يومية الجزائر
Édition du
7 December 2019

الثورة السلمية وتحديات بناء الدولة: المبادرات، و المناورات و المغامرات

م

بواسطة رضوان بوجمعة -يوليو 15, 20190169 مشاركة

akhbareldjazair.com

رضوان بوجمعة*

تدخل الثورة السلمية الجزائرية شهرها السادس بداية من نهاية الأسبوع القادم، ثورة بدأت في منتصف فصل الشتاء وهي منتصف صيف حار، يعرف إصرار الشعب على تحقيق أهداف ثورته.

الثورة السلمية للشعب الجزائري تعيش في منعرج حاسم قد ينذر بكل المخاطر، مع بروز تصريحات ومؤشرات لتعميق الانسداد بمبادرات تشبه المناورات، ودعوات تصعيدية من مغامرين في ثوب المعارضين وهم في الحقيقة جزء أساسي في منظومة فاسدة ومفسدة.

آخر هذه المبادرات التي تتداخل مع المناورات التي تسيرها المخابر المظلمة بواسطة المنظومة الإعلامية الدعائية التي استخدمت لفرض بوتفليقة في السلطة و مساندته لآخر لحظة، هي ندوة مدرسة الفندقة في عين البنيان، فبعيدا عمن حضرها و عن الدخول في النوايا، فإنه عندما تقرأ وثيقة الندوة، فأول ملاحظة تجدها منذ الجملة الأولى هي غياب الدقة في الطرح، وحتى التدقيق اللغوي، وعدم وضوح التصور بين النص الذي وصفته بعض الوجوه المشاركة فيها بالوثيقة التاريخية، والتدخلات الشفوية التي تمت.

 فالوثيقة تتحدث تارة عن الثورة السلمية، وعن الهبة الشعبية تارة أخرى وعن الحراك في فقرات أخرى، وهي كلمات تحمل دلالات مختلفة لغويا وفلسفيا وسياسيا.

وبعيدا عن الانتقادات الشكلية واللغوية فإنه يمكن التوقف عند التساؤل المركزي التالي: هل من حرر الوثيقة ومن نسق المبادرة يريد إنقاذ منظومة الحكم، أو إنقاذ الدولة، أو المحافظة على الأمة، أو الانتصار للثورة؟

عندما تدقق في  الوثيقة، تكتشف أن انشغالها الأساسي يتلخص في الذهاب و في أسرع وقت ممكن إلى الانتخابات الرئاسية، وهو يوحي بأن هذا النص يتناغم مع آخر خطاب لرئيس الدولة الذي انتهت شرعيته الدستورية يوم العاشر جويلية الحالي، كما يعبر عن طموح جزء من الطاقم السياسي لركوب قطار الثورة بغية الوصول إلى قصر المرادية بمباركة السلطة الفعلية.

 وبالإضافة للعيوب التي تضمنها النص، فإن البحث في مسار وهوية الكثير ممن حضر الندوة، يؤكد لنا أن الكثير منهم على علاقة بمختلف صالونات وعصب وعصبيات منظومة الحكم. وأن انشغال الكثير منهم ضمان استمرارية احتكار العصب للسلطة عوض التداول على الحكم ديمقراطيا وبناء دولة حديثة تخرج الجزائر من جنون سلطة الشخص الواحد، ومن منطق السلطة بشكل عام إلى منطق الدولة.

وما حدث في شارع زيغوت يوسف يؤكد هذا، حيث يبين فرض سليمان شنين كرئيس للمجلس الشعبي الوطني، خطوة جديدة في المبادرة المناورة، حيث كان حزب شنين عضوا في الندوة رفقة حزب جاب الله و مقري و بحبوح احد الوجوه السابقة للأرندي وغيرها من الوجوه، كما أن تعيينه يدخل في سياق التضليل، خاصة و أن رئيس حركته عبد القادر بن قرينة قال أمس أن “شنين هو ابن الحراك و يملك شرعية الحراك”، وما لم يقله بن قرينة، أن شنين كان رفيقه في حركة محفوظ نحناح، و أنه دخل البرلمان عن قائمة قادها حسان عريبي القيادي في حزب جاب الله و المعروف علاقاته بشبكات محمد مدين المعروف باسم توفيق، و بأنه يملك جريدة ‘الرائد’ التي استفادت من ريع الإشهار العمومي، و بأن مشاركته في الحراك لا تعطي له أية شرعية، و لا يمكن لأية شرعية أن تعطيه الحديث باسم الحراك.

                 أجهزة حزبية تزرع الألغام  التي تؤدي لاستمرار النظام

مبادرة الأجهزة الحزبية التي شاركت في ندوة عين البنيان، لا تختلف في العمق عن الأجهزة الحزبية التي أطلقت مبادرة الانتقال الديمقراطي، و التي حضرها عبد العزيز رحابي كذلك،، من حيث أن هذا التجمع هو اصطفاف آخر يريد إعادة الاصطفاف الأيديولوجي القاتل و الذي لا علاقة له بفلسفة الثورة السلمية التي  أسست لثقافة التنوع و الوحدة لبناء التوافق التاريخي لتغيير كل المنظومة.

الأجهزة الحزبية اليوم ودون استثناء التي شاركت أو قاطعت ندوة عين بنيان، غير قادرة على فهم ما يحدث في المجتمع، و أصبحت اليوم لا تشكل جدارا أمام طموحات الثورة السلمية فقط، بل تساهم في زرع الألغام في طريق استمرارية الأمة وتماسك نسيجها الاجتماعي، لأن صناعة الفرقة والتقسيم والتأجيج في المجتمع هي مسألة نسقية بالنسبة لها، وبقاء منظومة الحكم الحالية وتجديدها هو شرط أساسي لضمان بقائها، بل و الكثير من القيادات الحزبية متيقنة أن بقاءها مرتبط بنجاحها في التحالف مع السلطة الفعلية لإعادة إنتاج المنظومة.

فبين قيطو البديل الديمقراطي الذي يرتبط الكثير من قياداته بجزء من عصب المنظومة، وقيطو ندوة الحوار الذي ضم قيادات أخرى من تيارات تحمل تسميات أخرى من المؤكد أنها على علاقة بشبكات وعصب وعصبيات أخرى، يبقى المجتمع بكل تنوعاته الاجتماعية والعمرية والمهنية والفكرية اليد في اليد منذ 22 فيفري الماضي، ويسير في طريق دفن كل المنظومة وغرس بذور الوعي السياسي والوطني الجديد الذي يبني الدولة ويوحد الأمة ويقطع نهائيا مع العصب والعصبيات وانتخابات الكوطة وتعيين الرؤساء، وهو طريق شاق ومضني يجب أن يواجه كل المناورات و المغامرات، فإعادة انتاج المنظومة خطر على الدولة و الأمة و أي تصعيد مهما كان قد يفتح أمام مغامرات العنف، و المجتمع يريد أن تبقى ثورته سلمية لبناء جزائر أخرى لن تنتج لا الفساد و لا الاستبداد.

*رضوان بوجمعة أستاذ بكلية علوم الاعلام والاتصال بجامعة الجزائر 3


Nombre de lectures : 1855
Pas de commentaires

Laisser un commentaire

*

*

Lire aussi