Édition du
17 June 2019

الحراك ومتطلبات المرحلة



         مع مر الأيام وتسارع الإحداث تبلورت في الحراك اصطفا فات حادة و توجهات متمايزة،

منها اصطفا فان  متناقضان :             

1- الأول، المنادي  بالتأييد المطلق للمؤسسة العسكرية و المفوض لها   

2- والثاني، المفرط  في التوجس إلى حد العداء لقيادة المؤسسة العسكرية ويطالبها بالتنحي مع إلغاء كل المؤسسات الحكم القائمة و تكوين مجلس تأسيسي ومرحلة انتقالية.   

3- وبين المجموعتين يقع التوجه الثالث والذي يمثل الأغلبية كما يلاحظه كل مشارك مثابر في الحراك وتبرزه اللافتات المرفوعة والهتافات المسموعة وتؤكده آري وتحاليل الكثير من الشخصيات التي تظهر على وسائل الإعلام المختلفة مكتوبة ومرئية؛ هذا الفصيل الوسطي الواسع الذي يضم الأغلبية الصامتة  يثمن  ما حققه الحراك الشعبي الشامل والموحد من إنجازات  ومصمم على مواصلة نضاله بكل سلمية إلى غاية إرساء قواعد دولة العدل المنشودة، كما يثمّن ويعتزّ بدور المؤسسة العسكرية وجميع المؤسسات الأمنية في  دعمها وحفاظها على سلمية الحراك والتي هي مكمن قوته وضمان استمراره ، ويشد على أيديها في حربها على العصابة الحاكمة وأعداء الوطن في الداخل والخارج وتحرير العدالة وإطلاق يدها للقضاء على  أذرع الفساد بأنواعه والتي كانت تنخر البلاد منذ عقود .

         إن المتتبع للأحداث بموضوعية وتجرد يدرك أن كل ما أنجز منذ بداية الحراك من تفكيك للعصابة، التي استبدت بالحكم منذ زمن طويل وذاق من ويلاتها الشعب الأمرين، ودك اذرعها المالية والإدارية وكل إخطبوط الفساد، الذي أمتد عموديا وأفقيا ليطال مسؤولين كبار وحتى بعض أبسط الموظفين آو صغار المتعاملين الاقتصاديين، كل ذلك مطلب شعبي ما كان ليشرع فيه بالسرعة  والانتشار الحالي لولى مرافقة الجيش وحمايته.                                                                                      

         إن القارئ النزيه لخطاب قائد الأركان الأخير لا يمكن له إلا أن يحسن الظن في إن الجيش لا يرغب أن يكون طرفا مباشرا كما تدعوه، صراحة بعض الأطراف، في الحوار السياسي، وان الحل يجب  أن يبقى في إطار الدستور الذي يتشبث به الجيش منذ البداية ، ولعل ذلك يرجع لحيثيات أمنية لا يريد الإفصاح عنها ألان. وبالمناسبة لا ننسى انه لو كان الجيش اليوم امتدادا لانقلاب 1992 وأراد أن يبقى متمسكا بالحكم لوجد ترحابا ودعما من أطراف كثيرة في الداخل وفي الخارج ودعوني اصدق ما حلمت به في مقال سابق تحت عنوان « ثنائية الجيش والسلطة  » بان يكون الجيش الوطني الشعبي الاستثناء في الجيوش العربية ويعيد أمانة الحكم إلى صاحبها « فخامة الشعب  » ويدخل بذلك التاريخ من بابه الواسع .

          إن الدعوة الواضحة بالإسراع في إنشاء لجنة مستقلة للإشراف على الانتخابات ومراقبتها إصرار على أن تكون الانتخابات  ذات مصداقية علما أن ذلك يتطلب الوقت الذي تقتضيه الاجتهادات القانونية  والمشاورات الضرورية لإنجاز المهمة، وقد يفهم من هذا  ضمنيا استحالة إجراء تلك الانتخابات في الموعد المحدد وإمكانية تأجيلها حتى تتهيأ الظروف الملائمة .

         إن التناغم مع ما يصرح به الجيش  لا يعني تفويضا له ولا أعطائه صكا على بياض أو تطبيقا لأجندة لا نعلمها بل هو صلب غاياتنا في تأسيس الديمقراطية المنشودة والتي أول دعائمها الانتخاب الحر والشفاف والذي يتطلب منا جميعا حراكا وطبقة سياسية ومجتمع مدني أن نشرع جادين في تكوين اللجنة التي تشرف عليها ، فلنشمِّر على سواعدنا  وستكشف لنا الأيام صدق النوايا لكل طرف من عدمه .

         نقول للإخوان الذين يطالبون بإلحاح بمرحلة انتقالية لإرساء القواعد التي تبنى عليها دولة العدل  إن أضمن وأقصر مرحلة انتقالية ستكون في عهدة أو عهدتين لرئيس وبرلمان منتخبين بحرية حيث يكونان الإطار الأمثل لطرح كل انشغالات المواطنين عن طريق ممثليهم المنتخبين لان بناء  نضام  العدل والقانون والمساواة الذي يلبي رغبات جميع شرائح الشعب على اختلاف مشاربهم ليس بالأمر الهين خاصة في وضعنا الحالي الذي يسوده التشنج وعدم التعود على الحوار الهادئ بسبب التصحر السياسي والاختراق الثقافي وانحراف سلم القيم لدى فئات كبيرة من المجتمع جراء الفساد الذي طال جميع مؤسسات الدولة والمجتمع، ولنا أن نتأسى بمن سبقنا بالتحاور داخل المؤسسات المنتخبة مهما شابها من عيوب كما هو الحال في تونس الشقيقة مثلا عوض  حوار الشارع وما انجر عنه من ويلات في غيرها .

         كما نقول للذين يصرون على إقحام الجيش ، أتريدون  أن  » تكونوا ملكيين أكثر من الملك  » إن موقف الجيش مؤشر على انه لا يرغب  في الخوض المباشر في معترك السياسة وان ما يقوم به من إجراءات اليوم يدخل في صلب مهامه الدستورية لحماية مصالح الشعب والوطن خاصة وان الكل يدرك انه المؤسسة الوحيدة التي ظلت متماسكة وان موقفه اليوم اكبر دليل على وطنيته وتطهيره من بعض العناصر التي تريد ارتهانه للخارج وإشغاله في مهام غير مهامه ، كشأن ذلك الذي صرح ذات يوم للصحفي الفرنسي  » نيكولا  بو  » أن على فرنسا أن تعتمد عليهم في محاربة  » الإرهاب  » لأنهم يمثلون  » آخر الأقدام السوداء  » (1)؛ ونحن نعلم ما فعلته القوى الخارجية بتواطؤ من  عملائها داخل جيوش بعض الدول بدفعهم للانقلاب على إرادة الشعوب والتنكيل بها ، وجيشنا نحن يتعهد أمام الله وأمام الناس بأنه لا يقبل  أن لا تسيل قطرة دم واحدة لمواطن جزائري .

         إذا عوض أن نغرق في كيل التهم لبعضنا البعض أو نشكك في كل ما يصدر عن غيرنا علينا أن لا نفوت الفرصة وأن نوحد جهودنا و نتعاون  لبناء دولتنا الموحدة على أساس الثوابت الجامعة التي نصت عليها كل المواثيق الوطنية منذ نشأة الحركة الإصلاحية والوطنية دون إقصاء أو تهميش أو تخوين .

         فكما حرر الجزائر الجميع يجب أن ينْعَم فيها بتلك الحرية الجميع ، والله من وراء القصد وهو يهدي السبيل.

الوادي في 23/05/2019 

د. محمد جاب الله

(1) تصريح للمدعو  » إسماعيل الأصغر » للصحفي الفرنسي نيكولا بو صاحب كتاب :

«Papa Hollande au Mali . Chronique d’un fiasco annonce »


Nombre de lectures : 481
PAS DE COMMENTAIRES

LAISSER UN COMMENTAIRE

*

*

Ce site utilise Akismet pour réduire les indésirables. En savoir plus sur comment les données de vos commentaires sont utilisées.

Congrès du Changement Démocratique