يومية الجزائر
Édition du
18 September 2019

المشروع الديمقراطي بين النخبة الحاكمة والمعارضة


    لا شك في أن طريقة الانتقال الديمقراطي في أي دولة مرتبطة بنخب محددة، هذا الارتباط هو الذي سينعكس مباشرة على طبيعة وأهداف المشروع الديمقراطي، لأن هذا الأخير يعكس في نهاية الأمر إرادة النخبة التي بادرت به، ويعكس تصوراتها لشكل نظام الحكم ومؤسسات الدولة وكذلك لطريقة التعامل مع النخب الاخرى، على هذا الأساس فإنه يمكن التمييز بين ثلاث مشاريع رئيسية للديمقراطية كل منها يرتبط بطبيعة النخب التي بادرت به.

المشروع الإصلاحي بمبادرة من النخبة الحاكمة

       إن الانظمة الديمقراطية وعلى اختلاف أشكالها مؤطرة بمجموعة واسعة من القواعد السياسية التي تنظم العلاقات بين النخب داخل النظام السياسي، وكذلك تنظم العلاقات بين الأحزاب وبين المواطنين، لكن السؤال المطروح بالنسبة لدول العالم الثالث حاليا هو هل تنطبق هذه القاعدة على رؤية النخب الحاكمة للمشروع الديمقراطي؟

      لقد أثبتت التجارب أن النخب الحاكمة في دول العالم الثالث بصفة عامة إنما تبنت المشروع الاصلاحي كطريقة للانتقال الديمقراطي من أجل البقاء في الحكم، وتحقيق التكيف مع مستجدات البيئة الداخلية والخارجية على حد السواء، علما أن عملية التكيف هذه لم تؤدي في أي دولة الى نظام ديمقراطي بالمعنى الصحيح، إنما أفرزت ما يطلق عليه المختصون في النظم السياسية المقارنة تسمية الانظمة النصف ديمقراطية أو نصف تسلطية، حيث يمكننا التعريف بهذا الشكل من الانتقال بوصفه نظاما هجينا، ويعود سبب هذه التسمية بالأساس الى الصراع الداخلي بين النخب الحاكمة التي تنقسم الى قسمين وهما المتشددون اللذين يهدفون الى ابقاء الوضع كما هو خوفا من فقدان السلطة في حال تبني الخيار الديمقراطي، والاصلاحيون اللذين يبحثون عن تغيير طريقة التعامل مع المعارضة، وذلك بتبني خيار الاصلاحات لنفس الهدف وهو البقاء في السلطة. حيث أن هذه النخب وخاصة الاصلاحيين غالبا ما كانوا يدركون بأن تكاليف البقاء في السلطة تجعل الخروج منها أمرا مرغوبا وتتمثل هذه التكاليف في تسييس الجيش واشاعة الانقسام في صفوف التحالف المؤيد لهم وخلق صراعات داخله، مع مشكلات لا حل لها أغلبها اقتصادية.

       اذن فالمشروع الاصلاحي هو نتيجة للصراع الداخلي بين مكونات النخبة الحاكمة المتمحور أساسا حول طريقة البقاء في السلطة وهو نتيجة لتفوق التيار الاصلاحي داخل تلك النخبة الحاكمة، لهذا فان الصفة التي يمكن أن نصف بها النخبة الحاكمة في دول العالم الثالث هي أنها نخب مقاومة للتغيير، والتي غالبا ما تؤدي مقاومتها للتغيير الى صراعات وأزمات بين الأفراد والجماعات الذين يربطون دائما التغيير بالمجهول، مما يخلق بيئة متناقضة بين مؤيد ومعارض للتغيير، لأن كل طرف من هذه الأطراف له نظرة مرتبطة بمبدأ الربح والخسارة، وما المشروع الاصلاحي الا وسيلة لتقليل نسبة الخسارة بالنسبة للنخبة الحاكمة، وعليه فإنه يمكن تلخيص صفات المشروع الديمقراطي للنخبة الحاكمة في محدودية التعددية السياسية، وكذا غياب ايديولوجيا سياسية مؤطرة، الى جانب غياب التعبئة السياسية المركزة.

مشروع اعادة بناء مؤسسات الدولة بقيادة النخبة المعارضة

     يرى S.Huntington   أنه لا يمكن للنخبة المعارضة أن تبادر بأي مشروع ديمقراطي إلا اذا استطاعت اضعاف الحكومة  وتحويل ميزان القوة لصالحها. في هذه الحالة فقط يمكن للمعارضة أ ن تباشر مشروع الانتقال الديمقراطي القائم على مبدأ اعادة التأسيس، أي صياغة خارطة طريق جديدة لتنظيم المرحلة الانتقالية على أساس مؤسسات جديدة ومستقلة تكون على درجة كبيرة من الحياد من جهة وممثلة لكل القوى السياسية في المجتمع من جهة أخرى، حيث أن أولى المؤسسات التي يجب أن تبنى لتجسيد المشروع الديمقراطي هي ما يسمى: المجلس التأسيسي الذي يشترط فيه أن يكون منتخبا وليس توافقيا.

        إن المهمة الأساسية التي يجب أن يركز عليها مشروع اعادة التأسيس هي: إعادة توزيع الأدوار السياسية والاجتماعية بما يسمح لكل الأطراف أن تشارك في بناء القاعدة الديمقراطية كل حسب تمثيلها الاجتماعي، مع تجنب تكرار نفس الخطأ بقبول قيادة واحدة للمرحلة الإنتقالية من خلال عدم تحويل عملية الانتقال الديمقراطي الى أزمة، لأن الانظمة التسلطية غالبا ما تنشأ بعد تجاوز النظام الشمولي لأزمة الحكم.

      وعلى هذا الأساس، فإنه يمكن ارجاع فشل النخب المعارضة في دول العالم الثالث عامة والجزائر خاصة الى سعيها لتحقيق الانتقال بالاعتماد على المؤسسات القائمة والتي يتغلغل فيها النظام الحاكم الى درجة اصبحت تعبر فيها عن إرادة أفراد داخل النظام فأصبحت هذه المؤسسات تفكر بمنطق الفرد أو تمثله شخصيا، وعليه لكي تتم عملية اعادة التأسيس بشكل سليم، على النخبة المعارضة التي وصلت الى السلطة أن تختار المعيار الرئيسي الذي يجب أن ترتكز عليه لاعادة بناء مؤسسات الدولة في اطار عملية التغيير نحو الديمقراطية مع الأخذ بعين الإعتبار تطلعات المجتمع ومطالبه، وهذا المعيار لا يجب أن يخرج عن ماهو متعارف عليه في الادبيات السياسية الكبرى التي حددها كبار فلاسفة علم السياسة، والمتمثلة في ضمان الحرية كهدف للنظام السياسي، الى جانب اعتماد المشروعية كأساس للحكم مع التركيز على العدالة كمعيار للحكم، وتحسين الخدمات المقدمة للمواطنين مع التركيز على الجانب الإقتصادي.

       فعلى النخبة المعارضة التي تصل الى السلطة بناء مشروعها الديمقراطي على أحد هذه المعايير لكي تتمكن من قيادة المرحلة الانتقالية بشكل صحيح، لأنها لو فتحت الكثير من الجبهات فان جهودها تتشتت وبالتالي ستسمح للنظام السابق باعادة جمع قوته والقيام بثورة مضادة تنهي العملية الديمقراطية، وبالنظر الى المعايير السابقة نلاحظ أنها مهمة كلها للتأسيس للمشروع الديمقراطي، لكن دائما هناك معيار تكون له الأولوية بما يتماشى مع طبيعة البيئة المعنية، حيث أن التركيز على المعيار الأنسب يساهم بشكل كبير في انجاح المشروع الديمقراطي. كما أن من شروط نجاح المعارضة في ارساء الديمقراطية هو الوحدة بين مختلف التوجهات السياسية لإنجاح مشروع التحول وبناء المؤسسات الديمقراطية في مرحلة أولى، ثم التنافس على السلطة على أساس الانتخابات كمرحلة ثانية بما يضمن التداول السلمي على السلطة دون اللجوء أي طرف على استعمال العنف، ويبقى الأمر في النهاية مرتبط بمدى قوة النخبة المعارضة وقدرتها على ازاحة النخبة الحاكمة.

     المشروع التوافقي في إطار التفاوض بين النخب الحاكمة والمعارضة

     يكون هذا النوع من المشاريع الديمقراطية نتيجة للتفاوض والمساومة بين النخب الحاكمة والمعارضة مع ضرورة وجود توازن في القوة بينهما، من جهة تدرك النخبة الحاكمة ان بإمكان المعارضة الاطاحة بها من السلطة، من جهة أخرى النخبة المعارضة مدركة أنها ليس لها من القوة ما يكفي لإعادة بناء مؤسسات الدولة وفق مبادئ الديمقراطية وحدها، وبالتالي فهي تعى حاجتها للنخبة الحاكمة أو جزء منها لتحقيق المشروع الديمقراطي. لكن من خلال ملاحظتنا لتجارب مختلف الدول التي تبنت فيها النخب هذا النوع من المشاريع الديمقراطية بأن الفائز فيها هي دائما النخبة الحاكمة التي تسعى لتحقيق التكيف مع مستجدات البيئة الداخلية والخارجية على حساب الديمقراطية الحقيقية. وغالبا ما كان قادة النخبة الحاكمة في عمليات التحول الاحلالي يتفاوضون حول الشروط الأساسية لتغيير النظام مع قادة المعارضة اللذين اعتقلوهم من قبل، وثمة أسباب تبرز ذلك التفاوض، فقادة المعارضة الذين كانوا معتقلين لم يكونوا يحاربون الحكم لا بالعنف ولا بغير العنف، بل أنهم كانوا يتعايشون مع الواقع.

       هذا ما يسمى “بالتغيير عن طريق الاختيار”، أي اختيار المشروع الديمقراطي وكذلك الفواعل الحاملين لهذا المشروع ومن يتبناه من النخب المنتمية الى النظام التسلطي، وفي كل الأحوال فان المشروع الديمقراطي التوافقي لن يعيد بناء مؤسسات الدولة من جديد لأنها في الأصل موجودة، بالإضافة الى أن ظروف المرحلة الانتقالية التي غالبا ما تكون مستعجلة وغير مستقرة، لا تسمح بإعادة بناء نظام الحكم من جديد، وانما تسمح فقط باعادة تركيب مكونات الدولة في اطارها التقليدي. فقد اظهرت التجارب في دول العالم الثالث بما فيها الدول العربية ان الانظمة الحاكمة فيها ليس لديها الرغبة ولا الإرادة السياسية للتنازل على السلطة لصالح المعارضة أو القبول بمبدأ التداول على السلطة عن طريق الإنتخابات.

      لهذا نلاحظ حاليا وخاصة بعد ما يسمى بثورات الربيع العربي بأن العلاقة بين النخب الحاكمة والمعارضة في الدول غير الديمقراطية بصفة عامة هي علاقة صراع وليس توافق، كون أن التعامل بين النخب الحاكمة والمعارضة تقوم ثلاثة مؤشرات، الأول هو استعمال العنف وهو مؤشر عملية مأسسة فاشلة لم تستطع ادخال النخب المتصارعة في اطار مؤسساتي والقانوني لايجاد حل لاختلافاتها، الثاني هو الانقلاب على الديمقراطية وهو مؤشر على فشل المشروع الديمقراطي لكل النخب المعنية سواء كانت معارضة أ و حاكمة، لأن كل منهما ينظر للآخر نظرة إقصائية، الثالث التعسف في استعمال السلطة وهو مؤشر على عدم تجاوز الصراعات الشخصية وعدم التمايز البنيوي والوظيفي للمؤسسات والأفراد، هذا ما يؤدي الى مفارقة أساسية وهي وصول انظمة تسلطية الى الحكم او بقاءها فيه عن طريق الانتخابات.

      وعليه فان دور النخبة بكل توجهاتها هو الدور الرئيسي في أي مشروع ديمقراطي، لا يمكن لأي عملية تحول ديمقراطي أن تتم دون ان يكون هناك توافق وإرادة حقيقية لمختلف النخب السياسية لتحقيق ذلك، خاصة النخبة الحاكمة التي إن تمسكت بالسلطة فان تمسكها هذا سيدخل مكونات الدولة في صراع يمكن أن يؤدي بها الى الانهيار.

ليلى سيدهم
جامعة الجزائر 3


Nombre de lectures : 1342
2 Commentaires sur cet articles

Laisser un commentaire

*

*

  • boulbir laala
    1 mai 2019 at 5:49 - Reply

    وهل مازالت هناك نخبة حاكمة في ضل تغول العصب، لماذا لا يستطيع النظام اليوم المجيء بوجوه جديدة، فقط لأنه لم يوسع حاضنته الإجتماعية، فأغلب نخبه تستقدم من الخارج و تتقاعد في الخارج مما يطرح تساؤلات كثيرة.

  • Dria
    1 mai 2019 at 11:08 - Reply

    النخبة الحاكمة بضاعة فاسدة و انتهت مدة صلاحية استهلاكها مند 22 فبراير الماضي و نحن في انتضار ولادة النخبة المعارضة
    و ان كانت ولادتها صعبة المخاض فهي ضرورية لمستقبل الوطن

  • Lire aussi