يومية الجزائر
Édition du
18 September 2019

مراجعات

عبد الحميد شريف – بروفيسور في الهندسة المدنية

المراجعة الفكرية من التوبة

المراجعة الفكرية هي نشاط مستمر للعقل البشري عند كل الخطائين وكل بني آدم خطاء. وقبل المجرمين والمفسدين والمشركين يُتوقع أن يكون السباقون إلى المراجعات الفكرية هم خير الخطائين. المراجعة الفكرية هي توبة من نوع خاص مرتبطة بالقيم الروحية والأخلاقية وكذلك بالقيم العقلانية والخصوصيات الذاتية.

الأخطاء لا تعالج إلا بشجاعة الإعتراف والإعتذار وكل الأعذار الأخرى مهما وظفت من تبريرات وآيات وأحاديث لا تغدو إلا أن تؤكد الذنب وربما تكون أقبح.

توبة العبد مستقلة عن غيره، ولذا فإن مراجعات المظلوم لا تشترط توبة الظالم أو إعتذاره.

المراجعة السياسية هي جزء من المراجعة الفكرية وهي التي تعني الشأن العام والتي يجوز بل يجب الخوض فيها علانية. لا يمكن السكوت عن الأداء السياسي لجميع الأطراف لإرتباط ذلك بمصير الأمة وبأزمات باهضة الثمن. إن إنتقاد الأداء السياسي لا يُقصد من خلاله الطعن في الأفراد أو النيل منهم. علينا جميعا قبول النقد البناء وتجاهل الحرج لترقية التميز الفكري وتأصيل اليقظة الجاهزة للمراجعة.

ما قبل وما بعد 1992

تعود جذور الأزمة الحالية في نظر الكثير إلى الإستقلال سنة 1962 والإنطلاقة الشمولية بإنقلاب جيش الحدود على الحكومة المؤقتة. والبعض يربطها بالصراعات أثناء ثورة التحرير أو حتى قبلها. وإذا تابعنا تعمق الجذور فلن تنجو أي حقبة تاريخية من التوريط.

مع تسليمي بإمكانية الوقوع في الإنحياز إلا أنني لا أتردد في الإقرار بأن توقيف المسار الإنتخابي في سنة 1992 هو المنعرج الفاصل، وأرى أن كل من يحاول التقليل من هذا الحدث الباهض التكلفة هو أسير قناعات إيديولوجية أو رهينة أحقاد تجاه فيئة معينة.

رغم الإخفاقات الحتمية المرتبطة بتهميش الإرادة الشعبية إلا أن المرحلة ما قبل 1992 تميزت ببناء مؤسساتي لا ينكره عاقل. ويُرجح أن لو تسلم السيد عبد العزيز بوتفليقة الرئاسة في سنة 1978 بعد وفاة الراحل هواري بومدين لكان مساره مختلفا من العشرين سنة من حكمه (1999-2019) التي عمم فيها الفساد والإفساد وأتى على الأخضر واليابس. إن سنوات النار والدمار ومحاربة القيم وتغييب العقل ساهمت كثيرا في تمهيد الطريق أمام فساد بوتفليقة. ولولا جنرالات 1992 لما وصل بوتفليقة إلى الحكم أصلا.

رغم دور بومدين في ترقية بوتفليقة وقدامى الجيش الفرنسي فلا يُعقل تحميله كل أخطاء وأوزار هؤلاء وتموقعهم بعد وفاته.

إجهاض التجربة التعددية

التناوب الديمقراطي هو نظام الحكم الوحيد الذي يتسم بالضرورة والكفاية، كاف لطمأنة المحكوم من الإستبداد وضروري لمنع تغول شيطان الطغيان المتربص في كل حاكم.

التناوب يصنع ويزيل الأغلبيات، وإذا كان لزاما على الأغلبية إحترام كل الأقليات، لم يعد من التفاهة التذكير بصحة القاعدة العكسية.

لم يهدد أي مسؤول في الجبهة الإسلامية بدفن الديمقراطية بعد الوصول إلى الحكم. لكن بدون شك حصلت إنزلاقات لفظية وشعارات غير مسؤولة في جو عام لا يخلو من التشدد الشعبوي. أنا شاهد على ذلك ولا أتردد في تقديم الإعتذار دون أن أنوب عن غيري. “لا ميثاق لا دستور” شعار سياسي غير مناسب وبإمكانه فعلا ترهيب البعض. غير أن الجريمة تبقى جريمة. عبد القادر حشاني يرحمه الله لم ينوِ أبدا الإنفراد بالحكم والإستغناء على أمثال مهري وآيت أحمد رحمهما الله. وكان بإمكان الرئيس الشاذلي بن جديد تسريحنا بلباقة بمجرد توقيع حل البرلمان.

 الجبهة الإسلامية فازت ثم عُقبت وغُيِّبت وتلقت التهم دون أن يُسمع صوتها. ونظرا للثمن الباهض للأزمة فإن بعض الأراء لن تتغير وستموت مع أصحابها. إلى أن تتوفر الشجاعة السياسية والإدراك الجماعي بالقدر الكافي فالأحسن التركيز فقط على االدروس الرئيسية.

تعلمنا بالدماء والدموع مايجب فصله عن السياسة وما لا يجب. إنه غياب المبادئ والقيم، إنها الرداءة والبذاءة، إنه النهب والسلب، إنها الغباوة والبلاهة، إنه داء العشيرة والحاشية، إنه التهميش والإقصاء، إنه الفساد والإفساد، إنها المكيدة والخيانة، إنه كل ذلك الذي يجب فصله عن السياسة وليست العبقرية والإستقامة سواء كان مصدر هذه الأخيرة أخلاقي أو ثقافي أو ديني أو إيديولوجي.

المنافسة السياسية الرفيعة

إحدى مبادرات الخروج من الأزمة الحالية شدت إنتباهي لجمعها أشخاص يعتبرهم الكثير غير متوافقين. بيد أن التقارب الإستثنائي لأولائك الخصوم ليس غريبا لتميزهم بمستوى فكري رفيع.

من أهم الدروس التي يجب استخلاصها من أزمتنا هي ضرورة إحداث نقلة نوعية في مستوى القيادات السياسية. حتى وإن لم يكن كافيا فهذا شرط ضروري لإقناع الجيش بإخلاء المجال السياسي.

الساحة السياسية تشبه مضمارا للسباق يطفو فوق مياه عكرة وعلى المتسابقين توحيد الجهود لتأمين المضمار قبل المنافسة الشريفة. إن ضعف أي طرف سياسي مُضر لكل الطبقة السياسية، وترقية الوهن عوض علاجه هو تخطيط لغرق السفينة. لا تفيد المنافسة السياسية إلا بتأسيسها على قاعدة مشتركة صلبة لتحييد الرداءة والفساد.

التمثيل النوعي يرفع مستوى الأداء التنافسي ويساعد بالنقد الثري المتبادل في إبراز الأخطاء والتخلص من الإختلافات المزيفة، وبكشف وتثمين الأسس المشتركة تتقلص الفروقات بشكل كبير

بعجزها على تجميع الطاقات وتشكيل جبهة موحدة ضد الأخطار الكبرى، القيادات الضعيفة لا يمكنها إلا تجنيد الحيلة والذكاء السلبي للدفع بالفتن والفساد والمهازل.

إعادة الإعتبار إلى التميز، كفاءة ونزاهة، عند كل أطراف الطبقة السياسية هي الوحيدة الكفيلة بتحقيق تصالح الجزائريين. أما النخب المزيفة فإنها لا تعجز أبدا عن إيجاد الأعذار للفشل.

 التعايش الإسلامي العلماني

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ (المائدة 105)

لا الكفر ولا الإلحاد، ولا الفكر المخالف ولا المضاد، عدو البشرية فوق الأرض هو الظلم والإستبداد.

من ركائز الوعظ ِ : “إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ” – “وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ” (آل عمران 19 و 85)

لكن المرجع الأنسب والأوسع في وسط سياسي متنوع هو : “لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ” (البقرة 256). هذه الآية تتوافق مع مبدأ العلمانية الأصلية التي حررت أوروبا من إستبداد الكنيسة، والمناقِضة تمام للعلمانية الفرنسية المعاصرة المحاربة للدين.

ما جدوى الخطاب الذي يُصر أن الشعب كله مسلم وعلى ولي الأمر تنفيذ القصاص فيمن يتحدى رمضان أو يطعن في الحدود ؟ هناك واقع يجعل بعض الأطروحات خشبية. أنا لا أُكفر أحدا وأتبنى التعريف الباديسي “شعب الجزائر مسلم” إلا أنني أُصنف “جايح” كل من يُصر في جدال حاد على أن المجتمع مسلم 100%.

هناك فيئة ترفض التشريع الإسلامي وتقبل قوانين البرلمان. الديمقراطية ليست فلسفة حتى تُتهم بالكفر، هي حكمة بشرية والإسلام السياسي أولى بها لأنه أكبر ضحية للإستبداد. ولحسن حض الجزائر أن مدرستها العلمانية تأثرت بالشرفاء من أمثال حسين آيت أحمد. نحن أمام فرصة تاريخية لمصالحة حقيقية. التعايش الإسلامي العلماني ممكن وليس غريبا أن يعطي بلد الشهداء درسا ثانيا للتاريخ.

صحيح أنه توجد نخب علمانية إستئصالية ولكن بالحكمة ستتقلص أعدادها ويضعف صوتها.

على الإسلاميين الإدراك أن خطابهم لا يخلو من الإقصاء وعليهم التسلح بالعقلانية لتجنب الأخطاء. رجوعا للآية “لَا يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ”. فإن أنزعاجي بضلال غيري لا يعني أني أحرس على ديني، بل يفضح تراجع هدايتي فالأولى بي صيانتها.

الخطاب الإسلامي الإقصائي الذي يرفض الفكر السلمي المخالف يساهم في تبرير الإقصاء الإستباقي المضاد والمؤدي للإستبداد. الحرية للجميع هو الهدف الأول في الدين والدنيا. عدو الفكر ليس الفكر المضاد، إنما العدو المشترك هو الإستبداد.

إلتباس حول الولاء والبراء

يقول تعالى : وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ (التوبة 71). ويقول كذلك : وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنصَرُونَ (هود 113)

ما من جناية أعظم من الجناية على مفاهيم ومقاصد الشرع. لا يقاتل المسلم بسبب الإختلاف العقائدي بل لصد عدوان الظالم، كافرا كان أم مسلما. القناعات الفكرية لا تتناحر، إنما عدوها المشترك هو الإستبداد.

جميل أن يجتمع العدل والعقيدة، لكن إذا تعذر ذلك فالعدل هو أساس الحكم. العدل لا يحمله إلا الأقوياء أما راية الدين فقد تقع ظلما وبهتانا بين أيدي ضعيفة ربما إلى حد التواطؤ.

هل هي وسطية حكيمة أم مشهد يدعو للتأسف ذلك النهج الإنخراطي الذي تعتمده نخب إسلامية وهي تزعم أنها تمارس المعارضة وتنتظر التأييد بينما يراها غيرها مجرد أداة لترقيع شرعية الإستبداد وهي راكنة إليه وغامسة في الولاء المبين ؟

في التسعينات قيل لأحد المظلومين الذي أشاد بالعلمانيين الذين دافعوا عنه أن المرء يُحشر مع من أحب. كأن نشوة ذلك الواعض المتزين ببذلة فوق مقاسه أنسته الآية : وَسَكَنتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ وَضَرَبْنَا لَكُمُ الْأَمْثَالَ (إبراهيم 45).

الإبتلاء السياسي

يُقال أن السياسة فن الممكن وأن الكرسي الشاغر لا يخدم صاحبه. وتُمتحن هذه الحكم حقا في الحالات الإستثنائية حين تقل الخيارات وتضيق دائرة الممكن ويصبح نهج الواقعية السياسية متعارض مع أهم القيم.

القدوة الأخلاقية أو العلمية لا تكفي لصناعة القيادة الراشدة. الشجاعة والشهامة والفطنة أهم الصفات التي تحمي القيم الأخرى وتساعد على حمل الأمانة. يعتبر التمثيل الشعبي من مشجعات حمل الأمانة إذ يُشعِر بروح وثقل المسؤولية، بينما الوصول بالتزوير أو بالكوطات يُمهد الطريق لخذلان الأمانة.

سياسة الإقصاء تضر بمصداقية كل المشاركين وتمتحن صمودهم. المشاركات السياسية في الأنظمة الشمولية غالبا ما تنحرف نحو الإنتهازية متسببة في التصدع والتشتت وصراع الزعامات مع تآكل حتمي في الصورة.

إن إغراء بعض القيادات بمناصب وإمتيازات أبعدت الكثير من الحقل الأصلي. ويُخشى أن يُصبِح هذا السلوك نمطا مقبولا ثم نموذجا منشودا وأخيرا قدوة تتصدر طموحات النخب الصاعدة.

ألا يعتبر أداء بعض جماعات الإسلام السياسي من أهم أسباب تراجع الصحوة ؟ ألا يحترم ويتفهم المجتمع الغياب القسري ويحتقر الحضور المُستكين ؟ ألم تصبح جبهة التحرير تعبث بالقيم نِكاية في الإسلام السياسي الضعيف بعدما كانت تدافع عنها كحزب واحد ؟ ألا يكون الكرسي العامر في بعض الحالات ضارا للقضية حتى وإن نفع الشخص ؟

وإنصافا للكرسي الشاغر يجدر التذكير أن ديغول إستطاع بهذا الموقف الدفاع عن مصالح فرنسا في أوروبا في الستينيات.

الإسلام السياسي يكون بِوزن محترم ومؤثر في القرار السياسي في نظام ديمقراطي حقيقي وإلا الأجدر به أن لا يكون.

الجهاد السلمي والصفح الجميل

إن التسيير المعاصر للمجتمعات بحيث تتميز كل دولة بحدود ثابتة وبجيش قوي موحد يجعل من أي محاولة للخروج على الحكام المستبدين بالعنف مغامرة وخيمة العواقب ومفسدة للحرث والنسل. الإحتجاج السلمي والأخلاقي والمسؤول هو السلاح المعاصر للمطالبة بالتغييرات السياسية وفرضها على الأنظمة الشمولية. يُمكن إستنباط القياس من أول جريمة وقعت فوق الأرض. لم يكن هابيل إبن آدم عليه السلام جبانا وكان لديه كل الحق الشرعي للدفاع عن نفسه ضد أخيه قابيل، ولكنه فضل تجنب الحرب الأهلية القذرة. وكم تهون تلك التضحية النبيلة أمام جزاء الخُلد لِكِلا الأخوين :

لَئِن بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ إِنِّي أُرِيدُ أَن تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَٰلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِين،  فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ (المائدة 28-30).

العنف هو وقود الأنظمة المستبدة، وفي غياب القياداة الحكيمة قد تكفي ضحية واحدة كذريعة لإشعال دوامة العنف وإحداث مئات بل ألاف الضحايا.

التطورات والتغييرات الأخيرة تفتح أبواب المراجعات الحقيقية ولا يمكن لأي عاقل أن يتنزه عن ذلك. والضمير الحي لا يطوي الصفحات المؤلمة إلا بعد مواجهتها، والأحقاد لا تذوب إلا بالمصارحة ومواجهة الذنوب، وكم تراكمت ذنوبنا في العقود الثلاثة الأخيرة. يحق ويجب على الكثير من المتورطين في عهد بوتفليقة وفي سنين الدم أن يعتبروا أنفسهم ضحايا البلاء وأن لا يتصرفوا كفاعلين عنيدين.

يبقى خير الخطائين التوابون ولا ملجأ من الله إلا إليه وسعة رحمته تفوق الإدراك إذ تؤلف في لحظة بين الأعداء وتُبدِّل الذنوب حسنات : “إِلَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَٰئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا” (الفرقان 70).


Nombre de lectures : 1051
Pas de commentaires

Laisser un commentaire

*

*

Lire aussi