يومية الجزائر
Édition du
12 November 2019

الاستبداد عاريا



بقلم الإعلامي الحر: نجيب_بلحيمر

بعد ليلة قضاها محتجزا لدى الدرك الوطني عرض أحمد بن محمد على قاض وضعه تحت الرقابة القضائية التي تعني تجريده من كل الحريات بما فيها حرية التنقل، أما التهم فلا تختلف عن تلك القائمة المتداولة منذ أسابيع والتي تتراوح بين إضعاف معنويات الجيش، وعرض منشورات من شأنها المساس بالوحدة الوطنية، وإهانة هيئة نظامية، وبحكم الرقابة القضائية يصبح أحمد بن محمد ممنوعا من المشاركة في المظاهرات أو الاتصال بمن يشارك فيها، كما انه ممنوع من الاتصال بالصحافة، باختصار إنه صار خارج دائرة التأثير، فهو سجين خارج الزنزانة والأسوار.
الأمر بسيط وواضح، يجب إسكات كل صوت يمكن أن يشوش على الانتخابات، ولا يهم إن كانت الوسيلة غير قانونية، ففي اليوم الذي تقرر فيه إخضاع بن محمد للرقابة القضائية، كان رئيس أركان الجيش يقول في خطاب جديد “إن إطلاق سراح من أهان العلم الوطني هو من الاقتراحات المرفوضة شكلا ومضمونا” وهو مصر على اعتبار من رفعوا الراية الأمازيغية أهانوا العلم الوطني رغم أنه سبق لمحكمة في عنابة أن برأت أحدهم وأطلقت سراحه وأعادت له الراية المحجوزة، وهو لا يتردد في إصدار أحكامه حتى قبل أن تنطق المحكمة التي يفترض أن تفصل في حالات شباب يحاكمون بهذه التهمة لاحقا.
سيتعين علينا صرف النظر عن الزاوية القانونية فيما يجري، فالأمر كله متعلق بالانتخابات التي يراد فرضها بالقوة، وبحسب الخطة التي اتضحت معالمها منذ أسابيع فإن المطلوب هو تغييب كل الأشخاص الذين تعتقد السلطة انهم مؤثرون ويساهمون في تجنيد الناس للتظاهر وينشرون خطابا يرفض هذا الخيار، وتقوم هذه الرؤية على تجاهل حقيقة أن الانتخابات لا تتمتع بالمصداقية، وأن الرأي العام يعتقد بأن اللعبة كلها هي تعيين شخص آخر يواصل سياسات بوتفليقة، وكثير منهم يرى أن عبد المجيد تبون سيكون ذلك الشخص، لكن هذه المرة بدل إرسال بن محمد إلى السجن تقرر وضعه تحت الرقابة القضائية بما يلائم السياق الذي جاء فيه الاعتقال والذي يطبعه إضراب القضاة وحديثهم عن استقلالية القضاء، لكن في النهاية لا فرق بين الحبس المؤقت والرقابة القضائية من حيث تحييد الشخص المستهدف، وفي الحالتين يكون القضاء قد استعمل من قبل السلطة التنفيذية ( كما يحب أن يقول القضاة في بياناتهم الغاضبة) كعصا غليظة ضد المعارضين.
ليست استقلالية القضاء وحدها التي تضررت بالتحييد السياسي لبن محمد، بل سقطت أيضا الدعاية التي كانت تروج لوهم القيادة الجديدة التي تخوض حربا على الاستئصاليين، فأحمد بن محمد الذي قدمته وسيلة إعلامية إلكترونية كـ “ناشط في الحراك” هو من أبرز الوجوه التي تعرضت للتنكيل الذي مارسته عليه ما صارت تسمى الآن القيادة الاستئصالية للجيش، وهو من موقعي العقد الوطني سنة 1995 الذي طرح كبديل عن الحرب المدمرة التي فرضت على الجزائريين في تسعينيات القرن الماضي لكن مقترحيه قوبلوا بالتخوين، كما حورب أحمد بن محمد في لقمة عيشه عندما حرم من مزاولة عمله في الجامعة، غير أن هذا كله لم يشفع له حتى يحصل على تضامن من يفترض فيهم أنهم إخوته في حمل المشروع السياسي الإسلامي.
سقط وهم الحرب الإيديولوجية التي يقودها سادة المرحلة، ومعه سقطت كل أطروحات الدولة العميقة التي تتلاعب بالشارع وتجيره لخدمة مصالحها، ولم يبق إلا مشروع تمديد عمر النظام المتهالك من خلال فرض الانتخابات بالقوة، انتخابات اكتشف من دعوا إليها واعتبروها الخيار الوحيد، انها ستأتيهم ببقايا البوتفليقية لتدخل البلاد في حلقة جديدة من مسلسل مظلم، غير أن هذا المخطط سيجد في مواجهته شعبا مصمما على انتزاع حريته وإنقاذ وطنه.


Nombre de lectures : 2338
Pas de commentaires

Laisser un commentaire

*

*

Lire aussi