7.9 C
Alger
jeudi, décembre 2, 2021
No menu items!
Accueil Chronique بماذا كان يوصي المستشار؟

بماذا كان يوصي المستشار؟

0
2625

http://www.echoroukonline.com/ara/articles/508161.htmlKhaled Saadallah

أبو بكر خالد سعد الله

أستاذ جامعي قسم الرياضيات / المدرسة العليا للأساتذة- القبة

نَشر السيد أحمد تسّة، المستشار السابق لوزيرة التربية، يوم 14 ديسمبر في صحيفة « لو سوار دالجيري » (الناطقة بالفرنسية) مقالا تحت عنوان « العربية السعودية والمنظمة العالمية للفرانكفونية: مسحة من الفرانكفونية » عقّب فيه على حدث وقع في قمة مؤتمر الفرانكفونية في مدغشقر (المنعقد يومي 26-27 نوفمبر 2016)، والحدث أن السعودية طلبت الانضمام إلى منظمة الفرانكفونية، لكن دراسة الطلب أُجلت فيما يبدو لتحفظ المنظمة على بعض الممارسات على صعيد السياسة الداخلية في المملكة.

هَراء المستشار

غير أن « البيداغوجي » (هكذا قدم الكاتب نفسه) أحمد تسة لم يتناول هذا الخبر بطريقة إعلامية متزنة (وهو الذي كان قبل شهور المستشار الإعلامي للوزيرة) بل قال تشفيًا في السعودية وفي من والاها: « بعد انعقاد قمة الفرانكفونية في مدغشقر في شهر نوفمبر 2016 سال عرقٌ بارد بلّل فكر أولئك الجزائريين المنادين بالإقصاء المدرسي للغة الفرنسية لفائدة الإنجليزية. كان هناك سيناريو في مرحلتين، في البداية كان الاستغراب والإحباط عند سماع هؤلاء أن العربية السعودية طلبت الانضمام إلى منظمة الفرانكفونية التي تنتسب إليها البلدان العربية الأخرى –عدا الجزائر وسوريا والسودان واليمن وليبيا، كان السخط يغمرهم عندما رأوا راعيهم يتحالف مع منظمة عالمية مكرّسة لترقية لغة يُظهرون ضدها مرضهم العضال: انفصام الشخصية الهوياتية، بالفعل، أليسوا مصابين بـ »عقدة المستعمِر؟ »، ثم يشرح الكاتب معنى هذه « العقدة » فيقول إنها تلك التي « تزرع كراهية الذات لدى الفرد وتدفع الجماعة إلى الانتحار الجماعي ».

بهذه الألفاظ الجارحة وهذا التحليل المبهم عبّر الكاتب عن رأيه في هذه القضية، نحن نرى في هذا الكلام أكثر من هراء:  

أولا: ما علاقة السعودية وسياستها ومشاريعها الداخلية والخارجية بفئة الجزائريين المطالِبين بأولوية اللغة الأنجليزية عن الفرنسية؟ ألم تكن حجة هؤلاء أنه بحكم أن الأنجليزية هي الأولى في مجال العلم والاقتصاد والتجارة والدفاع والتواصل عالميا فهي أفيد من اللغات الأخرى للأجيال، وهذا لا يعني البتة إلغاء الفرنسية من المدرسة؟ كيف يتجاهل أحمد تسة هذا الأمر؟ وكيف يرى أن هذا الموقف يعني الوقوف إلى جانب السعودية أو ضدها. من أين للمستشار هذا المنطق الغريب؟ 

ثانيا: إن وصف السيد أحمد تسة للأحداث يوحي أنه حضر وقائع مؤتمر الفرانكفونية، وسواء حضر أو لم يحضر فلا عذر له عندما يعلن أن 17 بلدا عربيا تنتسب إلى المنظمة من بين 22 دولة (موضحا أن الجزائر من بين الـ 5 غير المنتسبة)، في حين نقرأ في الموقع الرسمي للمنظمة ما يناقض كلامه، حيث أن هناك 9 دول عربية فقط تنتسب بشكل من الأشكال لهذه المنظمة (منها 4 فقط كاملة العضوية)، وهذه الدول المنتسبة هي: جزر القمر وجيبوتي وقطر ومصر وتونس والمغرب وموريتانيا ولبنان والإمارات.

ثالثا: يقول أحمد تسة في مقاله عن هؤلاء المفضلين للغة الأنجليزية أن استراتجيتهم هي تجهيل عامة التلاميذ بينما هم يدرسون أطفالهم في المدارس الخاصة… لأن هدفهم الأخير هو أن يفعلوا في الشعب الجزائري أسوأ ما فعل به الاستعمار؟ من أين للكاتب هذه الاستنتاجات الغريبة التي يعجز المنطق عن معالجتها؟

رابعا: إذا كانت هذه قناعات صاحب المقال، وكان بالأمس القريب يشغل منصب مستشار لوزيرة التربية والمتحدث باسمها في ندوات تلفزيونية، فلا شك أنه كان يوصي بما تفضل به من أفكار في هذا المقال، هل يجوز في هذه الحال أن يعمل مستشار في حكومة على الإساءة لعلاقات وطيدة بين بلدين يربطهما التاريخ والعقيدة والجغرافية وكثير من العُرى الأخرى؟ 

وعظ المستشار

وبعد « الخطاب » المألوف لدى فئة الكاتب التي تثني على مرحلة المرحوم مصطفى الأشرف في التربية ثناء لا يضاهى، وتسوّد فترة « الإخوان المصريين » (كما جاء في المقال) وما بعدها، يتأسف الكاتب عن كون إحصائيات عام 1982 كانت صنفت « الجزائر في الرتبة الثانية ضمن الدول الفرانكفونية بالنظر إلى عدد الناطقين بها، لكن واقع الميدان كان يرسم صورة تدهور فكري للبلاد »، مشيرا إلى أن ذلك واكبه نزوح النخبة نحو « مدينة النور (باريس) لتَتَفَتَّق هناك عبقريتهم »! ثم عددّ بعد ذلك مآثر من قصدوا باريس مفتخرا ومتأسفا في آن واحد قائلا: « هذا الإقصاء تفسره أيضا هذه اللغة المُشيْطَنة (الفرنسية) التي يتعاطونها بروعة والتي من خلالها حملوا -ويحملون إلى اليوم- عبقرية الشعب الجزائري إلى أعالي سماء الفكر العقلاني الكوني »! 

وهنا نتساءل: لماذا يتجاهل المحلل مآثر مواهبنا النازحة التي قصدت بقاعا أخرى من القارات الخمس، من السويد إلى بريطانيا وسويسرا وكندا والولايات المتحدة وأمريكا اللاتينية، إلى أستراليا والبلدان العربية والإفريقية؟ وكأن نظّارات كاتب المقال لا تريه إلا ما يجري في باريس دون غيرها من مدن العالم؟

ودفاعا عن مكسب هيمنة اللغة الفرنسية في الجزائر يتحفنا المستشار والبيداغوجي بهذه القصة التي رواها له أحد مديري المدارس الابتدائية، ويرجع تاريخها إلى عام 1964 حين عُيّن أحد السوريين مُعلما في مدرسة ابتدائية في الجزائر العميقة وأعجب آنذاك « بخدمات المرافق العمومية (مديرية التربية والبريد وشركة الكهرباء والغاز) » فنقل إعجابه لمدير المدرسة. يواصل أحمد تسة موعظته ويقول إن المدير ردّ على المعلم بنبرة وطنية كانت تميز ذلك الزمان: « إنها نتيجة ثورتنا المجيدة »، فعقب عليه المعلم السوري « ليس ذاك فحسب! بل يرجع هذا أيضا إلى الإرث الثقافي الذي أكْسبتكم إياه هذه اللغة الفرنسية التي تجيدونها. لكن احذروا، الإرث يتبدد إن لم يتم الحفاظ عليه. » يا لها من موعظة!

لم يكتف المقال بهذا الوعظ بل شن بعد ذلك هجمة ثانية على المطالبين بـ »أحادية اللغة » واصفا هذه الأحادية بالدناءة، ثم أدان هؤلاء « المتحججين بالثوابت الوطنية وبحرب التحرير كي لا ننضم إلى منظمة الفرانكفونية … »، ويضيف مخاطبا هؤلاء: ألم يكن للدول الأخرى المنضوية تحت راية الفرانكفونية آلاف الشهداء، وذكر من تلك الدول مدغشقر والكاميرون، ثم لاحظ أن « الأمل في التصالح الثقافي واللساني كان قد بُعث إثر مشاركة رئيس الجمهورية في قمة أو قمتين للفرانكفونية، لكن بدون جدوى »! أما نحن فلم نفهم في هذا السياق معنى « التصالح » اللغوي وإدانته لـ »الأحادية اللغوية » بينما استغربنا أكثر من مرة لما شاهدنا المستشار على شاشة التلفزيون يتكلم باسم وزيرة التربية وهو عاجز عن استحضار أبسط المفردات باللغة العربية!!

وبعد ذلك عاد الكاتب إلى الهجوم للمرة الثالثة عند تعرضه من جديد لموقف المنظمة من السعودية، مستعملا ألفاظا وعبارات مسيئة لأكثر من طرف مثل « الوهابيون الجزائريون » و »الراعي الإيديولوجي الذي كاد أن يتفرنس » (ويقصد السعودية) و »الكهنوت » (ويقصد معتقد من سماهم بـ »الوهابيين الجزائريين »).

ويستغرب القارئ في تناقضات السيد أحمد تسة عندما يراه يخمّن في هذا المقال أن الرئيس الأمريكي القادم دونالد ترامب والرئيس الفرنسي المحتمل فرانسوا فيون هما اللذان أمليَا هذا الرد لمنظمة الفرانكفونية على طلب السعودية بسبب « غياب القيم الإنسانية الأساسية » في هذا البلد! 

ألم يقل لنا الكاتب قبل قليل إن هذه المنظمة « مكرّسة لترقية اللغة الفرنسية في العالم »… وأن ليس مهمتها حشر أنفها في السياسات الداخلية للبلدان؟ وها هو الآن يرى أن الرئيس ترامب والرئيس المحتمل لفرنسا هما اللذان يمليان قرارات سياسية المنظمة تحت غطاء ترقية اللغة الفرنسية؟!

ثم يعاتب أحمد تسة المنظمة على هذا الاتجاه السياسي وعدم الاكتفاء بالجانب الثقافي واللغوي! لماذا يعيب ذلك؟ لا لأنه يؤمن بفصل الجانب اللغوي عن التدخل في سياسة الدول من قبل المنظمة بل لأنه يرى أن ثروات دول الخليج تسيل لعاب الفرانكفونية، وأن تلك الدول ليست أهلا لهذا التكريم!! 

نحن نتأسف لكون السيد أحمد تسة، رغم خبرته الواسعة وسنه المتقدم لم يدرك هذه « الخبايا » إلا في نوفمبر 2016 خلال قمة مدغشقر للمنظمة!!

وفي النهاية يثني الكاتب على اللغة الفرنسية التي أثراها مثقفون من عدة قارات ولذلك فهي تمثل في نظره وعاء ثقافيا « لقيم إنسانية: قيم التعايش واحترام الآخر (اللغة والدين والثقافة)… »، يبدو أن البيداغوجي أحمد تسة نسي هنا ليالي الاستعمار، واعتقد أن هذه المنظمة جاءت لإحياء التراث الثقافي للأوطان ولخدمة شعوبها اليتيمة! أليس أكبر يتم للمرء أن يُصاب بالطمع في خيرات غير بني جلدته؟

LAISSER UN COMMENTAIRE

S'il vous plaît entrez votre commentaire!
S'il vous plaît entrez votre nom ici