Édition du
20 August 2019

جزائر تعظيم المتواضعين وتواضع العظماء

تسير الجزائر الجديدة نحو تأسيس الفضاء العمومي عندما تبدأ في القطع مع ممارسات الماضي التي أفرزت الكثير من الجنون السياسي، والمناورات السياسية، والقرارات غير المسؤولة، والأكاذيب والمغامرات السياسية.. ومن أبرز هذه الأكاذيب قيام منظومة البروباغندا بصناعة « نخب » أو أدوات دعاية تطلق عليها تسمية « الشخصيات الوطنية ».
هذه العلامة الدعائية هي التي أفرزت الكثير من مريدي وأتباع السلطة الفعلية، وكثيرا ما استخدمتهم في استراتيجيات « الاغتصاب الجماعي » للجماهير في إطار التضليل والكذب والإلهاء… من أجل دفن أي اتجاه نحو فتح نقاش فعلي يتعلق بتسيير المدينة، أو بناء السياسات العمومية.
هذه السلعة الدعائية لا حدود لها في الخديعة والتضليل، إلا ما يرتبط بضمان تبرير وتسويق قرارات منظومة الحكم، وفرض رسكلة وإعادة رسكلة رسائل وخريطة طريق السلطة الفعلية في الجزائر، فهذه الدعامة الدعائية استخدمت لتبرير القتل والنهب واغتصاب السلطة بتدخل الكثير ممن فرضتهم منظومة الحكم « شخصيات وطنية »، كما استخدم هؤلاء لمساندة سياسة الاستئصال مع شبكات التوفيق ونزار وبلخير… واستخدم الكثير منهم للعودة للتاريخ والماضي من أجل التشكيك في مسارات السياسيين الذين رفضوا تدعيم وتأييد سياسات السلطة. 
وتحت تسمية « الشخصيات الوطنية »، تم فرض كل دساتير الجزائر منذ 62 إلى اليوم، وتحت هذا التلاعب ذاته، تمت مواجهة كل رموز المعارضة، وبها تم إغراق كل الندوات الوطنية التي نظمتها السلطة بشبكاتها من الوصوليين والانتهازيين ومشعوذي السياسة، وبفضل تصريحات الكثير من هذه « الشخصيات الوطنية »، تم إسكات أصوات الحكمة من السياسيين والمناضلين والجامعيين من الرجال والنساء ومن كل التوجهات والاتجاهات والمناطق، ممن لا يفكرون كما تقرر السلطة وممن ينتقدون سياسة الأمر الواقع التي تفرضها شبكات وعصب النظام على الأمة الجزائرية.
صناعة « الشخصيات الوطنية » بواسطة منظومة الدعاية لم تتوقف يوما، وهي تتجدد في استراتيجية إيجاد استمرارية بمنطق الدعاية، ويتم تصنيفها في مسارات تتراكم وتتلاءم مع تطور الأوضاع والمواقف وفق أجندات محددة زمنيا وسياسيا، وهو ما أدى بالسلطة إلى تصنيف حتى بعض ممن مارسوا العنف كطريقة للتعبير السياسي، ضمن خانة « الشخصيات الوطنية » التي يتم استثشاراتها للقيام بإصلاحات سياسية ودستورية!
الآثار السلبية لهذه السلعة الدعائية المسماة « شخصيات وطنية » كثيرة ومتعددة، لكن أخطرها هو تكسير الرموز الكبيرة للأمة، وكل الأمم مهما كانت لا يمكن أن تعيش دون رموز تضيء لها الطريق وتساهم في تأسيس حلم بناء الدولة وترسيخ القيم المشتركة لها. 
لقد أدت هذه الدعاية إلى كسر كل مسار سياسي يسعى لفتح نقاش سياسي فعلي يؤدي بالمجتمع لتكوين نخبه الحقيقية التي تغرس ثقافة الدولة وتدفن جنون السلطة، وطغيان رجال السلطة الذين لو يخيرون بين الدفاع عن مصالحهم والمحافظة على مصالح الأمة فلن يترددوا في تهديم الدولة لانقاذ المنظومة التي أوجدتهم.
الجزائر الجديدة ستقطع مع دعاية « الشخصيات الوطنية »، لتعيد طريق التأسيس لثقافة احترام الرموز الوطنية، ولثقافة تدعو للتفكير والنقاش ولتواضع العظماء وإلى تعظيم المتواضعين ممن أعطوا الكثير للأمة ولكن أخلاقهم وثقافتهم وانتماءاتهم تجعلهم يقومون بأشياء عظيمة ويموتون في صمت رهيب، لأنهم يعيشون لغيرهم ويموتون لملاقاة ربهم وهم مخلصون، ولا يسألون جزاء و لا شكورا.

الجزائر في 21 جويلية 2019
تحرير وتصوير رضوان بوجمعة


Nombre de lectures : 1377
PAS DE COMMENTAIRES

LAISSER UN COMMENTAIRE

*

*

Ce site utilise Akismet pour réduire les indésirables. En savoir plus sur comment les données de vos commentaires sont utilisées.

Congrès du Changement Démocratique