يومية الجزائر
Édition du
10 December 2019

مرجعية «الحراك الشعبي» في التغيير العميق في الجزائر


www.alquds.co.uk
25 avril 2019

مرجعية «الحراك الشعبي» في التغيير العميق في الجزائر

بشير عمري

يتواصل مدّ الحراك الثوري في الجزائر، عمليا بشكل أخص، في مسار هدمه لأساسات قيام دولة الفساد، التي بناها بوتفليقة وأتباعه منذ عقدين من الزمن، محدثا بطبيعة ذلك المسار، فراغات كبرى على صُعد البُنى الدستورية والتنظيمية للدولة، تصعب على الكل، محاولة إيجاد حلول، في ظل عدم وجود قيادة له تجعله في موضع قوة اقتراح، تجابه كل الأصوات السائلة عن البدائل المفضية للخروج من فوهة الأزمة، التي لا تنفك تتعاظم بفعل عنت السلطة، خصوصا أن المرافق الوحيد لمسير الحراك الثوري، ونعني به هنا القوات المسلحة، ترفض أي بديل يخرج عن منطوق الدستور، حتى لا يُعطى سعيها طابع الانقلاب، لكن بالمقابل تبدو القوة المطلبية للحراك أكبر من قدرات الدستور البدائلية، كونها مطالب ثورية والثورة تلتهم الدستور، وتدوس المؤسسات وتبني على أنقاضهما مشروعها الجديد.

تصحير السياسة

من هنا تتبدى خطورة فترة حكم بوتفليقة التي سهرت أكثر ما سهرت على إنجازه، تصحير السياسة، وجعل الشعب يستريب من كل ما هو سياسي، لأن ذلك اقترن لديه، ولفترة طويلة بالدم، ثم بالكذب والولاءات الانتهازية والولائم الريعية، وهذا عبر عنه في جُمُعات الحراك بطرده لكل رموز المعارضة، معتبرا إياها أدوات زينة لسلطة فاسدة مفـسدة، ليجد الشعب نفسـه بمطالبه ما فوق السـياسية في حـوارية غير ذات منطق سيميائي مع الجيش، وانتفاء السياسي بوصفه منتج قوة الاقتراح التي لا تتيحها المساطر القانونـية وفقهها الدسـتوري.
فما أصل القطيعة التي حصلت بين الشعب ونخب السياسة في الجزائر؟ وهل سيكون لذلك أثره السلبي على مسار الحراك الثوري في بلوغ مراميه التغيرية الجذرية؟
ككل الأسئلة العميقة المؤجلة في أزمة السياسية والسلطة في تاريخ الجزائر السياسي الممجد، المجمد والمحنط، يتعين علينا في محاولة الإجابة عنها، معرفة أصول التعدد السياسي في الجزائر ومساره التطبيقي التاريخي، وكيف شاكل واستشكل في التاريخ الوطني. فمعلوم في التاريخ النضالي ضد الاستعمار، أن السياسي سبق العسكري في نشأة الوعي والوعي بنشأة الوطنية، من خلال جل فصائل الحركة الوطنية، التي كانت تتشكل حسب توجهات مؤسسيها وقادتها التاريخيين، من يسار ويمين ووسط وإسلاميين، قبل أن يبتلع هؤلاء جميعا الجهاز القاتل، الذي سيصادر التاريخ ومسارات الوعي الوطني، داخل جهاز اسمه «التيار الوطني» مزيحا بسحر اللغة تراثا سياسيا كبيرا كان يشكل «الحركة الوطنية» فاستبدلت «الحركة» بـ «التيار» ليصادر بغير وجه حق المشترك الجمعي، وهو ما كان يحول دون أن يتحرر المجتمع في ما بعد الاستقلال من اللاشرعية التي حكمت البلاد سياسة وفكرا من قبل العسكر بتوظيف هذا الجهاز «التيار الوطني» عبر حزب اسمه جبهة التحرير الوطني.
وهنا ينبغي الإشارة إلى أن زلة الأولين، من قادة التشكيلات الحزبية القديمة التي شكلت حوض الحركة الوطنية، كانت كبرى، حين تداعوا لنداء الوحدة داخل جبهة التحرير الوطني، من أجل إعلان الثورة التحريرية الكبرى، بالدخول في ذلك الإطار التوحيدي كأفراد وليس أحزابا، عكس ما حصل في ما بعد داخل منظمة التحرير الفلسطينية التي انضم اليها مناضلو القضية الفلسطينية بتشكيلاتهم، لا بشخصياتهم، كحركة فتح، والجبهة الشعبية، والتيار الإسلامي وغيرها.

الذوبان الحزبي

الذوبان الحزبي داخل الإطار التوحيدي، في رأينا من تسبب في إضعاف ثم هزيمة السياسي أمام العسكري في ما بعد، وأضعف السياسة أمام السلطة لاحقا، على مدار تاريخ الجزائر المستقلة، ونقل الوطنية حسبانها معتقدا وجوديا مشتركا إلى أيديولوجية ديماغوجية خاصة، تؤسس مع النفط لخطاب الهيمنة على الأمة وقدراتها عبر الأجيال، وحين تضخم الوعاء الديموغرافي للبلد، وفاق المستطاع الريعي، حدث الاصطدام التاريخي الكبير بين أيديولوجية السلطة «الوطنية» والشعب في أكتوبر 1988، وتفتق ذلك الصدام عن تعددية حزبية، عمل النظام من خلالها كل ما في وسعه من أجل أن لا يسوق السياسي الجديد بضاعته بالشكل الذي يجعل «الوطنية الأيديولوجية» تبور أكثر من ذي قبل، وهو ما كان سيفضي حتما لموت هذا النظام، وذلك بالعمل الدؤوب وبدون كلل لاختراق الأحزاب، واختلاق أخرى تكرس الرداءة، وهو ما كرّه المواطن بالسياسة وعزف عن العمل الحزبي، واستراحت السلطة لذلك عقدين من الزمن، منتشية ومنتفعة بالصعود الصاروخي لأسعار النفط، ولما أن تراجعت السوق النفطية وطفح الخمج والفساد السياسي على السطح، هبّ الشعب للتخلص من هذه السلطة والمعارضة معا، معتبرا إياهما مصدر الفشل، وسبب الإفلاس الذي تدنو الأمة من الوقوع فيه، ألا يعني ذلك الرفض المزدوج الضمني من الحراك الثوري، للسلطة والمعارضة، تغييبا لآلية السياسة بوصفها عقل التدبير الوطني؟
هو السؤال الذي يحلينا إلى محاولة ضبط فكرة الحراك، أو محور فكرة ثورته، فلا تزال نخب التحليل والقراءة للظاهرة «الحراكية» الثورية السلمية بالجزائر، وأمام بغتة اللحظة، وصدمة التلقائية وضخامة المد الشعبي، عاجزة عن فهم ما لم يتشكل في وعي الثائر أو «الحراكي» الجزائري، الذي تمرد على وضع مزر مخزي طويل عرته مغامرة المفسدين في ترشيح بوتفليقة لولاية خامسة، كان يدرك المواطن أنها ستكون أسوأ من سابقاتها، لكن الثورات تتفجر من تراكمات نفسية ومعرفية وظرفية تتفاعل في اللاوعي الجمعي وبعدها تبدأ فكرتها العامة في النشوء وتتطور، وفق موجات ثورية متتالية، وهذا بالضبط ما يحصل في الحالة «الحراكية» الحاصلة، التي ارتقت في ما يبدو إلى مصاف وصفة الثورة، من دون أن تدرك ذلك عقول التحليل والتعليل الثوري، وربما كان السبب في ذلك عدم وجود قيادة لهذا الحراك، وكذا النزوع إلى الإسقاط النظري الأكاديمي لقوانين ومفاهيم الثورة على الواقع، دونما إيلاء الخصوصية قدرا من النظر.
فإذا كان القضاء الذي خضعت فيه قوة القانون لقوة التليفون، والأحزاب ورجال الدين، والنقابات المهنية، يدينون كلهم لهذا الحراك باعتباره حررهم أخلاقيا ووظيفيا من قبضة وهيمنة سلطة القرار السياسي المتسلط، أوليس هذا بمعطى ثوري قائمة فكرته على التفعيل الوظيفي لأعضاء الجسد المجتمعي المشلول والماضي على كرسي متحرك؟ فالمعارضة التي عملت السلطة على الحيلولة دون أن يتغذى جسدها ويتضخم مع توالي سنوات التجربة التعددية، بالمد النضالي الشعبي، عبر التنكيل بها والحجر الصريح والضمني عليها، وتحجيم نشاطها ومنعها من توسيع تحركاتها، وشراء ذمم قادتها وأطرها، فقد وجدت نفسها في الصفوف الخلفية في ثورة الشارع، معنية هي الأخرى بحركة التغيير للحراك الشعبي، باعتبارها ظلت عاجزة عن التواجد في الطليعة وقيادة المجتمع في معركة تحرره من هذه السلطة، وتجسد ذلك في رفض شباب الحراك لتواجد قادتها ورموزها وسط السيول الجارفة للمتظاهرين.

عمق التغيير

وهذا ما يرسم عمق التغيير الذي تقوم عليه فكرة الحراك الثورية، فهي لا تقتصر على تغيير الحكومات، أو الأشخاص، أو المؤسسات، بل تنفذ إلى عمق المجتمع المدني وتفرض عليه التحول في الرؤى والتغيير في الوجوه والطموحات، وهذا ما يجري أيضا على كل الأجهزة والتنظيمات الأخرى النقابية والجمعوية وغيرها..
خلاصة هذا كله، هو أن المجتمع بوعي منه أو بدونه هو الآن بصدد التوجه نحو المستقبل للتأسيس لأفق سياسي وحكامي جديد، لكن من خلال تصحيح دقيق للماضي، حيث تمت مصادرة تراثه النضالي الوطني والسياسي، ما جرده من خصائص التنوع والتعدد، الشيء الذي أضعف من قوة الاقتراح لديه، لكن يتوجب التسليم بأن أي مجتمع يحتاج لكي يستمر وعيه في التطور وفعاليته في الحركة إلى نخب ومؤسسات تفعّل آليات الوعي تلك، ومنها نخب السياسة ومؤسساتها الحزبية والنقابية والجمعوية، ولكون هذه الأخيرة تخلف بعضها عن الركب الجماهيري وتخندق بعضها الآخر مع قوى الفساد والإفساد، صارت موشومة في وعي المواطن، لهذا بات حري بها بعد أن حررها الشعب من صلف السلطة وجورها، أن تتحرر من قيود نفسها، من هيكلتها البالية وهرميتها الهرمة، وأن تستلهم قواعدها النضالية من حراك الشارع مبادئ الثورة والتغيير وضخ الدماء الجديدة الساخنة غير الباردة الراكدة في تنظيماتها، كي تدب فيها الحياة من جديد وتستحق بالتالي التواجد في الطليعة، تقود الوعي الوطني نحو أفق جديد، بعيدا عن الوصايا والمصادرة من قبل قوى الخفاء التي قادت المجتمع إلى حالة الانسداد.

كاتب وصحافي جزائري


Nombre de lectures : 1851
3 Commentaires sur cet articles

Répondre à Abandonner la réponse

*

*

  • WAHID
    26 avril 2019 at 12:10 - Reply

    Un message …. Un message ….Un message ….Un message ….Un message ….
    .
    .
    LES ENJEUX …..et …….la révolution du sourire.
    .
    .
    .

    De quoi les militaires (je ne parle pas du commandement ou du GCA ) ont peur

    .
    .
    .
    .
    مخطط أجنبي في الجزائر

    https://www.youtube.com/watch?v=UqjnUiZk2yA

    .
    .
    .
    1
    لجزائر.. اعتقالات والجيش يحذر ويتوعد
    https://www.youtube.com/watch?v=miOBLVqj3x0

    2
    الجزائر.. تغيير في المناصب وثبات الشارع الرافض
    https://www.youtube.com/watch?v=ADHzBbSl9tk
    .
    .
    .
    L’ingérence via les média d’état.

    Exemple……..
    https://www.youtube.com/watch?v=6DdzXqXemF4
    .
    .
    .
    .

    Le point de vue d’une partie de l’opposition

    مؤتمر صحفي في ختام اجتماع للمعارضة الجزائرية

    https://www.youtube.com/watch?v=SR2bqGyTQG8

    .
    .
    الجزائر / لمعارضة ترفض المحاكمات الانتقائية لرجال الأعمال وتتمسك برحيل النظام

    https://www.youtube.com/watch?v=sZJ4CZ2_J-k

  • Meriem
    28 avril 2019 at 5:31 - Reply

    la revolution renverse le systeme ,si votre revolution n ‘est pas contre le systeme qui vous tient dans l’ ignorance alors ce n’ est pas une revolution, mais une manipulation(Malcom x)

  • sacco et vanzetti
    28 avril 2019 at 5:33 - Reply

    L’idée ne nous viendrait pas que la souris est clémente parce qu’elle se laisse dévorer par le chat », disait Gandhi,

  • Lire aussi