يومية الجزائر
Édition du
21 September 2019

حرق الأوطان في قصور السلطان!

الجزائر الجديدة 82

ستسير الجزائر الجديدة في التأسيس لثقافة الحوار، عندما يتم غرس أخلاقيات تولي المسؤوليات وقبول النقد والرضوخ للمساءلة من قبل كل من يسير وعلى مختلف المستويات. 
في ذلك الوقت سيتعلم كل من أخفق ثقافة الإنصات التي تحتم عليه قبول النقد والاعتذار عما اقترفه، والانسحاب من الفضاء العام عندما تتأكد مسؤولياته في ذلك.
الأمة الجزائرية ومنذ 22 فيفري الماضي تسير في طريق إرساء هذه الثقافة، ولهذا هي تعبر عن رفض كل الوجوه التي ساهمت فيما نحن فيه أو استفادت بشكل أو بآخر من ريع السلطة ومعاشرة قصور السلطان، لذلك توحد الجزائريون والجزائريات ببرنامج سياسي وأخلاقي عنوانه “يتنحاو قاع”. 
هذا العنوان يرتبط بإرادة التغيير الجذري ومن العمق، ورفض شامل لكل الوجوه التي ساهمت من بعيد أو قريب في إيصال الجزائر إلى ما وصلت إليه من فساد واستبداد، ومن انتشار لثقافة الريع التي جعلت الكثير من “النخب” تعمل كل شيء – معقول وغير معقول – من أجل التعيين بمرسوم رئاسي وتبوأ المناصب التي تسمح لها بالعيش في رفاهية وثراء فاحش دون جهد ولا عمل..
هذا البرنامج الواضح في عمقه وشعاراته وسلميته ووطنية انتشاره… يبين أن الأمة الجزائرية أصبحت لا تثق في كل من هلل وصفق وساند وبايع منظومة الحكم، والجزائريون والجزائريات أصبحت حساسيتهم كبيرة ضد كل هؤلاء فرادى وجماعات، أحزابا وجمعيات ووسائل إعلام… وكل الشبكات والعصب التي ساهمت في تشكيل المنظومة والمحافظة عليها، لأن هؤلاء في نظرهم متهمون بالخيانة العظمى لأمانة الشهداء وبالتسبب في حرق البلاد وقتل وتعذيب واختطاف وإقصاء الأمة الجزائرية.
ولذلك حتى لما حاولت السلطة الحديث عن الحوار، وحددت له نقطة واحدة كهدف، وهي الذهاب نحو انتخابات رئاسية في أقرب وقت ممكن، توجس الجزائريون والجزائريات من الأمر، لأنهم تذكروا أن المنظومة كثيرا ما استخدمت الاقتراع كآلية من آليات الإقصاء وقمع الشعب باسم صناديق الانتخابات التي لا تعطي شرعية شعبية ولا تصنع رئيسا قويا، بقدر ما هي إجراء إداري تحول إلى آلية من آليات تعيين موظف برتبة رئيس ضعيف يعمل عند عصب وشبكات المنظومة خدمة لها وضمانا لاستمراريتها وبقاء مصالحها.
الشخص الذي عينته رئاسة الدولة بمباركة السلطة الفعلية كمنسق للجنة الحوار والوساطة، خرج اليوم بخطاب أقل ما يقال عنه إنه كثير الارتباك والتوتر والنرفزة، وهي من أهم الأشياء التي لا يجب أن تتوفر في شخص يكلف بأداء دور الوساطة والحوار، والأغرب من ذلك أن هذا الشخص خرج لاتهام كل من ينتقد أو يتحفظ أو يرفض حوار لجنته بجدول أعماله بأنه يريد حرق البلد، وهو اتهام خطير يبين استمرار السلطة بنفس التركيبة الذهنية التي تسعى لتخوين كل من لا يرى ما لا تراه، والأخطر من كل ذلك أن ارتباك المنسق العام إلى هذه اللجنة يُعطي انطباع أنه تحت ضغط نتيجة الحوار وهو الذهاب للانتخابات وتحديد موعدها، وهو رهان السلطة الفعلية ببعض عصبها الموجودة تحت ضغط الأمة وتحت حسابات العصب والزمر الأخرى التي ترى نفسها ضحية سلطة الأمر الواقع اليوم، وكل عصبة تسعى إلى المناورة من أجل عودتها لممارسة السلطة بالعنف والإقصاء.
ما لا يريد أن يراه المنسق العام للجنة، هو أنه هو والكثير ممن يشكلون اللجنة، هم جزء من المنظومة ومن شبكاتها، بل وجزء من العصابة وأذنابها بتعبير قائد الأركان، فهو شخصيا كان أحد أذرع علي بن فليس الذي كان مديرا لحملة بوتفليقة سنة99 ورئيسا لديوانه بالرئاسة ورئيس حكومته والأمين العام لحزب الرئيس، كما أنه كان رئيسا للمجلس الشعبي الوطني بتوافق بين شبكات التوفيق والعربي بلخير ومحمد العماري بتزكية من عبد العزيز بوتفليقة، وتنحيته من رئاسة المجلس جاءت بعد صراعات عصبة التوفيق المتحالفة ظرفيا ضد عصبة محمد العماري الذي عول على بن فليس في رئاسيات 2004، وبانه هو جزء من هذه الشبكات، وبأن خسارته رئاسة المجلس لم تمنعه الاستفادة من ريع قصور السلطان التي أحرقت وأفلست البلد، فهو الذي حافظ على إقامته في نادي الصنوبر منذ 2004 إلى اليوم، وقلقه اليوم هو من قلق العصبة التي ينتمي إليها من أجل العودة لقصور السلطان، في محاولة أخرى لفرض تداول العصب على السلطة، ضمانا لإعادة إنتاج منظومة انتهت تاريخيا، وكل محاولة لإعادة إنتاجها تعتبر تنظيما لعملية حرق ممنهجة للبلد كدولة وكأمة ونسيج اجتماعي، لأن الواقع اليوم يؤكد أن حرق الأوطان كثيرا ما تم في قصور السلطان، وما تعيشه الجزائر منذ أكتوبر 88 على الأقل يؤكد ذلك. 
لذلك فحب الوطن اليوم هو الديمقراطية الحقة التي تقطع مع سياسة حرق الأوطان من قبل عبدة الأوثان من عاشقي سلطة الفرد الواحد والفكر الواحد والرأي الواحد.. سلطة أنتجت عصب وعصبيات دمرت البلاد وصنعت الموت واليتم بعشرات الآلاف وملايين الضحايا الذين يرفضون تغيير الوطن ويقومون بمقاومة من أكل ريعه ويرفضون أن يعاد حرقه ممن احترف الحرق والقمع والإقصاء.

الجزائر في 18 أوت 2019 
تحرير وتصوير رضوان بوجمعة


Nombre de lectures : 769
Pas de commentaires

Laisser un commentaire

*

*

Lire aussi