Édition du
20 August 2019

حراك الشعب وعراك النخب!

كشف الحراك الثوري في الجزائري، عن مثالب عدة في النشاط النخبي الباطش، سواء عن قصد أو عن غيره، بإرادة الشعوب في التحرر من إذلال واستحلال سلطة الاستقلال وتحقيق العيش الكريم السليم خارج سياجات المصادرة لوعيها ومصيرها حيث لبثت أحقابا، إذ كلما تحرك شعب في المنطقة يبتغي استعادة سيادته على قدَره ومقدراته، إلا وتطوفوا النخب من غطيطها وخدرها الطويل لتركب الموج وتطرح خارطة طريق هلامية مليئة بالمحاكاة النظرية المثالية لتجارب شعوب أخرى لها سياقاتهات وأنساقها الخاصة،  بوصف ذلك في نظر تلكم النخب الحل السحري الذي بدونه لن تنال شعوبنا مرادها من العزة والكرامة.

مواقف هاته النخب في تصارعيتها وميقات انبلاجها (ربوع الثورات) غير الأنسب، كثيرا ما خدم نظم الاحتلال الداخلي في هاته البلدان وجعلها تظهر، وسط صخب وهرج ومرج الجدالات والسجالات الايديولوجية والطائفية والإثنية) كصمام أمان والضامن الوحيد لوحدة هاته الشعوب التي لم تتعلم من الألم معنى الوحدة، بل كانت رائدة طوال قرون في العيش المشترك الواد والموحد.

وفي السياق هذا تحديدا، شخصيا لم أفهم كيف انتقلت زبيدة عسول من فضاء النضال من أجل المواطنة التي حملت مشروعها من خلال ترأسها لحركة ائتلاف حزبي تحمل ذات التسمية (مواطنة)، إلى عنصر قلق في ثورة الحراك الشعبي لتفكك مفاهيم وأبعاد متعلقة بالهوية المرسومة من السلطة والموشومة من كل التيارات السياسية والثقافية المعارضة في الجزائر؟ هل هذا هو فعلا الموعد الأخْيَر لإثارة هذا الجدل؟ ألا يغذي ذلك شكوك الكثيرين حول إمكانية تواطؤ  بعض المثقفين مع السلطة أو مع جهات من داخل متصارعة داخل السلطة عبر الإيعاز واللمز والهمز لتحويل حركة المجتمع المطلبية عن مسارها الحقيقي، ما يدفع بالشعب للإسترابة من عواقب مطلبيته التجديدية تلك فيرتكس مجددا للنموذج التوحيدي الأحادي القديم بحسبانه أأمن من شر الفوضى وانفراط العِقد الوطني؟

صحيح أن واقع الحال ليس يحمل من معنى أكثر من فشل مشروع سلطة دولة الاستقلال ذلك المشروع أو بالأحرى اللا مشروع، الذي ليس فحسب خلا من أجوبة لثقل الأسئلة حول فراغ المعنى لأسباب تاريخية ناجمة عن حقب من التجهيل والتدمير الفكري الذي مارسه الاستعمار،  بل زاد من طرح تلكم الأسئلة، إذ أن كل القضايا التي يُستعصى مجرد الجلوس حول طاولة النقاش هادئ بخصوصها بين مختلف فرقاء المعنى والنضال الثقافي والفكري ذي الارتباط والتأطير السياسيين، يعد إفرازا طبيعيا وتلقائيا لذلك المشروع الذي فوت على الأمة فرصة الحسم في الميعاد الأنسب في التاريخ في ما استشكل عليه من قضايا ذات الصلة بمشروع المجتمع الذي يعكس طبيعته المتنوعة.

وليس يصعب معرفة سبب ذلك الفشل الفظيع لهذا النظام، إذا ما عُرف السياق الذي تأسس فيه هذا الأخير، والأدوات التي اتخذها ليتمركز في الوعي الوطني بالشكل الكاذب الخاطئ، وهذا حين علَّب التاريخ وغلق ابواب الاجتهاد الوطني فاستعصم ومنح نفسه ملكية الحقيقة، فالتاريخ صار بأبعاده الزمنية الثلاث، ماضي، حاضر ومستقبل من علم النظام وحده، ينتج ويستنسخ الحقائق التي يريد ماضيا ويؤلها حاضرا ويبشر بمعاودتها مستقبلا،  ومن ثم تمركز في نشاط العقل الوطني بإنتاجه الرديء وهو ما حقره لدى الناشئة ومع الأسف حقر معه الدولة والأمة أيضا !

كما أنه غلق أبواب الاجتهاد الوطني من أجل إعادة صياغة مشروع مجتمع، يعكس حالة التطور الكبير الحاصل على صعيد الوعي الوطني بفضل انتشار التعليم والاحتكاك بالتجارب الأممية الأخرى، وهمش بالتالي المعرفة بوصفها الأداة الطبيعية والمثلى لامتطاء مسارات التغيير السليم، واستبدالها بآليات العمل السياسوي الإستخباراتي المضطلع بدور التقسيم والتحجيم والتقزيم لدور المعرفة وحملتها من المثقفين الملتزمين النزهاء، وذلك من خلال العمل الدؤوب  على اختلاق أحزاب، واختراق أخرى، التحكم في النقابات، وإغراق الحركة الجمعوية بتنظيمات موالية، ما صد كل منافذ التجديد والمرور إلى جمهورية ما بعد لحظة قلق الاستقلال الوطني المستمر إلى وقت الجزائر الحالي.

هي إذن، حالة استصنام واستعصام حقيقي للنظام الذي أعطى لنفسه شرعية امتلاك الحقيقة الوطنية المطلقة، بل وحولها إلى عقيدة تمتح قداستها من قداسة الثورة، التي على ما اتصفت به تقديس أسطوري في وجدان المواطن والإنسان الجزائري إلا أنها ظلت قابلة للنقد فما بلك بتأويل الأسطوري والتهويل لهاته الثورة من قبل أقلام وحملة الكلام ممن ظلوا يجنون على المعرفة خدمة واستطعاما من هذا النظام.

لكن في الوقت الذي كان على قوى التغيير والتجديد المعرفي التي حجين استوت على عودها وارتوت في مرجعها  من خارج أحواض حامض النظام، أن تناضل من أجل تحرير التاريخ والمعنى والحقيقة من هذا النظام الشمولي الوصولي، راحت تسعى بدورها لاحتلال التاريخ، وبناء مستوطنات لغوية، دينية وإثنية لها في الفرغات التي خلفها المشروع النظامي الكارثي، ساعية لانتزاع ما يعنيها أو ما يُخيل لها أنه خاص بها من تركة نظام يتهاوى تدريجيا بفعل الاضمحلال الايديولوجي والانقراض البيولوجي، ففجر بعضهم كتلة المرجعية التأسيسية للوطن، إلى أن قالت زبيدة عسول، أنه لا ثابت في بنية المجتمع وكل قابل للتغير بما في ذلك العلم الوطني وهذا على خلفية ما أثير من قضية الراية الأمازيغية التي دأب شباب الحراك المنحدر من منطقة القبائل على حملها والتظاهر بها بدلا من حمل الراية الوطنية.

وهكذا حاد أو يكاد الجميع عن المسار الثوري الذي دشنه الحراك بمطلبيته الرئيسة وهو رحيل نظام احتكر الثورة والثروة والمعنى، حتى يتمكن الجيل الجديد من بسط مشروعه حول الحياة المشتركة خارج نصوص اللصوص الذي سرقوا الاستقلال الوطني، وفجأة وجد الجميع نفسه بإزاء معركة هامشية تتعلق بالرمز، الذي صار يسبق مراحل كل نقاش من شأنه يفضي إلى الحسم في القضايا المتعلقة بالاختلاف والتنوع وسبل القبول به وممارسته تحت سقف الوطن الواحد.

تفجر جدل الرمز وتوظيفه بالشكل الذي تم، أنذر وحذر من مغبة التعجيل بفتح ملفات تفوق طاقة وإيقاع سير مطلبية للحراك الثوري والوعي الشعبي الحامل لهذا الحراك والمحمول به في ذات الوقت، وعلى رأسها ملف الانتماء الحضاري والتاريخي للمجتمع، الذي تتاجر به أطراف عدة في الخارج كما في الداخل، في السلطة كما في المعارضة، على حساب مصير الأمة ومستقبل الديمقراطية فيها بوصفها الآلية الوحيدة القادرة والمساعدة على تحقيق توافق على المستويين الأفقي كما العمودي لإنتاج خيال سياسي جديد يقفز بالأمة نحو جمهورية جديدة يجد الكل فيها ما حُرم منه أو حُرِّم عليه.

إن حساسية المرحلة لتقتضي من النخب الواعية والمتفتحة والمسلحة بالروح الوطنية، أن تدرك بأن المجتمع من خلال السياق الطبيعي لتطوره الفكري والنضالي السياسي هو وحده الكفيل بتحقيق التغيير الذي يلزمه وليس اقتياده بالنظريات المعرفية والاسقاطات المفهومية للتاريخ وتجارب التحول فيه، وعليه يتوجب على هاته النخب مرافقة الحراك الثوري الشعبي لكي ينجز ما عجز عن إنجازه النزهاء من جيل الاستقلال الأول حين تقاتل الطامحون والطامعون في السلطة على دماء الشهداء وحولوا حركة التاريخ الوطني عن سِكته التحررية باستبدادهم وطغيانهم واستحلالهم للعقل والحقل الوطنيين لأزيد من خمسة عقود، فتحرير الأمة من قيود الأحادية بفلسفتها ومسلكيتها هو الدور الأهم للنخب اليوم، وليس السكون في مساكن الذين ظلموا البلاد والعباد، فإذا كان مطلب التحول إلى جمهورية ثانية مشروع للقطع نهائيا مع دولة اغتصاب الاستقلال، فعلى الجميع أن يدرك بأنه لن يغدو قط مشروعا القطع مع ثورة التحرير الوطني التي لم يُنجز من وصاياها وتوصياتها إلا القليل، وبالتالي لا بد من العمل على استكمال تحرير التاريخ المشترك المسترق، وليس اغتنام الحراك من قبل نخب تفكر وتدبر خارج حضرة وحظيرة الشعب!         

بشير عمري

كاتب صحفي جزائري


Nombre de lectures : 1551
PAS DE COMMENTAIRES

LAISSER UN COMMENTAIRE

*

*

Ce site utilise Akismet pour réduire les indésirables. En savoir plus sur comment les données de vos commentaires sont utilisées.

Congrès du Changement Démocratique