يومية الجزائر
Édition du
17 September 2019

الحراك وجدلية فك الاشتباك بين التحول الجمهوري والانتقال الديمقراطي

http://elsada.net/
18 juin 2019
فجرت ثورة الحراك الشعبي بالجزائر كتل اللغة السياسية وفككتها مفردة مفردة، في سيل سجال جارف، حاول كل
بحسب رصيده من تجربة اللغة ولغة التجربة السياسيتين قراءة المشهد وفق نسق تركيبي يختلط فيه الماضي بالحاضر، والمهم بالأهم، فاحتار الكثير ممن يتلقون التحليل والتعليل عبر البلاتوهات والجرائد، في أي مرحلة تقع الحالة الجزائرية الثائرة اليوم، هل هي في مرحلة الانتقال الجمهوري، بوصفه الشكل البنيوي للدولة، أم هي مرحلة الانتقال الديمقراطي المتصلة أساسا بشكل سريان الدولة المؤسسي؟

لكن فضل الأزمة في إثارة هكذا جدل وسجال، يظل كبيرا، كونه أعاد ما يسمى بالعقل العمومي، إلى الانبساط مجددا في سؤال السياسية بحسبانها الفضاء المشروع للنضال الوطني، بعد وأد قهري للوعي التعددي الذي ولد مع تجربة دستور 1989 وانقلاب على أول تجربة ديمقراطية في المنطقة العربية ولد ربيعها في أكتوبر 1988 أي قبل حادثة سيدي بوزيد بتونس مهد ثورات الربيع العربي بثلاث وعشرين سنة.

وعليه فقد ارتأينا أن نغطس في أدب السياسة لنقبض على مفهوم التحول الجمهوري، الذي وإن تقاطع في الوظيفة مع الانتقال الديمقراطي، إلا أنه يحتفظ لنفسه بالكثير من خصوصية الدلالة المتمحورة بالأساس في معمار الكيان المؤسساتي الوطني.

 وهنا يفرض مطلب التحول الجمهوري الذي يرفعه الحَراك الثوري في الجزائر، طرح جملة من الأسئلة بعضها متصل بحقيقة وفلسفة المطلب ذاته أي الانتقال إلى جمهورية جديدة، والبعض الآخر له عالقة بآليات تحقيق ذلك التحول وإنجاحه، ولعل آلية الوعي أتت في صدارة ذلك، لأنه بدون وعي ستؤول حتما التجربة الجمهورية الثانية بالمنطق العددي الكامن في النموذج الفرنسي، والجديدة بالمنطق المعياري، إلى الفشل ذاته الذي وقعت فيه الأولى، حين ظلت المفاهيم والمثل فوقية في حيث وعلي صعيد القواعد استحكم العبث والخطيئة الوطنية وجريان للدم والدموع وإهدار للمال والقدرات أمام الأجيال اللاحقة والمتلاحقة.

فما هو معيار التقييم الجمهوري؟ وما هي الأزمات التي استقامت على أنقاضها التجربة الجمهورية الأولى؟ والأزمات التي صنعت موتها؟ وما سمات الجمهورية الجديدة التي يرفعها الحراكيون؟

بداية ينبغي التأكيد على أن جدلية الوعي بالطبيعة السياسية للكيان الوطني في الفضاء العربي عموما، ارتبطت سواء بدراية أو بدونها، بمسألة الحداثة والتحديث على الصعد الرمزية وغير المادية، فكل الكيانات الوطنية العربية اكتسبت نظامها واكتست شاكلته إما من خلال التأسيس الاستعماري له، على نحو ما تم مع إمارات ومملكات الخليج، أو وراثته من خلال تراث حركتها الوطنية ضد الاستعمار، مثل دول المغرب العربي ومركزها الجزائر.

فلا شيء حُمل من قبل، عن الجمهورية كعنوان لكيان سياسي وطني من قبل الإنسان الجزائري الذي استلمه واستلبه الاستعمار من حماية إمبراطورية عثمانية لم يكن قد تأسس لها معنى في النطاق القاموسي السياسي، واستمر في اللا دراية بحال كينونته السياسية الجمعية إلى أن تفتق وعي الحركة الوطنية بداية القرن الماضي على الشاكلة الجمهورية فحملها كنمط لدولة الغد المستقلة.

ويتضح من هذا الذي تقدم، أن خاصية الانبثاق الجمهوري في الوعي السياسي الجزائري، لم يتأتى من عنف فوقي، أي عبر انقلاب عن ملكية أو سلطنة أو إمارة وراثية، بل تأسس عن معايشة ومحاكاة طويلة لهذا النمط من الطابع الدولة الحديثة الذي مثلته دولة الاستعمار الفرنسي.

لكن ليس يعود سبب نشأة وتنامي الوعي الجمهوري في العقل السياسي الجزائري، فقط للظاهرة الاستعمارية، فثمة مملكات احتلتها فرنسا ولم يستبدل قومها نظامهم بجمهوريتها، إنما ثمة عوامل أخرى أسهمت في ترسيخ الخيار الجمهوري في الوعي السياسي الجزائري، أبرزها، غياب النخبة القيادية السياسية ذات المرجعية الطبقية أو الأسرية الموحدة للنسيج المجتمعي العام، فحتى الثورات الشعبية التي كانت تقودها قبائل وطرق دينية ما حازت لنفسها القدرة على التمركز في الوعي الجمعي، هذا من جهة ومن جهة أخرى، كانت الجمهورية بمدلولها اللغوي والاصطلاحي أكثر من مجرد عنوان أو سمة للدولة بل عنت في الوجدان الشعبي تلك الملكية الشعبية التاريخية للدولة والسلطة ومقدرات الأمة، من هنا تقدست في الوعي الشعبي وصارت تشكل ثابتا وطنيا لا مشاحة فيه ولا نقاش في شرعيته، بل إن عساكر الانقلاب جعلوا من عبارة إنقاذ الطابع الجمهوري للدولة عنوان بادرتهم الإجرامية سنة 1992، التي كلفت الجزائر حربا أهلية ضروسا، لسكتوا فيما بعد عن الضمور الجمهوري الذي صاحب فترة حكم بوتفليقة وآله للجزائر.

لكن إذا كان الطابع الجمهوري التأسيسي للكيان الوطني بالجزائر خيارا للشعب والنخب معا، فإنه قد ظل على صعيد الوعي أفقيا، أما ممارسة فتشكل واستشكل عموديا مقيتا مثلما توضحه أزمات الممارسة الجمهورية للحكم.

ففي الجزائر جمحت الجمهورية على صعيد الخطاب السياسي والنقابي والثقافي، لكن عمليا ظلت المؤسسات الدولة بمعزل عن إرادة “الجمهور” وأسيرة إرادة الزعيم والأيادي التي تسيره خلف ستائر القصر الجمهوري، ذلك لأن ولادة الكيان الجمهوري كانت قد نُقضت من أول حادث صراع حول شرعية الزعامة داخل جمهور الحركة الوطنية نفسها التي كانت تحمل حلم الطابع الجمهوري لدولة الاستقلال المنشودة، وهكذا انحراف عن الوعي الجمهوري ولد أشكال وممارسات تصارعية خاصة في الجزائر، عبر أولويات خطيرة لا تزال تستحكم في المشهد الجزائري إلى غاية اليوم، كأولوية السياسي على العسكري، والداخل على الخارج، لتتطور فيما بعد لأولوية المنخرط في الحزب الواحد عن غير المنخرط، ثم أولوية الموالي الانتهازي الأمي على المعارض المثقف النزيه، وأولية الحاشية والجهة والأسرة على ما دونها انتماء، التي مارسها حكم بوتفليقة بامتياز.

وصير هكذا وفق أشكال متغيرة ومتطورة في المروق عن البعد الجمهوري للدولة، إلى الخراب الراهن، حيث أطيح في مسلسل الألم الجمهوري بالجزائر، بجمهورية أحمد بن بلة أول رئيس لدولة الاستقلال، ثم انفرد العقيد بومدين باقتياد “الجمهورية” ودون جمهور ولا دستور ولا مؤسسات لعقد ونصف، فيقرر الشاذلي في نهاية حكمه تصحيح مسار النظام المارق عن الطابع السياسي للدولة، (بعدما اختزل مفهوم الجمهورية في وجود رئيس في قمة الحكم وليس وملك) بالتمرد على سلطة الحزب الواحد والتحول إلى التعددية في انتقال ديمقراطي نوعي للحكم من خلال اقتسامه مع البرلمان، بيد أن ذلك ما لبث أن بدأ، حتى انقلب العسكر عن تلكم التجربة وزج البلاد في حرب أهلية، اعتبرها بوتفليقة يوم اعتلى العرش الجمهوري، نتيجة لخطيئة التنازل عن سلطة الرئاسة المركزية المطلقة، فأعاد بناء أساس الحكم وفق تصور إمبراطوري مطلق، أرك سبه العمل المؤسسي وصحر السياسة، فاستحال العمل الوطني إلى خراب يهدد كيان الأمة بالزوال مثلما تبرزه حدة الأزمة الدستورية الحاصلة في البلد اليوم.

يتضح من خلال ما سقناه من بانوراما تاريخية عن السلوك الجمهوري في الحكم بالجزائر النازع عن الوعي القديم به، أن أزمة الدولة وحتى من قبل أن تغدو أزمة انتقال ديمقراطي وتداول سلمي على السلطة وخضوع للقوانين المؤطرة للعمل السياسي، كانت أزمة التقيد بالإطار الجمهوري الذي أسس للكيان الوطني والمتضمن في ميثاق ثورة نوفمبر 1954 ورسم بدقة المعنى الجمهوري خارج كل السياجات الإيديولوجية الضيقة في حين تصرخ التجربة العملية للدولة بالحيدة المتواصلة عن تلكم المبادئ وبالتالي عن الطابع الجمهوري للدولة.

فطيلة فترة حكم الحزب الواحد (1962- 1989) سادت جمهورية الحزب وليس جمهورية المجتمع، واعتبر النظام أن أية رؤية للدولة مفهوما وممارسة خارج الأطر والمفاهيم التي رسمها الحزب تعد تهديدا لوحدة المجتمع، واليوم اتضح أننا لسنا بصدد السعي للارتجاع إلى روح الجمهورية كما وعاه العقل السياسي الجزائري مذ وعى كينونته الوطنية، بل نحن بصدد البحث عن مفهوم الجمهورية الذي غاب في سراديب الحكم حيث ظلت ممارسته لعقود ما بعد الاستقلال غير “جمهورية”

في خضم كل هذا الخلط الحاصل، كما أشرنا، في مفاهيم الانتقال السياسي في الجزائر بين الجمهوري والديمقراطي، الذي تولد عن عدم ادارك البعض فلربما، بأنه قد توجد ديمقراطية بلا جمهورية في حين لا يمكن تصور العكس، لأن شرط الوعي الاجتماعي الحاد بالديمقراطية، هو وحده الضامن للتحول في نطاق الممارسة الجمهورية لطبيعة الدولة، في حين لا تزال الديمقراطية لدينا في مصف الشغف الجماهيري مذ تهافتت مشاريع الحكم الوردية في بناء جمهورية نموذجية كما أقرها بيان أول نوفمبر المفجر لثورة التحرير الوطنية سنة 1954، وإذا كان وعد الدَمَقرَطة الأول الذي رفعته سلطة الاستقلال على مدار العقود الخمس التي انصرمت، قد تبخرت خطبه فإن جل الأطاريح البديلة التي حملت تفصيلاتها المعارضة على مستوي النخب السياسية والفكرية، لا تكاد تبرح نطاقها النظري المثالي السجالي. 

وفي هذا السياق، صارت أصوات تتعالى من هنا وهناك مطالبة بجمهورية وديمقراطية جديدتين، وإذا سلمنا بمشروعية المطلب الأول أي الجمهورية الجديدة، فكيف السبيل إلى الفهم والتسليم بالمطلب الثاني (الديمقراطية الجديدة)؟ على شاكلة ما طرحه الحقوقي والمناضل من أجل القضية الأمازيغية مقران آيت العربي الذي تخوف على الأقلية البربرية من طغوى الأكثرية العربية في الوعاء الانتخابي مطالبا باستحضار آليات من وحي التجديد الجمهوري المأمول من شأنها تفرز قواعد ديمقراطية جديدة تنهض على شرعية الأقلية وليس الأغلبية، وهنا ينطرح بقوة السؤال عن طبيعة الجمهورية المراد التحول إليها، لا بل وعن طبيعة الآليات الديمقراطية التي يمكن أن تسير وفقها. 

  بشير عَمري

كاتب صحفي جزائري   


Nombre de lectures : 584
Pas de commentaires

Laisser un commentaire

*

*

Lire aussi