يومية الجزائر
Édition du
6 December 2019

يحدثونك عن الدولة المدنية سأتلو عليكم منها ذكرا

محفوظ بـــــــدروني

20 ماي 2019

كثر اللغط و الحديث في الآونة الأخيرة عن الدولة المدنية و راح كل من هب و دب يتكلم و يدلي بدلوه في التبشير بهذا المبدأ الذي أراه أحد المبادئ الأساسية للنظام السياسي الجديد الذي ندعو إليه و نعمل من أجل تحقيقه.

و من ثم فإن ما هو مقابل للدولة المدنية هو الدولة العسكرية أو الدولة الثيوقراطية.. و أنه لمن المفارقات العجيبة أن يتحدث من هو من منتوجات الدولة العسكريتارية و من هو من مخرجات الدولة المخابرتية و يبشر بالدولة المدنية!!! إن هذا لأمر عجاب!!!

و إن التبشير بهذا المبدأ هو:

1. اعتراف صريح أن الدولة الجزائرية الحديثة – إن جاز تسمية ما هو قائم بالجزائر دولة- لم تكن دولة مدنية قبل هذا التاريخ..

2. إقرار صارخ أن الدولة الجزائرية كانت دولة عسكرية أو بمعنى لطيف دولة يسيرها العسكر..

3. إشهاد بيّن أن الدولة الجزائرية كانت لحد الآن دولة استبدادية ديكتاتورية بالنظر إلى أن الدولة المدنية تتناقض تماما مع الدولة العسكرية أو الدولة التي يسيرها العسكر..

فما الذي تغير حتى تصبح الدولة الجزائرية تسير نحو الدولة المدنية و يبشر بها هؤلاء السفهاء و الجهلاء و الخبثاء، لا سيما إذا علمنا أن من يتولى تشييد الدولة المدنية هم رعاة الاستبداد و الفساد، و هم الذين تربوا و ترعرعوا و نشأوا في حضن العسكر.. و هم الذين تولوا سلطاتهم و مناصبهم في البلاد بفضل العسكر؟؟؟!!!! و لو تخلى عنهم العسكر لسقط نظامهم في لمح البصر أو في سويعات قليلات أو على أقصى تقدير في أيام معدودات..

إنّ تاريخ الجزائر الحديث هو عبارة عن سلسلة من الانقلابات على السلطات القائمة  و التمردات على المعايير الموضوعة، نذكر منها إبعاد الحكومة المؤقتة من طرف جيش الحدود عام 1962، و تبعها سلسلة من أعمال القوة منها تجريد السلطة التأسيسية من الجمعية التأسيسية المنتخبة عام 1963، عزل أول رئيس للدولة عام 1965، اغتيالات سياسية للمعارضين، عزل رئيس الدولة و إيقاف المسار الإنتخابي عام 1992 .. حتى وصل الأمر أن عاشت البلاد في فترات دون أدنى معيار قانوني (أي بدون دستور) حتى و لو كان صوريا مثل الفترة من عام 1965 إلى عام 1977 و الفترة من عام 1992 إلى عام 1996؟؟؟!!!!

فما هي يا ترى معالم و ملامح الدولة المدنية و ما هي الأحكام التي يتعين أن تصدر و الإجراءات التي يجب أن تنفذ لتحقيق هذا المبدأ؟

و قبل الإجابة على هذا السؤال وجب تعريف الدولة المدنية كما هو متعارف عليه عالميا فنقول:” الدولة المدنية تعنى دولة يحكمها المدنيون ليس العسكريين أو رجال الدين.. و على هذا الأساس يمكن اعتبار الدولة المدنية هي دولة القانون والمؤسسات في مقابل أي شكل من أشكال الدولة العسكرية أو الثيوقراطية“..

و الدولة المدنية تقتضي عدم تدخل الجيش و القوات المسلحة و من في حكمهما في الشأن السياسي و عدم تأثيرهم على القرارات التي تخص تسيير الدولة.. و كنتيجة لهذا المبدأ وجب إخراج الجيش و المصالح الأمنية من التدخل في الشأن العام و المنافسة السياسية و المجال القضائي و إبعادهم إبعادا تاما من التأثير على السياسات العامة.

و تطبيقا لهذا المبدأ تعتبر القوات المسلحة ملكا للشعب، وهي أداة من أدوات السلطة التنفيذية، تذود عن الوطن و تحمي الشعب من أي عدوان خارجي و البلاد من أي إعتداء أجنبي و تحافظ على الدولة و مؤسساتها و تحمي السلطة الشرعية و تمكنها من أداء مهامها و وظائفها الدستورية..

 ومن ثم فإنّ الدولة المدنية ليس شعارا يرفع و لا كلمة تقرع و لا سلعة تعرض و إنما هي إحدى المبادئ الأساسية لتحقيق دولة الحق و العدل، دولة القانون و المؤسسات، دولة الشورى و الديمقراطية و يتم تحقيق مبدأ مدنية الدولة و تمدين نظام الحكم في أرض الواقع من خلال أساسين اثنين هما:

الأساس الأول: إلغاء احتكار الدين أو وصاية السلطة التنفيذية على الشؤون الدينية و ذلك بإلغاء وزارة الشؤون الدينية و الاستعاضة عنها بمجلس أعلى أو هيئة عليا للفتوى و الاجتهاد و الدعوى و التي ستكون هيئة دستورية منتخبة لا وصاية عليها من أية جهة، مع إحداث عدة مجالس منتخبة تعنى بشؤون المساجد، و الدعوى، و الإفتاء، و الأوقاف، وغيرها.. و ذلك بالنظر إلى ضرورة إبعاد الدين من وصاية السلطات السياسية و حتى لا يلاعب به من أجل دعم سلطاتهم و استعماله لأغراض دنيوية سافلة و النأي به من أن يكون موضوع تجاذبات سياسوية رخيصة.. و حتى تتحقق الاستقلالية التامة للعلماء و الفقهاء و المفتيين و الدعاة من أية جهة أو وصاية، و حتى لا يخضعون أنفسهم للحكام و يمالئونهم رغبة أو رهبة، و لا يخشون أن يردّوا للحاكم طلبا أو يعصوا له أمرا و حتى لا تتأثر أعمالهم و لا تكون استجابة لرغبات وصايتهم (السلطة التنفيذية).. و حتى لا يعين في مثل هذه المناصب الحساسة و المهمة من ليسوا علماء راسخين في الشريعة، و من ثم إبعاد العلماء المرتزقة الذين ينافقون الحكام في سبيل الدنيا من الوصول إلى مثل المناصب الحساسة و المهمة.. أو يأتمرون بأمر الحاكم خوفا أو طمعا أو يستجيبون لرغباتهم و كذا جعلهم بمنأى من أن يملك الحكام سلطة تعيين العلماء و الفقهاء و المفتين و الأئمة في مناصبهم و من ثم سلطة عزلهم و بالنتيجة الاستبداد بأرزاقهم.

الأساس الثاني: إلغاء هيمنة المؤسسة العسكرية و الأجهزة الأمنية(العسكرية و المدنية)على الحياة المدنية و السياسية و مجالات هي بالأساس مدنية و أن أقل الإجراءات و أدنى الشروط لكي يتحقق مبدأ الدولة المدنية هو ما يلي:

1)-  ترحيل المادة التي تخص بالذكر الجيش و القوات المسلحة من الباب الأول”مقومات الدولة و المجتمع” من الدستور إلى الباب الثالث” تنظيم السلطات” في الفصل الخاص ب”السلطة التنفيذية” و الفرع الخاص ب “مؤسسات الدولة التنفيذية(الأجهزة التنفيذية) و الهيئات العمومية” و تحرر على النحو التالي:«القوات المسلحة ملك للشعب، وهي جزء من السلطة التنفيذية، ومهمتها حماية أمن الوطن واستقلاله والحفاظ على وحدة البلاد والدفاع عن سيادتها على كامل أراضيها و مجالات سيادة الدولة البرية، الجوية و البحرية، ولا تتدخل في المجال السياسي و الشأن العام، وتخضع للسلطة السياسية و لكافة مستويات الرقابة ومعايير الشفافية التي تخضع لها كافة مؤسسات الدولة»..و ذلك بالنظر إلى أن إبقاء المادة التي تخص بالذكر الجيش و القوات المسلحة في موضعها الحالي يعني تلقائيا أن الجيش هو مقوم من مقومات الدولة و المجتمع.. و إقرار أمر كهذا هو إقرار للعسكرة الدولة و جعل الجيش فوق المؤسسات و السلطات.. فنحن لا نقر أبدا أن يكون الجيش مقوم من مقومات الدولة و المجتمع و التي ينبغي أن تقتصر على ما هو متعارف عليه فقها و عرفا و هي العناصر الأربعة المشكلة للدولة و هي: الإقليم، الشعب، السلطة (بمعناها العام) و السيادة.

2)- إخضاع المؤسسة العسكرية و الأجهزة الأمنية لأحكام الدستور و القانون و السلطة الشرعية:

لدستور تضعه جمعية تأسيسية شرعية منتخبة من طرف الشعب انتخابا حرا، نزيها و شفافا..

لقانون يضعه برلمان شرعي منتخب من قبل الشعب انتخابا حرا، نزيها و شفافا..

لسلطة شرعية سواء كانت سياسية أو تنفيذية أو قضائية منتخبة انتخابا حرا، نزيها و شفافا..

3)- تمدين كلي لوزارة الدفاع الوطني من حيث يصبح كل العاملين بالوزارة مدنيين ابتداء من الوزير إلى الخفير(أو أبسط عامل بالوزارة) و إبعاد كافة العسكريين من إدارة شؤون الدفاع تحقيقا لمبدأ المساواة بين وزارات الدولة و العاملين بها.. و كنتيجة حتمية لهذا الإجراء يتعين و حصر صلاحية وضع سياسة الدفاع الوطني و استراتيجية الأمن القومي في السلطة المدنية المنتخبة..

4)- عدم استعمال قوات الجيش (القوات المسلحة) في مهمات حفظ الأمن(الداخلي) و الأعمال الشرطية إلاّ في ظروف استثنائية – و دون المساس بحقوق الإنسان و الحريات العامة الفردية و الجماعية – و في إطار قانون يصادق عليه برلمان شرعي منتخب من قبل الشعب انتخابا حرا، نزيها و شفافا..

 5)- حل جهاز أو أجهزة المخابرات مع وضع تصور واضح و فاصل لمفهوم الأمن القومي من قبل مؤسسات الدولة الشرعية في إطار قانون تصادق عليه السلطة التشريعية المنتخبة انتخابا حرا نزيها و شفافا ..و تمدين كلي لهذا الجهاز(المخابرات العامة) بإخراجه من وصاية الجيش (وزارة الدفاع الوطن)، و بالنتيجة يصبح كل العاملين بالجهاز مدنيين ابتداء من المدير العام إلى أبسط عامل بالجهاز مع وضع معايير دقيقة لاختيار هؤلاء العاملين بهذا الجهاز الحساس من بينها و على رأسها الكفاءة و العلم و الذكاء..

6)- النظر في مصير جهاز الدرك الوطني و هل هو جهاز أمني أم جهاز دفاع وطني أو هو في الإثنين و هذا لا يتم إلاّ أثر نقاش عميق من قبل ممثلي الشعب.. فإن تم اختيار الاحتمال الأول فإنّه بالضرورة يجب إخراجه من وصاية وزارة الدفاع الوطني و تحويله إلى وزارة الأمن الداخلي..

7)- إخضاع كامل الأجهزة الأمنية و القوات المسلحة (المؤسسة العسكرية) لكل أنواع الرقابة السياسية(البرلمان)، الإدارية(لجان تفتيش و رقابة) و الشعبية(الأحزاب و منظمات المجتمع المدني و الإعلام)، و المساءلة أمام القضاء..

8)-  إلغاء المحاكم العسكرية تحقيقا لمبدأ الفصل بين السلطات بالنظر إلى أن القضاء العسكري القائم حاليا هو قضاء استثنائي تابع للسلطة التنفيذية- و تحت وصاية وزارة الدفاع- التي تعين تشكيلة المحاكم العسكرية.. و من ثمّ وجوب محاكمة العسكريين – فضلا عن المدنيين– أمام محاكم مدنية بالنسبة للجنح و الجنايات باستثناء الجرائم ذات الطابع العسكري المحض، مع إنشاء لجان تأديبية عسكرية تختص بالنظر في الأخطاء و المخالفات للنظام العسكري المرتكبة من قبل العسكريين كالمخالفات الانضباطية و الأخطاء التأديبية (ذات الطابع العسكري المحض) أسوة بما هو جاري به العمل في المؤسسات الإدارية و الإقتصادية و الإجتماعية عندما تطبق أحكام النظام الداخلي المتعلقة بقواعد الانضباط و الأخطاء التأديبية على العمال و دونما نظر في الجرائم و الجنح و التي يؤول اختصاصها إلى المحاكم المدنية ، و من ثمّ فأنّ القانون العسكري يعد بمثابة نظام داخلي بالنسبة للمؤسسة العسكرية كما هو معمول به في المؤسسات المستخدمة المدنية..

9)- إلغاء الضبطية القضائية عن مصالح و أجهزة تابعة لوزارة الدفاع الوطني كجهاز المخابرات العامة، المخابرات العسكرية، و مصلحة حراس السواحل التابعة للقوات البحرية عندما يتعلق الأمر بمتابعة المدنيين باستثناء حالة متابعة العسكريين الذين يرتكبون جرائم ..لأنّ منح هذه الأجهزة صفة الضبطية القضائية يعني بالنتيجة إمكانية إلقاء القبض و احتجاز مواطنين مدنيين في أماكن غير خاضعة لرقابة النيابة العامة(أماكن عسكرية)..

10)-عدم السماح للجيش بالتدخل في المجال الإقتصادي و المالي بما في ذلك الصناعات العسكرية التي يجب أن تكون حصرا من صلاحية و اختصاص شركات مدنية أسوة بما هو جار به العمل في الدول الديمقراطية..فالجيش خلق و أعد خصيصا للدفاع و الأعمال العسكرية و منها القتال و ليس للصناعة و التجارة و كسب المال.

11)- عدم السماح للعسكريين بالتصويت في الإنتخابات كمبدأ عام و عدم السماح للعسكريين السابقين بالترشح ألا ضمن ضوابط معينة، و منها على سبيل المثال:

 انقضاء مدة خمس(05)سنوات من تاريخ إحالتهم على التقاعد أو خروجهم من الخدمة بالنسبة للإنتخابات الرئاسية؛

انقضاء مدة ثلاث(03)سنوات من تاريخ إحالتهم على التقاعد أو خروجهم من الخدمة بالنسبة للإنتخابات النيابية؛

انقضاء مدة سنة(01)واحدة من تاريخ إحالتهم على التقاعد أو خروجهم من الخدمة بالنسبة للإنتخابات المحلية..

و هذا تحقيقا لمبدأ الحياد التام الذي يجب أن تكون عليه المؤسسة العسكرية وما شابهها و تحقيق عدم التدخل في الشأن العام و المنافسات السياسية..و كذا حتى لا يخرج علينا رجل عسكري ببذلته العسكرية ليعلن ترشحه في انتخابات رئاسية كما فعلها سفاح مصر و حاكمها الديكتاتوري المجرم، و كذلك حتى يمكن هؤلاء العسكريين من قضاء فترة نقاهة و اندماج في المجتمع المدني قبل الاشتغال بالعمل السياسي. بهكذا تشريعات و بهكذا إجراءات يتم تمدين الحكم و إبعاد الجيش عن شؤون الحكم و القضايا السياسية والشؤون العامة و تحقيق الدولة المدنية .. و ما دون ذلك، فليس وراءه حبة من خردل من الدولة المدنية.


Nombre de lectures : 833
Pas de commentaires

Laisser un commentaire

*

*

Lire aussi