Édition du
17 June 2019

تحرير الماضي الوطني.. حاجة الحاضر وحل المستقبل!

http://elsada.net

يستبيح الزعيم العربي كيفما شاء ووقتما شاء كل مساحات الكينونة الوطنية، في أفق بنيتها كما في تحتها، فهو الملهم، المعلم والملم بدقيق الحق والحقوق وعليه لا سلطان على إراداته في تأويل الماضي تفسير الحاضر وتدبير أو تدمير المستقبل، وإذا حدث أن تمرد الأموات في تراث شهادتهم، على الوطن وعلى الزعيم دفنت بعدهم شهادتهم تلك بكل أسليب الدفن والردم ويغتال التاريخ ألف مرة على أرض تحفل بالموت أكثر من حفلها بالحياة، هكذا هي ثقافة الدولة العسكرية بالزي المدني في عاملنا العربية ماضية في عسكرة الخطاب والوطني والتاريخي حتى لو أثر رجعي، بلا حسبان لتبدلات الوعي المضطردة، وحاجة الناشئة لفضاء وطني جديد تلزمهم به ضروريات العالم الجديد المتجدد من حولهم والمنصرم عن كل الوصايا وعلى رأسها الوصاية على العقل والوعي التاريخي. أثناء نزوله ضيفا على منتدى جريدة الحوار الجزائرية، أكد الكاتب الصحفي الجزائري عبد العزيز أبو بكير، أن المسؤول الأول السابق في جهاز الاستخبارات اللواء محمد مدين المدعو توفيق، والذي كان يُنعت جزافا برب الجزائر، لفرط هيمنته على كل أجهزة الدواة وتحكمه في كامل مفاصل مؤسساتها وعلى كانل حركية المجتمع ، هو من حال دون نشر مذكرات الرئيس الراحل الشاذلي بن جديد، بعد أن أكمل ترجمتها من الفرنسية إلى اللغة العربية، والتي ظلت مخطوطا حبيس رفوف خزائن دور النشر،  لما يزيد عن عقد كامل من الزمن! والسبب هنا واضح، وهو تضمنها لحقائق صادمة حول خلفيات استقالة الرئيس الشاذلي أو دفعه للاستقالة سنة 1992 من طرف زمرة العسكر التي كان يقودها الجنرال خالد نزار، بغية إيجاد المبرر الدستوري والقانوني لإيقاف المسار الانتخابي الذي كانت ستتوج به الجبهة الإسلامية للإنفاذ آنذاك، وهو ما أدخل البلد في حرب أهلية طاحنة حصدت أرواح زهاء ربع مليون جزائري!

فالتعتيم الممنهج الذي ترسخ كثقافة دولة لدى الأجهزة العربية الرسمية، تجاوز وعاء الراهن، ومساحة الإعلام الإخباري ليطال الماضي المعقد بقصد الحيلولة دون توهج حقائق التاريخ في العتمة الرسمية المفروضة على وعي المواطن بقوة السلاح وسلاح القوة.

وعليه فالمواطنة بكل معاني فلسفتها هي في الدولة الوطنية العربية لا تعدو كونها برنامجا تربويا استخباراتيا موجها يتوجب التقيد به والتشكل على وصاياه ليحمل الإنسان سمة وصفة المواطن الذي يراد له أن يحملها، غلواء بلا قياس في الحجر على لوعي وترسيخ زورا التاريخ الذي يخدم الزعيم ويخذل المواطن والوطن.

وحين استلم بوتفليقة الربوبية من قائد الاستخبارات سنة 2015، وأحاله على التقاعد وفكك ظاهر شبكته المزروعة والمشتغلة إلى غاية اليوم، راح هو الآخر يسطو على الماضي الوطني ويعبد تشكيله وفق نزوته وبما يرسخ روح أبوية الحاضر التي كان قد طفق يمارسها مذ اغتصب الدستور وفتح العُهد، التي كان محددة في الدستور بعهدتين فقط، حتى يستطيل بقاءه في قصر الرئاسة ما بقيت الروح تذب في جسده، قبل يخرج مهان بقوة مد الحراك الثوري الكبير.

وهكذا جاءت السطوة الغريبة المريبة من بوتفليقة على الماضي من خلال إعادة ترتيب رمزياته ببعث بعضها وردم آخر، وإعادة الاعتبار لقادة خونتهم، أثناء حرب التحرير الوطنية، كل التشكيلات المنضوية تحت لواء الحركة الوطنية وتخوين آخرين كانوا عتاة رفض الاستعمار وأتباعه من أبناء الوطن، في مصالحة فوقية مع هذا الماضي دونما سند قانوني ولا معرفي ولا حتى سياسي، ضاربا بعرض الحائط المواقف الحية لمختلف فرقاء القضية الوطنية التي لا تزال خلافاتها تلقي بظلالها على واقع الأمة اليوم ممثلة في جدل شرعية النظام السياسي الذي استحوذ على السلطة بقوة الدبابة عشية الاستقلال، منقلبا على الحكومة المؤقتة بقيادة الرئيس الراحل بن يوسف بن خدة المنتخبة حينها من قبل مجلس الثورة.

فبوتفليقة قام بإعادة الاعتبار لمصالي الحاج مؤسس زعيم حزب الشعب، المتهم بقاتله ضد الثورة التحريرية بالجزائر، دونما ارتجاع لتراث الأمة التاريخي وحكمه المُجمع عليه حول هذا الزعيم المتهم بالنزعة الكاريزماتية التي قادته ليس فقط إلى رفض مبدأ الثورة المسلحة، بل وإلى قتالها، فأطلق اسمه على مطار مدينة تلمسان، وسط صمت أموات لنخب التاريخ والفاعلين الثوريين السابقين.

كما عاد وأعاد  الاعتبار للرئيس الأول للجزائر المستقلة، أحمد بن بلة، مع أنه كان ممن ساهموا بكل الوسائل في الانقلاب عليه سنة 1965، معتذرا له في حفل كبير أقيم على شرفه بمنطقة « لالة مغنية » بمدينة تلمسان مسقط رأس الرئيس بن بلة، ومطلقا اسمه أيضا على مطار وهران الدولي، مع أن الجزائريين ظلوا لأزيد من عقدين يحتفلون بتاريخ الانقلاب على بن بلة وكان 19 جوان من كل سنة يوما وطنيا مدفوع الأجر!

يتضح من هذا كله أن « الصحوة الوطنية » الجديدة التي تمظهرت بجلاء من خلال سلسلة التمردات والثورات الشعبية الكبرى على نظم التأسيس القُطري الأول لمختلف البلاد العربية في المرحلة ما بعد الكولونيالية، فيما عُرف بالربيع العربي في موجتيه الأولى والثانية الحاصلة في الجزائر والسودان مطالبة، زيادة على تحرير الحاضر، بأن تحرر الماضي، من قبضة الهيمنة العسكرتانية التي تسعى للتمركز والحضور الدائم فيه حتى تعطي لنفسها شرعية التأسيس القُطري، وبه تتقدس في الوعي الوطني.

بات إذا جليا أنه لن يتحرر هذا الماضي المختطف المعيد لإنتاج نظم الاستقلال البالية، إلا بتحرير الفرد (المواطن) ذلك لأن استمرار خطاب الوطنية الأولى ذي الأولويات الصدئة القاتلة، وعلى رأسها  أولوية الوطن على حساب المواطن لم يعمل أكثر من أنه دمر الحاضر وضمر المستقبل بإعاقته لمسار تطور الدولة القُطرية العربية بحرمانها من جوهر مبادئ الدولة الحديثة وشروط ارتقاءها، كمبدأ التداول السلمي والطبيعي على السلطة، وبروز مجتمعات مدنية قوية، تعمل على تحصين المجتمع مرض الجهل والدجل السياسيين، وتقاوم ظهور الدولة العميقة التي تعشش فيها قوى الشر والفساد مجسدة في تحالف الثلاثي الرهيب؛ المال ـ السياسة ـ العسكر، أو يد الاستعمار الجديد الذي تقوده الشركات متعددة الجنسيات.       

بشير عَمري

كاتب صحافي جزائري


Nombre de lectures : 593
PAS DE COMMENTAIRES

LAISSER UN COMMENTAIRE

*

*

Ce site utilise Akismet pour réduire les indésirables. En savoir plus sur comment les données de vos commentaires sont utilisées.

Congrès du Changement Démocratique