Édition du
20 August 2019

لماذا نرفض الإنتخابات الرئاسية و الحل الدستوري

محفوظ بـــدروني

(نائب رئيس الجمعية الوطنية لمكافحة الفساد)

11 يونيو 2019

تمهيد:

الانتخابات هي عملية رسمية لاختيار شخص أو مجموعة أشخاص لتولي منصب أو مناصب رسمية، أو قبول أو رفض اقتراح سياسي بواسطة التصويت.  و يجب التمييز بين شكل الانتخابات ومضمونها. ففي بعض الحالات توجد الأشكال الانتخابية ولكن يغيب المضمون الانتخابي مثل حالة عدم توفر الخيار الحر وغير المزيف للاختيار بين بديلين على الأقل. ففي الدول الاستبدادية تنظم الانتخابات لكن بشكل صوري فهي انتخابات غير تنافسية أي أن نتيجتها مرتبة سلفا من قبل السلطة الحاكمة.

دواعي و مبررات رفض الانتخابات الرئاسية و الحل الدستوري:

فنحن نرفض الإنتخابات الرئاسية و بالتبعية نرفض الحل الدستوري:

1°)- لأنها(أي الإنتخابات الرئاسية) تقام ضمن النظام السياسي و منظومة الحكم التي ثار عليها الشعب الجزائري فلا يمكن من كان سببا في الأزمة أن يكون سببا في حلها.. إنّ الذهاب إلى انتخابات رئاسية أو برلمانية في منظومة الحكم الحالية لا يؤدي سوى إلى إعادة إنتاج نفس السياسات بوجوه جديدة.. فنفس المقدمات(المدخلات) تؤدي إلى نفس النتائج(المخرجات) فالإصرار على مسار الإنتخابات الرئاسية لا يؤدي إلاّ إلى إعادة إنتاج نفس النظام الفاسد بوجوه جديدة.

2°)- لأنها تؤدي إلى القضاء على الثورة و الحراك، فهي خيار انتحاري بالنسبة للحراك.. فالمرحلة ليست مرحلة تنافسية بين مترشحين و برامج في ظل وضع سياسي مستقر، و إنّما مرحلة ثورية بامتياز تستدعي اصطفاف جميع مكونات الثورة و أطياف الحراك لإسقاط النظام غير الشرعي و دولة الفساد و الاستبداد .. فالانتخابات الرئاسية تؤدي إلى توقيف الحراك الشعبي و تبريد الثورة السلمية و ذلك بانقسام المشاركين في الحراك بين عدد من المترشحين للانتخابات فالذين لم يفز مرشحهم سيعودون إلى بيوتهم و لم يعودوا يشاركون في الفعاليات و المظاهرات مما يؤدي إلى انقسام مجتمعي داخل الحراك بل إلى تصادمات: البعض يؤيد الرئيس الجديد و البعض الأخر لا يبالي بل من الممكن أن ينخرط في مسعى معارض للرئيس الجديد بل و يسعى إلى إفشاله كما فعلت ذلك النخبة المصرية و التونسية التي لم تفز في الإنتخابات بل وصل بهم الأمر إلى التحالف مع العسكر لإسقاط أول تجربة ديمقراطية و رئيس منتخب(في مصر) أو عرقلة مسار المرحلة الإنتقالة(كما حصل في تونس) أدت إلى عودة الدولة العميقة و الثورة المضادة إلى الحكم.

3°)- إنّ دولة الفساد و الاستبداد تملك كل أدوات القوة التي تجعل من الرئيس المنتخب – حتى و إن كان من خارج منظومتها – يذعن للإطار المؤسساتي الذي حددته المنظومة الحاكمة و الحدود التي تضعها الدولة العميقة. فمنظومة  الحكم و إدارة الدولة التي تتشكل من المنظومات التالية:المنظومة السياسية، المنظومة العسكرية و الأمنية، منظومة الإدارة و القضاء، المنظومة المالية و الإقتصادية، المنظومة الإعلامية و الدعائية و التي تسيطر على مقاليد الحكم والسلطة تستطيع افشال أي مسعى إصلاحي من حيث أنّها تستطيع أن تستفرد بالرئيس المنتخب و تحاصره من كل جانب بالترغيب و الترهيب فإن أبى الرضوخ والاستسلام فإنّها قادرة على معالجته بكل الوسائل و الدليل على ذلك ما وقع للرؤساء السابقين الذين حاولوا إحداث إصلاحات أو تغييرات محدودة – من داخل النظام – على أسلوب ممارسة الحكم و إدارة الدولة: الشادلي بن جديد(تم إقالته)، محمد بوضياف(تم تصفيته)، اليمين زروال(تمّ عرقلته ثم إبعاده).

4°)- الإصرار على الإنتخابات الرئاسية هو إصرار على فرض مسار نظام متهالك آيل إلى السقوط و الانهيار يريد إنقاذ نفسه لا إنقاذ الجزائر و نزع اعتراف من الثورة الشعبية و إقرار من الحراك السلمي بدولة الفساد و الاستبداد لكي تتولى هي الاشراف على المرحلة الراهنة بتنظيم الانتخابات و الاشراف عليها من حيث تعيين أعضاء الهيئة المستقلة التي يصر النظام القائم على تعيين أعضائها من بين أتباعه؟؟؟!!!!

5°)- الانتخابات الرئاسية – بعد ثورة- تكون تتويجا لمسار إصلاح سياسي و دستوري جذري عام و شامل توضع له الأسس السليمة و القواعد الصحيحة لكي يعبر بحق عن الإرادة السيّدة للشعب الجزائري و يحقق بصدق عن مطالبه المشروعة في إقامة دولة الحق و العدل و الحريات ..فالإصلاح القانوني و المؤسساتي للدولة يمهد لإجراء انتخابات ديمقراطية حرة ونزيهة وشفافة تفضي إلى بروز وجوه جديدة غير متورطة في الفساد و الاستبداد، هذا الأمر غير متحقق في ظل النظام القائم. فهذا الأخير يريد فرض أجندته و منسوب التغيير الذي يريد، لا التغيير الجذري الذي يطالب به الشعب و النشطاء من أجل التغيير و المشاركون في الحراك. الإنتخابات الرئاسية تكون تتويجا لمسار إصلاح دستوري و سياسي شامل و عميق عن طريق عملية أو عمليات جراحية تستأصل دولة الفساد و الاستبداد ليس عملية إجرائية تؤدي إلى بقاء الوضع على ما هو عليه.

6°)- إنّ النظام القائم درج في تزوير الانتخابات و برع في تزييف إرادة الهيئة الناخبة بما يملك من وسائل و أدوات فليس من الحكمة الرضوخ إلى إرادته في الذهاب إلى انتخابات هو الذي يتولى تنظيمها و الإشراف عليها.. فمنذ عام 1962 قام النظام بتزوير كل الاستحقاقات الإنتخابية باستثناء انتخابات عام 1990 (البلدية) و انتخابات عام1991 (التشريعية) و حتى هذه الأخيرة قام العسكر بإلغائها و استصدر تشريعات استبدادية و إجراءات قمعية أدت على حدوث خراب في البلاد و جرائم غير متناهية في حق المواطنين.. لذلك لا نثق في انتخابات رئاسية أو غيرها في ظل بروز دور فاضح للعسكر في الوقت الراهن الذي يمكنه الانقلاب على أي انتخابات كما فعلها سلفه في عام 1992.

7°)- لأننا نرفض أصلا الدستور الحالي، دستور العار و الشنّار، دستور الفساد و الاستبداد و بالنتيجة فما بني على باطل فهو باطل.. فرفض الدستور الحالي يستلزم حتما رفض الانتخابات – كل الانتخابات – التي تجرى في ظله و في إطاره.. فهذا الدستور لم يضعه الشعب الجزائري و لم يناقشه، فلم يشارك الشعب الجزائري ابتداء في صياغته (عن طريق جمعية تأسيسية منتخبة) و لم يشارك إنتهاء في إقراره عن طريق استفتاء حر و نزيه و شفاف(عزوف تام و مقاطعة كبيرة عن المشاركة في الاقتراع)..فالدستور الحالي وضع من قبل أشخاص وهيئات غير شرعية و لم يقرّه الشعب بإرادته السيدة فهو و العدم سواء.

8°)- الإنتخابات الرئاسية هي خيار هروب إلى الأمام و عدم مواجهة الحقيقة بأنّ الأزمة سياسية بامتياز تستدعي حلا سياسيا لا حلا دستوريا أو قانونيا لأن الشعب رافض أصلا إجراء الإنتخابات في ظل النظام القائم »مكانش انتخابات يا العصابات » هكذا هتف الشعب في مظاهراته الأسبوعية بانتظام.. فالانتخابات الرئاسية تعني رفض إجراء إصلاح جذري للنظام السياسي و لمنظومة الحكم و للدستور الجاري به العمل و إغراق الشعب في جزيئات لا تسمن ولا تغني من جوع.. فالانتخابات الرئاسية هي حل بالنسبة للنظام القائم و لمنظومة الحكم الفاسدة و المستبدة و ليست حلا لإشكالية السلطة والحكم في الجزائر باعتبار أن السلطة القائمة منذ عام 1962 هي سلطة غير شرعية.

9°)- لا يقبل مواطن عاقل و ناشط سياسي أصيل إجراء انتخابات رئاسية في ظل وضع سياسي يتسم بالاستبداد و القمع و الديكتاتورية و الإجراءات التعسفية و جو يسوده الظلم و الجور نذكر منها: غلق المجال السياسي و الإعلامي – عدم السماح بنشاطات خارج إطار منظومة الحكم الفاسدة – عدم السماح بإقامة محاضرات و ندوات و اجتماعات عامة مفتوحة للجمهور – مواصلة الإجراءات التعسفية في حق النشطاء و السياسيين – المنع من حركة التنقل(علي بن حاج) – غلق مداخل و الطرق المؤدية إلى العاصمة في كل يوم جمعة (لمنع الناس من المشاركة في المظاهرات)- اعتقالات بالجملة في صبيحة كل يوم جمعة لثني الناس من الحضور و المشاركة في المظاهرات – عدم المبادرة بالقيام بإجراءات حسن النية مثل إطلاق سراح المعتقلين السياسيين الذي يقبعون في غياهب السجون منذ بداية التسعينيات – تجاهل الإعلام الحكومي و الخاص كلية لمجريات الحراك و عدم تغطيته بل تحريف الشعارات و المطالب التي رفعها المتظاهرون – وضع قيود و متاريس في وجه المتظاهرين السلميين و منع التظاهر في غير أيام الجمعة..

خلاصة و تنبيه:

بالرغم من المبررات التي سقناها أعلاه فإننا نقبل التحدي و هذا بتحكيم الشعب في الخيارين المطروحين في الساحة وأمام الرأي العام و استفتاء الشعب عليهما و هما:

  1.  الخيار الأول(الذي يصرّ عليه النظام):انتخابات رئاسية في ظل النظام القائم و الدستور الحالي؛
  2. الخيار الثاني(الذي يصرّ عليه قسم كبير من الشعب):تنصيب مجلس حكم رئاسي يشرف على إعداد وبلورة إعلان دستوري يؤسس لمرحلة إنتقالية على أساس من الشرعية الشعبية تفضي إلى إقرار دستور جديد تعده جمعية تأسيسية منتخبة يستفتى عليه الشعب(ثم تجرى انتخابات لكل الهيئات المنصوص عليها دستوريا)

فهذا حل عقلاني يتماشى حتى مع الدستور القائم الذي ينص في مادته 7 أن « السيادة للشعب » و في مادته 8 أن « السلطة التأسيسية ملك للشعب » يمارسها عن طريق الانتخابات أو عن طريق الاستفتاءات.. فالشعب رفض إجراء الانتخابات و من ثم لم يبق من خيار سوى إجراء استفتاء على الطرحين المعروضين في الساحة السياسة لإنهاء الصراع و الخروج من الأزمة بطريقة سلمية حضارية بشرط أن ينظم الاستفتاء من قبل هيئة مستقلة عن السلطة و بعد رفع كل القيود و الإجراءات التعسفية المشار إليها أعلاه حتى ضمن إجراء استفتاء حر و نزيه و شفاف. 


Nombre de lectures : 842
PAS DE COMMENTAIRES

LAISSER UN COMMENTAIRE

*

*

Ce site utilise Akismet pour réduire les indésirables. En savoir plus sur comment les données de vos commentaires sont utilisées.

Congrès du Changement Démocratique