يومية الجزائر
Édition du
13 December 2019

جماليات النموذج الثوري الجديد


بشير عمري

 22/11/2019
https://alsiasi.com/

انتشر عبر مواقع التواصل الاجتماعي فيديو لشخص يحمل السلاح ويهدد شريحة من الجزائريين بالقتل، متوعدا من يجرؤ على عرقلة إجراء الانتخابات الرئاسية في 12 ديسمبر المقبل بالحرب، ما أثار حفيظة الجزائريين واعتبره كثير منهم انحراف خطير في لغة التخاطب بين المعارضين لخط الانتخاب والداعين إليه كحل للازمة السياسية التي أوقع بوتفليقة وأسرته ونظامه الجزائر في فخها بعد 20 سنة من التدمير الممنهج للمؤسسات الدولة، وإيصالها إلى هذا المستوى من التخاطب الشنيع بالشوفينية والشعوبية المقيتة التي لا عهد للمجتمع الجزائري بثقافتها حتى في أحلك أيام حربه الأهلية في تسعينيات القرن الفائت التي قادته إليها شلة من عساكر فرنسا ممن التحقوا متأخرين بثورة التحرير الوطني عشية الاستقلال سنة 1962.

وبصرف النظر عمن أوعز لذلك الشخص البادية الأمية التاريخية من لهجته وخطابه، ما الذي يمكن فهمه مما تلفظ به؟ لماذا يحاول النظام إقناع الناس بمستوى التبديل لا التغيير كخيار ثوري؟ وهل منطق الثورة يقف عند قرع القشرة دون النفاذ إلى عمق القوقعة الثورية؟

رفض التجديد الوطني أو حين تتحول الثورة إلى عورة !

لفرط مصادرة النظام للتاريخ الوطني واحتكاره لفلسفة خطاب الثورة، لم يعد الجزائري بذلك الوسع من الفهم للسلوك الثوري وخطابه بوصفه ذلك التفجر التقائي للحاجة إلى التغيير العميق في ظل انكماش القدرة على الاستجابة لتلك الحاجة من قبل النظام القائم بكل آلياته وأدواته وأجهزته، بسبب التطور الحاصل في المجتمع على كل الصعد والأنساق.

وعليه صارت الثورة عورة وطنية وخروج عن الإجماع والعقد الوطني لا بل العقيدة الوطنية، وهو ما تمترس واحترس به النظام طوال العقود الستة التي حكم بها البلاد دارئا به عن نفسه كل محاولات التغيير التي تقتضيها نواميس الكون وقوانين التاريخ، مكتفيا بالتبديل الذي يقف عند القشرة من خلال رتوش يجريها على ديكوره وأشخاص ينوب بعضهم الآخر في الأدوار لا الأفكار.

ثالوث الثوري الجديد

هكذا إمساك واستمساك بالوضع القائم الذي يُفرض على الأمة، ليس يعمل أكثر ما يعمله هو على تكتيم الحال وتكميم الأفواه عن التعبير بخصوص رفض كل ما باتت تراه مبتذلا في الوضع القائم يقتضي الخلاص منه المرور الحتمي إلى التغيير عبر آلياته وأدواته الثورية السليمة، وأجمل ما بات يطبع ثورات هذا القرن الجديد هي ثلاث مظاهر، أولا شعبيتها (لا نخب عسكرية، أو ثقافية أو سياسية) تقودها، ثانيا سلميتها (لا عنف ولا انتقام ثوري) لا إيديولوجيتها (أنها مرتبطة بواقع حال الجماعة الوطنية بتعدديتها وتنوعها) وهذا ما يوضح صدمة النظام الذي تأسس واستمر على غياب أو تغييب هاته المظاهر، لا بل انه يظل يفعلها بشكل تناقضي صدامي حتى يشغل المكونات الشعبية بنفسها عنه.

مع الأسف لم تنتبه النخب المثقفة التي لم تسقط في أفخاخ الأدلجة والتسييس و”العَنْصَرة” إلى ذلك الثالوث الجمالي للثورة الذي أبدعته العبقرية الثورية الشعبية، لتصوغ منه مشروعا مجتمعيا جديدا يكون من مقتضياته التأسيس لنظام وطني جديد يقطع مع ممارسات القديم، ويعمل على تحرير منه كل الرموز والمواثيق التأسيسية للوطنية الأولى التي بقي يستعملها عبر أبواق التأويل الأحادي الخاطئ من قبل نخبه المنتفعة من الريع.

والواضح أيضا هو أن المتسائلين عن سر عجز النظام عن سحق الحراك الثوري، مثلما كان يفعل في السابق، لم يفهموا المعطى الطارئ في المجتمع الجزائري اليوم الذي صار بوعي وطني آخر يتجاوز الاصطفافات الإيديولوجية والسياسية الحزبية والجهوية والثقافية التي كان يوظفها النظام بإحكام ليحكم سيطرته على العقل الوطني.

فكل ما عمل الحراك هو انه بتجاوزه لتلكم الخصوصية المرحلية وما طبع بنيتها من تناقضات تصارعية غير تكاملية قد أبطل مفعول إبطال الثورة عند النظام وبالتالي انكشفت محدودية الخيال السياسي وانقضاء مخزونه لدى دوائر البيت العتيق في حكم الجزائر.

كما لم يفهم هؤلاء أيضا أن عملية تثوري المجتمع بالمطالب التي ظل يطرحها الخطاب السياسي لمعارضة بائسة قطعت أصولها عن التعددية السياسية الحقيقية الأولى (1989-1992) مثلما أخطأ رجال الحركة الوطنية عندما قطعوا مع عائلاتهم السياسية من تنظيمات وتشكيلات حزبية وثقافية وذابوا في حزب واحد سنة 1954 (حزب جبهة التحرير الوطني) لم تعد ممكنة بسبب الارتقاء الكبير للوعي المجتمعي بالسياسة والمسألة الوطنية، لهذا فثورته الحراكية اليوم التي أدهشت وألهمت العالم كله صارت فلسفة جديدة في معارضة النظام القائم منذ 1962 لا يملك وسيلة تحريفها أو الالتفاف عليها بل واختراقها حتى، ما حدا به عبر عديد الأبواق إلى دعوته إلى أن تفرز قيادة، واللجوء إلى ذلك أمر بداهة غير ممكن لأن الحراك ليس حركة علانية لجماعة كانت تعمل في السرية، وليسه كما أشرنا تعبيرا إيديولوجيا أو اجتماعيا هي في الحقيقة كل هاته العناصر، وهي عناصر القوة التي تبقي الحياة في جسد الحراك.

خلاصة القول هي أنه بات حريا بمشتغلين بعلم الكلام السياسي بالجزائر، على البلاتوهات الفضائية الباردة الباركة في منتصف طريق الثورة الحراكية، أن يعلموا بأن “الثورة” هي حاجة من حاجات الشعوب التي عليها قضاءها في التاريخ تماما كما يقضي الجسد الإنساني حاجته اليومية البيولوجية، يطرح الشعب عبرها ما علق بكيانه ووعيه من أفكار مسمومة وموشومة ليتغذى على أخر جديدو تعيد إليه دبيب الحياة.

الشعب اليوم يريد أن  يتخلص من فكر وشاكلة تدبير وطني صدأت وابتذلت ولم تعد بقادرة على الاستجابة لحاجته الجديدة في التاريخ، فالمجتمع نما لديه وعي القبول بالتنوع و مزية الاعتراف بالتعدد، على كل المستويات الثقافية، السياسية والفكرية وهما (التنوع والتعدد) بطبيعتهما ومنطقهما ومقتضى تفعيلهما يفرضان حركة مؤسساتية داخل بنيتي المجتمع والدولة تشمل كل أجهزته وسلطه وهو ما يتهدد النظام الباسط بقبضته الكلية والشاملة على كل تلكم الأجهزة والسلط بالفناء، وعليه فهو بحجة الخوف من التنوع والتعدد ومن خلال مسلكيته المقاومة لمد الحراك التغيري الجارف عبر شيطنة الخطاب الداعي لتفعليهما يرفض التغيير ويصر على مجرد التبديل، وفي السياق هذا تأتي الانتخابات الرئاسية القادمة وما يواكبها اليوم من جدالات وسجالات على مختلف المستويات.

بشير عمري

كاتب سياسي جزائري


Nombre de lectures : 1694
Pas de commentaires

Laisser un commentaire

*

*

Lire aussi