يومية الجزائر
Édition du
15 October 2019

معاناة مالك بن نبي رحمه الله

عبد الحميد شريف، بروفيسور في الهندسة المدنية

قبل نحو ثلاثين سنة حضرت نقاشا حول فكر مالك بن نبي مع بعض تلاميذه ولاحظت أنه لم يُترحم عليه ولو مرة واحدة رغم ذكر إسمه عشرات المرات. وقد يعود إنتباهي لذلك لتوبيخ تعرضت له في صغري لما سمعتني جدتي أذكر والدي وعمي الشهيدين عدة مرات دون أن أترحم عليهما. رحم الله الجميع.

وحتى الإنسان العبقري خُلق ضعيفا

رغم صلاتنا وسلامنا على خير خلق الله، صلى الله عليه وسلم، والدعاء له عدة مرات يوميا إلا أننا نعتقد لا شعوريا أن عظماء الأمة في غنى عن دعائنا. مع أن عظمتهم مرتبطة بتضحياتهم قبل عبقريتهم. ومالك بن نبي لا يشذ عن القاعدة بل قد يكون من أكبر رموز الصبر والثبات وجهاد النفس الملازم لجهاد العقل !

مهما منحت من تميُّز وتفوُّق فإن العبقرية لا تخفف الألام والأحزان ولا تبطل رغبات النفس الضعيفة، بل إنها غالبا ما تكلف بلايا لصاحبها بسبب إفراط الغير في التطلعات المنتظرة منه والخيبة الزائدة كلما خاب الظن فيه.

والسيمات الفكرية والأخلاقية الفذة التي تميز بها مالك بن نبي لم تكن لتمُرّ دون إثارة الحسد عند البعض وذمها كعُجب وكبرياء تماما كما يشيد أخرون بالسذاجة كتواضع وإن إقترنت بالخبث !

الدعاء المستجاب

في صباح من شهر جوان 1936 بعد صلاة الفجر وهو بصدد الحصول على شهادة مهندس كهرباء في باريس، أخذ الشاب مالك يتأمل في المجد الذي ينتظره وهو واع بمهاراته الإستثنائية. فإذا بنصائح والدته تغمره مرة أخرى. فوقف يتأمل في المرآة ثم دعى ربه متضرعا : “يا إلهي أنا لا أريد نصيبي في هذه الدنيا !”

وقضى مالك بن نبي باقي حياته يتذكر ذلك اليوم وذلك الدعاء، وكم مرة ضاق به الأمر لحد مناشدة خالقه : “يا إلهي كأنك أخذت كلامي على محمل الجد فوق طاقتي !”

فقبل الإشادة به وبفكره فإن أول حق لمالك بن نبي علينا هو الدعاء : اللهم إننا نسألك بكل أسمائك الحسني وصفاتك العلى أن ترحم مالك بن نبي وتغفر له وأن تجازيه عنا وعن الوطن وعن الإسلام والمسلمين كل الخير وأن تخصص له مكانا في الفردوس الأعلى – آمين !

فتعالوا معي نترك فكر مالك بن نبي جانبا لنتعرف على معاناته قبل وبعد الإستقلال !

معاناة مالك بن نبي قبل الإستقلال

بمحاضرته “لماذا نحن مسلمون ؟” في 1931، أشعل مالك بن نبي حربا شرسة ضد لويس ماسينيون أقوى رجل فرنسي. إضافة إلى علمه الموسوعي ودهائه الإستثنائي كان ماسينيون يتمتع بصلاحيات رئيس دولة وتقديس بابا الفاتيكان. وكانت كل النخب العربية والإسلامية في فرنسا معجبة به وبمساعداته المتنوعة (1).

في بداية القرن العشرين كان ماسينيون رفيق لُورنس العرب وشارك في إتفاقيات سايكس بيكو وناضل من أجل موطن لليهود مع صديقه وايزمان الذي أصبح رئيسا لأسرائيل. وبدفاعه عن حقوق اللاجئين الفلسطينيين وغيرها من مخادعاته الإنسانية استطاع إستقطاب المثقفين المسلمين إلى حد تنصير بعضهم مثل “الحاج محمد عبد الجليل” الذي أصبح “الأب محمد عبد الجليل”

بفضل صداقته لمالك بن نبي عرف حمودة بن ساعي حقيقة ماسينيون فانفصل عنه في 1932 “أنت أسوأ من مجرمي المحرقة الجماعية في الظهرة.” بن نبي و بن ساعي كانا يشكلان “العدوين الوحيدين” لمشروع “دفن القرآن”. متاعب بن نبي مع “العنكبوت” كما كان يسمي ماسينيون لإتساع شبكته التأثيرية، موصوفة في كتابه “التعفنات” ونلخصها فيما يلي :

  • رسوب في الإختبار الشفوي بعدما تصدر ترتيب الإمتحان الكتابي
  • حرمانه من الحصول على الشهادة
  • منع التوضيف في عدة أماكن في فرنسا وفي بلعباس بالجزائر
  • رفض منح الفيزا للعمل في مصر والسعودية وفي بلدان أسيوية
  • تسريح والده من العمل في تبسة من طرف مقرب لماسينيون
  • سجنه لمدة ثمانية أشهر مع زوجته التي دفعت ثمن إعتناق الإسلام

“المهم ليس في حيثيات الظلم والأذى بل في كيفية المواجهة والتحمّل !” سينيكا

هذه المعاناة دامت عقودا من الزمن وتواصلت بعد الإستقلال وواجهها مالك بن نبي بثبات النبلاء رافضا عدة عروض وتسويات مغرية التي كثيرون من كانوا ليقبلوها مُهرولين. وكان يصف صموده بجهود تلك الذبابة المثابرة التي تتمكن من حين لآخر من إحداث ثقوب وأضرار في شبكة العنكبوت.

معاناة مالك بن نبي بعد الإستقلال

من المتاعب والمؤامرات التي واجهها بن نبي في الإستقلال نذكر فقط تلك التي وردت في دفاتره الخاصة كما رصدها الأستاذ عبد اللطيف سيفاوي (2).

تجنب مالك بن نبي ذكر الأسماء وفضل الإستعانة بمجهول الرياضيات. فبعد معاناته مع “العنكبوت” واجه بن نبي مضايقات “السيد (س)”.

منذ رجوعه للوطن في 1963 إلى وفاته في 1973 لم يطبع له إلا كتاب واحد من كتبه. تميزت المرحلة بعراقيل ومحاولات لتهميشه تشمل رفض نشر مقالاته وعزله من إدارة التعليم العالي وإرغامه على إلقاء الدروس في بيته.

22-11-1963 : ” السيد (س) منع وصول إقتراحاتي حول التوجه الثقافي للرئيس بن بلة”

19-12-1963 : “أول محاضرة في الجزائر المستقلة. لم يقم أحد بالإعلان عنها أو بتقديمي”

09-01-1963 : ” بعد دقائق من محاضرتي في الجامعة ألاحظ خروج جماعي منسق لعدة أشخاص. الصراع الإيديولوجي متواصل”

25-02-1964 : “محاضرة في قاعة إبن خلدون. مجموعة أطفال صغار تجتاح القاعة في غياب الحراسة”

01-05-1964 : زيارة مع الدكتور خالدي للشيخ البشير الإبراهيمي

31-08-1964 : “أنا سعيد بوجودي في وطني بعد ثلاثين سنة قضيتها كحيوان مُطارَد”

18-09-1965: “قبل إنقلاب 19 جوان كنت أقدم بعض الأفكار بشكل يوحي أنها صادرة من “الزعيم” الرئيس بن بلة، والآن أنا مضطر لذكر 19 جوان كل مرة. ورغم هذا الثمن فبعض الأفكار لا تُنشر”

19-03-1966 : بن نبي يرفض عرض بومدين لتعيينه سفيرا في الفاتيكان مفضلا بقائه على رأس إدارة التعليم العالي

19-06-1966 : “مقاومتي ضعفت ووسائل السيد (س) تطورت. ضميري مرتاح كأنني الشخص الوحيد في القرن الذي استنفد كل طاقته. الباقي على الله دون نسيان السيد (س)”

15-08-1966 : “السيد (س) عازم على تدمير قلعة مالك بن نبي”

19-08-1966 : إقالة بن نبي من التعليم العالي : “ثلاثون سنة والإستعمار يحاول تحطيمي وفشل، أفكاري تجول كل العالم وتشكل بذور الغد في العالم الإسلامي. أشعر بالتعب وأخشى أن تكون نهايتي مثلما أرادها السيد (س)”

29-03-1967 : الرسائل توقفت : “أشعر أني كذرة وحيدة تقاوم قوى عملاقة”

25-09-1967 : زيارة إلى تاشكند ومفتي المدينة يخبره أنه قرأ الكثير من مؤلفاته وبعضها متوفر في المكتبة. : “الإسلام لا زال صامدا في هذه الديار وكلام المفتي يدل أن مجهودات السيد (س) فاشلة”

10-10-1967 : “في غيابي تم نشر جزء من كتابي حول الأفرو أسيوية مع إضافة فقرة تشيد بالتسيير الذاتي لتحميلي فشل نظام نددت به قبل سنتين في تقرير لبومدين”

24-12-1967 : محاضرة في فرنكفرط مع إقبال كبير ونشر “الإسلام والديمقراطية”

20-01-1968 : مجلة الثورة الإفريقية ترفض نشر “الإستشراق وتأثيره في فكر المجتمع المعاصر”

15-03-1968 : عبد المجيد مزيان يشيد بمالك بن نبي كرائد الفكر والفلسفة : “ضربة قوية للسيد (س) الذي يروج أفكار التغريبيين”

28-09-1968 : تألق إستقطاب خارق في مؤتمر في مصر : “أشعر أني معروف ومحترم أكثر خارج وطني”

03-12-1968 : ستة محاضرات في شهر رمضان : “أشعر أن صدى هذه المحاضرات فاق كل مخاوف السيد (س)”

07-04-1969 : بسبب دوره الرئيسي في تنظيم ملتقى الفكر الإسلامي يشعر بمساعي إنتقامية لإخراجه من مسكنه بعدما فقد منصبه كمدير التعليم العالي : “السيد (س) لديه مخطط تصاعدي لإجباري على مغادرة الجزائر”

09-05-1969 : “أشعر أن الأحقاد ضدي لن تنتهي بعد موتي والسيد (س) سيبحث في كل مكان، حتى في أحشاء أطفالي، لمحو أفكاري”

01-09-1969 : غياب كلي لكتب بن نبي في معرض الجزائر

11-02-1970 : صدور “ماذا أعرف عن الإسلام ؟” مع بروز إسم مالك بن نبي : “هذه هزيمة مدوية للسيد (س) الذي يسعى لإبعادي عن الجامعة”

17-06-1973 : بعد نشاط مكثف (الرياض، بيروت، طرابلس، القاهرة، واشنطن، فيلادلفيا، لوس أنجلس، شيكاجو، تلمسان، بسكرة، شرشال)، مالك بن نبي يشعر بإرهاق حاد : “أحمد الله الذي وفقني لحمل هذا الثقل كل هذه المدة. أنا الآن مستعد للنهاية التي ستريحني من هذا العبئ”

31-10-1973 : وفاة مالك بن نبي رحمة الله عليه

رجوعا لدعاء 1936 “يا إلهي أنا لا أريد نصيبي في هذه الدنيا” فإن الله أخذ فعلا كلامه على محمل الجد وهو أدرى به من نفسه، فنعم النصيب إن شاء الله !

المراجع

(1) https://lequotidienalgerie.org/2014/07/01/la-philosophie-islamique-postcoloniale/

(2) https://www.lejeunemusulman.net/?p=1539


Nombre de lectures : 2629
Un commentaire

Laisser un commentaire

*

*

  • Azzi
    8 août 2019 at 3:48 - Reply

    ان شاء الله في جنة النعيم مع الأبرار. الانسان لما يقرأ هذه السطور فقط يشعر بالمعانات التي كان يقاسيها فأما معايشتها فهذا شئ أخر. اللهم عوض عنه ما عاناه في سبيلك و في سبيل أن تنهض الأمة الاسلامية من سباتها العميق و تعي مشكلاتها و السبل الكفيلة بأخراجها من نفق التبعية و الهيمنة. هذه هي طبيعة الطريق التي ينتهجها كل من يسير على درب الحق.

  • Lire aussi