭ ‬طامسة‭ ‬لثروته‭ ‬الرمزية‭ ‬حتى‭. ‬
ثورة‭ ‬الابتسامة‭ ‬كما‭ ‬يحرص‭ ‬البعض‭ ‬على‭ ‬تسميتها،‭ ‬التي‭ ‬ساحت‭ ‬في‭ ‬غفلة‭ ‬من‭ ‬مراصد‭ ‬النظام،‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬شوارع‭ ‬الجمهورية،‭ ‬ومحت‭ ‬قتامة‭ ‬الخيبة‭ ‬والخوف‭ ‬من‭ ‬واقع‭ ‬المجهول،‭ ‬مجهول‭ ‬الواقع‭ ‬الذي‭ ‬دمّر‭ ‬الإنسان‭ ‬الجزائري‭ ‬وجعله‭ ‬عرضة‭ ‬للانجراف‭ ‬في‭ ‬نهر‭ ‬الزمن،‭ ‬خارج‭ ‬أطر‭ ‬التاريخ‭ ‬لا‭ ‬يعرف‭ ‬أين‭ ‬يمضي‭ ‬وفي‭ ‬أي‭ ‬المراسي‭ ‬سيستقر،‭ ‬جاءت‭ ‬‮«‬ثورة‭ ‬الابتسامة‮»‬‭ ‬لتفك‭ ‬بوعي‭ ‬الجيل‭ ‬الجديد‭ ‬شيفرة‭ ‬الوجود‭ ‬الوطني،‭ ‬التي‭ ‬صنعها‭ ‬خطاب‭ ‬الانقلاب‭ ‬بوجدة،‭ ‬الذي‭ ‬أزاح‭ ‬قوة‭ ‬التأسيس‭ ‬الأولى‭ ‬لطبيعة‭ ‬الوجود‭ ‬المرسوم‭ ‬والموشوم‭ ‬بالوثيقة‭ ‬الخالدة،‭ ‬المتضمنة‭ ‬لبيان‭ ‬أول‭ ‬نوفمبر،‭ ‬راسمة‭ ‬بحبر‭ ‬نصه‭ ‬صورة‭ ‬الجزائر‭ ‬المتأزلة‭ ‬في‭ ‬الفتوة،‭ ‬فارضا‭ ‬خطاباته‭ ‬في‭ ‬السياسة،‭ ‬في‭ ‬السيادة‭ ‬وفي‭ ‬التاريخ‭ ‬الوطني،‭ ‬والغرض‭ ‬من‭ ‬ذلك‭ ‬تجاوز‭ ‬الوعي‭ ‬بالأصول‭ ‬التاريخية‭ ‬للوجود‭ ‬الوطني،‭ ‬والتمركز‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الوعي،‭ ‬كل‭ ‬ذلك‭ ‬تسبب،‭ ‬مع‭ ‬توالي‭ ‬عقود‭ ‬الاستقلال،‭ ‬في‭ ‬تلاشي‭ ‬مفعول‭ ‬بيان‭ ‬أول‭ ‬نوفمبر،‭ ‬المؤسس‭ ‬على‭ ‬أصول‭ ‬الوجود‭ ‬الوطني‭ ‬ومراحل‭ ‬تطوره،‭ ‬ما‭ ‬أفرغ‭ ‬هذا‭ ‬الاستقلال‭ ‬من‭ ‬أهم‭ ‬مكنوناته‭ ‬ومرتكزاته‭ ‬وهي‭ ‬‮«‬حرية‭ ‬الإنسان‮»‬‭ ‬وأس‭ ‬كرامته‭ ‬وتكريمه،‭ ‬فما‭ ‬كشفته‭ ‬بالتالي‭ ‬‮«‬ثورة‭ ‬الابتسامة‮»‬‭ ‬هو‭ ‬أن‭ ‬الجزائري،‭ ‬في‭ ‬جهده‭ ‬وجهاده‭ ‬وتضحياته‭ ‬غير‭ ‬المسبوقة،‭ ‬انتقل‭ ‬مباشرة‭ ‬من‭ ‬ذلك‭ ‬‮«‬المحتل‮»‬‭ ‬المستغَل‭ ‬إلى‭ ‬‮«‬المواطن‮»‬‭ ‬المكبَّل،‭ ‬ولم‭ ‬ينعم‭ ‬بصفته‭ ‬وحقوقه‭ ‬الطبيعية‭ ‬الأولى‭ ‬من‭ ‬كونه‭ ‬إنسانا‭ ‬قبل‭ ‬كل‭ ‬شيء،‭ ‬لا‭ ‬يوضع‭ ‬في‭ ‬الأقفاص‭ ‬لغرض‭ ‬التصفير‭ ‬والتصفيق‭ ‬وممارسة‭ ‬الببغائية،‭ ‬حتى‭ ‬لو‭ ‬كان‭ ‬هذا‭ ‬القفص‭ ‬كبيرا‭ ‬ومقدسا،‭ ‬واسمه‭ ‬‮«‬الوطن‮»‬‭ ‬في‭ ‬الخطاب‭ ‬السياسي‭ ‬والوطني‭ ‬الكاذب‭. ‬طبعا‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬مطلب‭ ‬حرية‭ ‬الإنسان‭ ‬كحق‭ ‬مبدئي‭ ‬طبيعي‭ ‬ليتجاوز‭ ‬صفته‭ ‬السياسية‭ ‬بحسبانه‭ ‬مواطنا،‭ ‬في‭ ‬فلسفة‭ ‬‮«‬ثورة‭ ‬الابتسامة‮»‬‭ ‬هذه،‭ ‬بل‭ ‬على‭ ‬العكس‭ ‬من‭ ‬ذلك‭ ‬اتضح‭ ‬أن‭ ‬الشباب‭ ‬الجزائري‭ ‬الذي‭ ‬حرر‭ ‬شوارع‭ ‬جمهوريته،‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬تسكنها‭ ‬عفاريت‭ ‬الاستبداد‭ ‬القامعة‭ ‬باسم‭ ‬الحفاظ‭ ‬على‭ ‬الوطن،‭ ‬ولو‭ ‬على‭ ‬حساب‭ ‬حلم‭ ‬المواطن،‭ ‬انبرى‭ ‬يرسم‭ ‬غدا‭ ‬للبلد‭ ‬الذي‭ ‬ثار‭ ‬من‭ ‬أجله‭ ‬على‭ ‬الجدران‭ ‬بإبداعات‭ ‬زيتية‭ ‬قل‭ ‬في‭ ‬تلاوينها‭ ‬وألوانها‭ ‬نظير‭ ‬لها‭ ‬في‭ ‬الفن‭ ‬والمعنى،‭ ‬مصرحا‭ ‬غير‭ ‬ملمح‭ ‬بعزمه‭ ‬على‭ ‬القطع‭ ‬مع‭ ‬الماضي،‭ ‬الذي‭ ‬احتربت‭ ‬فيه،‭ ‬عليه‭ ‬وبه‭ ‬الاجيال‭ ‬السابقة،‭ ‬مؤكدا‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬اتجاهه‭ ‬الأوحد‭ ‬والأوكد‭ ‬هو‭ ‬المستقبل،‭ ‬الذي‭ ‬نبع‭ ‬أصله‭ ‬من‭ ‬صخرة‭ ‬بيان‭ ‬أول‭ ‬نوفمبر،‭ ‬وصور‭ ‬أبطال‭ ‬وشهداء‭ ‬الثورة‭ ‬التي‭ ‬حملها‭ ‬في‭ ‬جميع‭ ‬ربوع‭ ‬وجموع‭ ‬المتظاهرين‭ ‬بالوطن،‭ ‬أبرز‭ ‬دليل‭ ‬على‭ ‬تأسيس‭ ‬الوعي‭ ‬الثوري‭ ‬الحالي‭ ‬على‭ ‬ارتجاعات‭ ‬أصداء‭ ‬ثورة‭ ‬نوفمبر،‭ ‬بوصفها‭ ‬الإلهام‭ ‬الخالد‭ ‬لهذا‭ ‬الشعب،‭ ‬من‭ ‬هنا‭ ‬كان‭ ‬الحراك‭ ‬الذي‭ ‬تمرد‭ ‬فيه‭ ‬الشعب‭ ‬بشبابه‭ ‬وشيبه‭ ‬على‭ ‬أحد‭ ‬رجالات‭ ‬الانقلاب‭ ‬على‭ ‬وثيقة‭ ‬أول‭ ‬نوفمبر،‭ ‬هو‭ ‬التصحيح‭ ‬الثوري‭ ‬الصحيح‭ ‬وليس‭ ‬انقلاب‭ ‬1965،‭ ‬الذي‭ ‬شوه‭ ‬الوجه‭ ‬الفتي‭ ‬لجزائر‭ ‬الغد،‭ ‬التي‭ ‬رسمها‭ ‬الشهداء‭ ‬بدمائهم‭ ‬الزكية،‭ ‬يوم‭ ‬داس‭ ‬على‭ ‬المبادئ‭ ‬والمثل‭ ‬العليا‭ ‬لجهاد‭ ‬الشعب‭ ‬في‭ ‬تأسيس‭ ‬دولة‭ ‬اجتماعية‭ ‬بقيادة‭ ‬جماعية‭ ‬لا‭ ‬فردانية‭ ‬أو‭ ‬ذاتية‭ ‬أو‭ ‬زعامتية‭ ‬فيها‭.‬
انحراف‭ ‬كان‭ ‬من‭ ‬مُر‭ ‬نتائجه،‭ ‬انطماس‭ ‬الخاصية‭ ‬الجماعية‭ ‬في‭ ‬السلطة‭ ‬وغموض‭ ‬وجهها‭ ‬الفعلي،‭ ‬ما‭ ‬تسبب‭ ‬في‭ ‬تأزيل‭ ‬سؤال‭ ‬رهيب‭ ‬ومستديم‭ ‬حول‭ ‬حقيقة‭ ‬من‭ ‬يُحكم‭ ‬بأمره‭ ‬فعليا‭ ‬بالجزائر،‭ ‬فإذا‭ ‬ما‭ ‬ساد‭ ‬الرخاء‭ ‬المؤقت‭ ‬وسهلت‭ ‬المعيشة،‭ ‬بصعود‭ ‬أثمان‭ ‬النفط‭ ‬في‭ ‬أسواقه‭ ‬العالمية،‭ ‬تنسب‭ ‬النجاحات‭ ‬الكاذبة‭ ‬للزعيم‭ ‬القائد‭ ‬الظاهر،‭ ‬وإذا‭ ‬حل‭ ‬العُسر‭ ‬محل‭ ‬اليُسر،‭ ‬واتسع‭ ‬الفقر،‭ ‬يحال‭ ‬الأمر‭ ‬إلى‭ ‬القوى‭ ‬الغيبية،‭ ‬التي‭ ‬تحكم‭ ‬فعليا‭ ‬البلد،‭ ‬وتُلصق‭ ‬بها‭ ‬كل‭ ‬ملفات‭ ‬وقضايا‭ ‬الفساد،‭ ‬من‭ ‬هي؟‭ ‬لا‭ ‬أحد‭ ‬يجيبك،‭ ‬عدا‭ ‬كهنة‭ ‬التحليل‭ ‬بالبلاتوهات‭ ‬وعلى‭ ‬صفحات‭ ‬الجرائد‭ ‬وميكرفونات‭ ‬الإذاعات‭ ‬وهم‭ ‬وقتها‭ ‬يَفصلون‭ ‬ويُفصِّلون‭ ‬ويجمعون‭ ‬أشلاء‭ ‬السلطة،‭ ‬لتتشكل‭ ‬الصورة‭ ‬مشوهة‭ ‬من‭ ‬أثر‭ ‬الوهم‭ ‬للمتلقى،‭ ‬فيستسلم‭ ‬لهذا‭ ‬الغموض‭ ‬ويكتفي‭ ‬من‭ ‬المعضلة،‭ ‬بأزل‭ ‬سؤال‭ ‬غيبية‭ ‬وغيبة‭ ‬السلطة‭ ‬الفعلية‭. ‬وهكذا‭ ‬حسب‭ ‬النظام‭ ‬أنه‭ ‬قد‭ ‬ترسخ‭ ‬كذلك‭ ‬في‭ ‬ذهن‭ ‬المواطن‭ ‬كقدر‭ ‬مقدور‭ ‬على‭ ‬الجزائريين،‭ ‬وعليهم‭ ‬أن‭ ‬ينطبعوا‭ ‬ويتكيفوا‭ ‬معه‭ ‬كمعطى‭ ‬وعطاء‭ ‬تاريخي‭ ‬محمود،‭ ‬ما‭ ‬حيوا‭ ‬على‭ ‬هذه‭ ‬الأرض،‭ ‬فاستغرق‭ ‬وبالغ‭ ‬في‭ ‬غيبه‭ ‬وغيبوبته‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬زاد‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬طغيانا‭ ‬بأن‭ ‬صار‭ ‬يخاطب‭ ‬الشعب‭ ‬برسائل‭ ‬مجهولة‭ ‬وصور‭ ‬لرئيس‭ ‬غائب‭ ‬عن‭ ‬وعيه‭ ‬وواقعه،‭ ‬ما‭ ‬فجّر‭ ‬غضبا‭ ‬شعبيا‭ ‬وشبانيا‭ ‬بقوة‭ ‬وعي‭ ‬عالية،‭ ‬هي‭ ‬الآن‭ ‬تمتد‭ ‬في‭ ‬كنسها‭ ‬وتطهيرها‭ ‬في‭ ‬المكان،‭ ‬لكن‭ ‬امتدادها‭ ‬الأكبر‭ ‬هو‭ ‬في‭ ‬الزمان،‭ ‬لأنها‭ ‬ماضية‭ ‬في‭ ‬اتجاه‭ ‬تكسير‭ ‬قالب‭ ‬‮«‬الغيب‭ ‬الفاعل‮»‬‭ ‬الذي‭ ‬منه‭ ‬يجدد‭ ‬النظام‭ ‬صنمه‭ ‬القديم،‭ ‬في‭ ‬معبد‭ ‬مظلم‭ ‬لا‭ ‬يدخله‭ ‬سوى‭ ‬السدنة‭ ‬والمرتزقة‭ ‬والمنتفعة‭ ‬من‭ ‬سلطة‭ ‬الانقلابات‭ ‬على‭ ‬التاريخ‭.‬
فما‭ ‬ينشده‭ ‬ويشيده‭ ‬الجيل‭ ‬الثائر،‭ ‬هو‭ ‬تحرير‭ ‬الإنسان‭ ‬المواطن،‭ ‬ليحرر‭ ‬مؤسساته‭ ‬وسلطته‭ ‬من‭ ‬نظام‭ ‬برأسين،‭ ‬أحدهما‭ ‬وهو‭ ‬الفاعل‭ ‬متخف،‭ ‬وآخر‭ ‬ظاهر‭ ‬يعمل‭ ‬فقط‭ ‬على‭ ‬تسويق‭ ‬تنفيذ‭ ‬ما‭ ‬خفي‭ ‬من‭ ‬قرارات،‭ ‬وبذلك‭ ‬يمكن‭ ‬للحرية‭ ‬في‭ ‬معناها‭ ‬وعميق‭ ‬دلالاتها‭ ‬أن‭ ‬تنبسط‭ ‬في‭ ‬واقع‭ ‬الناس،‭ ‬ليحرسوا‭ ‬بأنفسهم‭ ‬ثروات‭ ‬وطنهم‭ ‬وخياراته،‭ ‬ويحموا‭ ‬ممتلكاتهم‭ ‬وحقوقهم،‭ ‬عبر‭ ‬الاختيار‭ ‬والانتخاب‭ ‬الحر‭ ‬غير‭ ‬المزور‭ ‬لممثليهم‭. ‬هو‭ ‬ذا‭ ‬مشروع‭ ‬الثورة‭ ‬الذي‭ ‬يتساءل‭ ‬عنه‭ ‬البعض‭ ‬بخبث‭ ‬في‭ ‬مسعاه‭ ‬لنقضها‭ ‬وانتقادها،‭ ‬لكونها‭ ‬لا‭ ‬تخضع‭ ‬لقيادة،‭ ‬فثورة‭ ‬الابتسامة‭ ‬ليست‭ ‬في‭ ‬حاجة‭ ‬لقيادة‭ ‬بشرية‭ ‬طالما‭ ‬أن‭ ‬قيادة‭ ‬نوفمبر‭ ‬رمز‭ ‬لها،‭ ‬فهي‭ ‬موج‭ ‬ثوري‭ ‬ارتدادي‭ ‬لهزة‭ ‬نوفمبر‭ ‬1954،‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬تستبطن‭ ‬نفوس‭ ‬ووعي‭ ‬الجزائريين‭ ‬كموثق‭ ‬فطري،‭ ‬والنوفمبرية‭ ‬الجزائرية‭ ‬تحمل‭ ‬تحريما‭ ‬دائما‭ ‬للزعاماتية‭ ‬والاستفراد‭ ‬بالحكم،‭ ‬تجريما‭ ‬للمس‭ ‬بالطابع‭ ‬الاجتماعي‭ ‬للدولة‭ ‬وتصميما‭ ‬على‭ ‬وحدة‭ ‬التراب‭ ‬والشعب‭.‬
الحرية‭ ‬التي‭ ‬تحملها‭ ‬‮«‬ثورة‭ ‬الابتسامة‮»‬‭ ‬تنطوي‭ ‬على‭ ‬أبعاد‭ ‬سيادية‭ ‬كبرى،‭ ‬فهي‭ ‬إذ‭ ‬تنشد‭ ‬تخليص‭ ‬الإنسان‭ ‬من‭ ‬قيود‭ ‬الوهم‭ ‬الذي‭ ‬حرص‭ ‬النظام‭ ‬عبر‭ ‬أبواقه‭ ‬الدعائية‭ ‬تسويقه‭ ‬له‭ ‬من‭ ‬أفق‭ ‬وردي‭ ‬لا‭ ‬يصله‭ ‬إلا‭ ‬عبر‭ ‬اشتراطات‭ ‬وتضحيات‭ ‬غير‭ ‬محدودة‭ ‬ولا‭ ‬مضمونة،‭ ‬فهي‭ ‬بشعارها‭ ‬‮«‬يتنحاو‭ ‬قاع‮»‬‭ ‬أي‭ ‬يرحلوا‭ ‬جميعا،‭ ‬تريد‭ ‬أن‭ ‬تسوي‭ ‬معبد‭ ‬السلطة‭ ‬الرملي‭ ‬الظلامي‭ ‬مع‭ ‬الأرض،‭ ‬لتنشئ‭ ‬مكانه‭ ‬نظاما‭ ‬جديدا‭ ‬برأس‭ ‬واحد،‭ ‬يُحمد‭ ‬ويُزكى‭ ‬إن‭ ‬أحسن‭ ‬ويُنقد‭ ‬ويقوض‭ ‬إن‭ ‬أساء‭. ‬فليس‭ ‬من‭ ‬المعقول‭ ‬أن‭ ‬يدنو‭ ‬العالم‭ ‬بما‭ ‬يكتنفه‭ ‬من‭ ‬مد‭ ‬عولمي‭ ‬إلى‭ ‬الاتصال‭ ‬والاتضاح‭ ‬بين‭ ‬مكوناته‭ ‬وأجناسه،‭ ‬في‭ ‬وقت‭ ‬يظل‭ ‬النظام‭ ‬في‭ ‬الجزائر‭ ‬مارقا‭ ‬منصرما‭ ‬عن‭ ‬الدراية‭ ‬السياسية‭ ‬والمعرفية،‭ ‬محليا‭ ‬ودوليا،‭ ‬كما‭ ‬لو‭ ‬كان‭ ‬الأمر‭ ‬يتعلق‭ ‬بحالة‭ ‬عصابة‭ ‬رسمية‭ ‬وليس‭ ‬نظام‭ ‬حكم‭ ‬سيادي‭.‬
ولقد‭ ‬تجلى‭ ‬خطر‭ ‬ذلك‭ ‬للجزائريين‭ ‬في‭ ‬ما‭ ‬أثير‭ ‬من‭ ‬ملفات‭ ‬وقضايا‭ ‬الفساد،‭ ‬التي‭ ‬كان‭ ‬بطلها‭ ‬هذا‭ ‬النظام‭ ‬غير‭ ‬الشعبي‭ ‬وغير‭ ‬الوطني،‭ ‬حين‭ ‬تصرف‭ ‬سراً‭ ‬في‭ ‬مقدرات‭ ‬الشعب‭ ‬بما‭ ‬يضمن‭ ‬الامتيازات‭ ‬لرجالاته‭ ‬وأسرهم‭ ‬ولقوى‭ ‬الاستدمار‭ ‬العولمي‭ ‬من‭ ‬شركات‭ ‬متعددة‭ ‬الجنسيات،‭ ‬التي‭ ‬تحرص‭ ‬بقوتها‭ ‬الفائقة‭ ‬والقافزة‭ ‬على‭ ‬قوة‭ ‬حكومات‭ ‬بلدانها‭ ‬على‭ ‬تثبيت‭ ‬عملائها‭ ‬على‭ ‬رأس‭ ‬سلط‭ ‬بلدان‭ ‬الثروات‭ ‬الطبيعية‭ ‬والبشرية‭. ‬
فإذن،‭ ‬‮«‬ثورة‭ ‬الابتسامة‮»‬‭ ‬ليست‭ ‬بالمحاكاة‭ ‬لموضة‭ ‬حَراكية‭ ‬شهدتها‭ ‬المنطقة‭ ‬فيما‭ ‬عُرف‭ ‬بالربيع‭ ‬العربي،‭ ‬بل‭ ‬هي‭ ‬استجابة‭ ‬لتململ‭ ‬متواصل‭ ‬في‭ ‬جسد‭ ‬التاريخ‭ ‬الوطني‭ ‬الخدر‭ ‬في‭ ‬وعيه،‭ ‬تاريخ‭ ‬يريد‭ ‬أن‭ ‬يقوم‭ ‬ويستقيم‭ ‬بعد‭ ‬كل‭ ‬تلك‭ ‬النوبات‭ ‬من‭ ‬الصرع‭ ‬التي‭ ‬تسبب‭ ‬له‭ ‬فيها‭ ‬نظام‭ ‬بائد‭ ‬بائس‭ ‬عمل‭ ‬عبر‭ ‬كل‭ ‬الأصعدة‭ ‬على‭ ‬ارتهان‭ ‬الأمة،‭ ‬ورهن‭ ‬مستقبلها‭ ‬خدمة‭ ‬لطموح‭ ‬رجالاته‭ ‬غير‭ ‬المحدودة‭ ‬وغير‭ ‬المسؤولة،‭ ‬وخدمة‭ ‬لقوى‭ ‬أجنبية‭ ‬ضغطت‭ ‬بكل‭ ‬ما‭ ‬وسعت‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬ديمومته‭ ‬على‭ ‬صدر‭ ‬الجزائريين،‭ ‬فمعرفيا‭ ‬زور‭ ‬هذا‭ ‬النظام‭ ‬التاريخ‭ ‬في‭ ‬دفاتر‭ ‬الأجيال‭ ‬المدرسية،‭ ‬بزعم‭ ‬أن‭ ‬ذلك‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬وحدة‭ ‬الوطن،‭ ‬سياسيا‭ ‬زور‭ ‬الانتخابات‭ ‬بحجة‭ ‬مقتضيات‭ ‬المصلحة‭ ‬العليا‭ ‬للوطن،‭ ‬أمنيا‭ ‬قتل‭ ‬ونكّل‭ ‬لعشرية‭ ‬كاملة‭ ‬باسم‭ ‬حماية‭ ‬الوطن،‭ ‬وصنع‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬تزكية‭ ‬خياراته‭ ‬الخاطئة‭ ‬تلك‭ ‬أحزابا‭ ‬سياسية‭ ‬موالية‭ ‬في‭ ‬معسكر‭ ‬المعارضة،‭ ‬لتَسكت‭ ‬وتُسكت،‭ ‬عن‭ ‬كل‭ ‬ذلك‭ ‬باسم‭ ‬الحفاظ‭ ‬على‭ ‬الوطن‭ ‬من‭ ‬الانهيار‭ ‬والاندثار‭! ‬فالثورة‭ ‬إذن‭ ‬تبتسم‭ ‬في‭ ‬مرآة‭ ‬ماضي‭ ‬التاريخ‭ ‬الوطني،‭ ‬فتشع‭ ‬ابتسامتها‭ ‬مشرقة‭ ‬في‭ ‬المستقبل‭ ‬الوطن‭ ‬لكل‭ ‬أحرار‭ ‬البلد‭ ‬والعالم‭ ‬ممن‭ ‬يكتوون‭ ‬بنار‭ ‬الاستعمار‭ ‬العولمي‭ ‬الجديد‭. ‬

*كاتب‭ ‬وصحافي‭ ‬جزائري


Nombre de lectures : 390
PAS DE COMMENTAIRES

LAISSER UN COMMENTAIRE

*

*

Ce site utilise Akismet pour réduire les indésirables. En savoir plus sur comment les données de vos commentaires sont utilisées.

Congrès du Changement Démocratique