يومية الجزائر
Édition du
28 March 2020

الحرية والرِّدة والخيانة


عبد الحميد شريف – بروفيسور في الهندسة المدنية

“فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون”. في إطار هذا التوجيه القرآني يندرج هذا التحليل بطابع إستفساري حول موضوع جدلي تقليدي بقي محافظا على كل تداعياته.
المرتد هو شخص يتخلى عن دينه علنية، وإذا كان الأمر مرتبطا ضمنيا بحرية المعتقد فإن مفاهيم أخرى واردة لأن عبارة الردة استُعملت أثناء حروب مقدسة وهي تعني التمرد والخيانة. وحتى في زمن السِّلم قد نجد متمرِّدين يحتفون بتحرُّرهم بطرق استفزازية وحتى عدائية (كمال داود وأمثاله). ولكن بصفة عامة مفهوم الردة الفكرية مرتبط بشخص ملتزم بباقي مسؤولياته الإجتماعية والثقافية.
التيار السائد في الإسلام منذ قرون يُقِر بحرية أولية في المعتقد ولكنه يمنع التراجع ويحكم بقتل المرتد بعد إستتابة تُقدَّر غالبا بثلاثة أيام. الإلتباس الهام بين التراجع الفكري البحت والخيانة السياسية أو العسكرية لم يلق اهتماما كافيا. يجدر التوضيح أن تنفيذ هذه الفتوى نادر جدا وقد يكون غير مسبوق.
هذا الحكم يصتدم مع آيات قرآنية كثيرة تقِرُّ بوضوح بحرية المعتقد. “لآ إكراه في الدين – لكم دينكم ولي دين – من شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر – أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين ؟” آيات طويلة أخرى تصف أشخاص مذبذبين بين الإيمان والكفر قبل أن يستقر الإلحاد في قلوبهم. في كل الحالات تكون العقوبة شديدة ولكنها في الآخرة. لا توجد أي إشارة لعقوبة دنيوية. حد قتل المرتد يرتكز أساسا على حديث واحد للرسول صلى الله علية وسلم في صحيح البخاري : “من بدَّل دينه فاقتلوه”
هذا الحديث لم يرِد في صحيح مسلم وفي التأويل الذي حظي به يتناقض مع باقي السُّنة النبوية وسيرة الرسول الممتدة لثلاثة وعشرين سنة. ألم يقبل هذا الأخير في صُلح الحديبية ورغم معارضة أصحابه السماح للمقبِلين الجدد على الإسلام بتغيير أراءهم بل حتى بتغيير الصف والعودة إلى قريش ؟ إذا اعتبرنا أن هذا القرار يهدف لحماية دين جديد غير مُتمكِّن بالقدر الكافي فكيف نُفسِّر أن في أعز سلطانه في المدينة المنورة لم يقم الرسول صلى الله عليه وسلم بمعاقبة المنافقين المكشوفين بالوحي بل ورفَض حتى فضحهم وكشف أسماءهم ؟ سُنّة الرسول صلى الله عليه وسلم تشمل خاصة سيرته الفعلية بأعماله وتوجيهاته المتكررة والتي لا تدع مجالا واسعا للتأويلات الغريبة.
مِحنة الردة الكبرى ابتُلي بها أبو بكر الصديق رضي الله عنه من خلال تمرد جماعي بقيادة رؤساء بعض القبائل يهدد مصير الإسلام بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم. وتمكَّن الصديق بصرامة فاجأت حتى عمر بن الخطاب بردع ذلك التمرد. وقد يكون لهذه الصفحة المجيدة وتسميتها بحرب الردة أثر كبير في ترسيخ التشدد ضد التراجع الفكري والردة العقدية.
قليل ما يُدرَج موضوع الردة الحساس في النقاشات العامة ولكن هذا الإحتراز أصبح مُضرا وكثيرون من صاروا يتهجمون على الإسلام من هذا الباب معتبرين الحكم بمثابة هفوة استراتيجية. وهؤلاء ليسوا حتما من أكبر أعداء الإسلام بل قد تُمثِّل هذه الفتوى سلاحا ثمينا لدى خبراء التنوير الإستراتيجي في الغرب، وهو سلاح يستوجب بالنسبة إليهم المحفاظة عليه لمواصلة إقناع الضمائر الحية لكثير من النخب لتأييد الظلم ضد المسلمين وتدعيم الصهيونية والأنظمة القمعية والشمولية في العالم الإسلامي.
والغريب في الأمر أن الحرس القديم (والجد محروس) في العالم الإسلامي يتهم الذين يتحفظون على هذا الحكم بأنهم متأثرين بالثقافة الغربية وأذنابها باسم حقوق الإنسان. لا شك أن هناك نخب لا ترى مخرجا إلا في منهج التوَدُّد معتبرين تنازلاتهم الدينبة ضئيلة وفي نفس الوقت ضرورية وكافية لتقليص قبضة العالم المسيحي اليهودي. ورغم أن تنصلاتهم تُقابل بتشجيع محتشم وبطلب قوي للمزيد، فإن هؤلاء لا ييأسون من حصد الرضى الكامل ولا يُتوجون به إلا بعد الإنسلاخ التام. وبين هذه الفيئة وتلك المتشبتة بالنظام المحافظ السائد تتخبط نخب الوسطية وتعجز عن إسماع صوتها ويتهمها كل طرف بالعمالة للطرف الآخر.
حجج المدافعين عن حد الردة
الخروج من الإسلام أمر خطير جدا لا جدال فيه وكل مسلم يفضل الموت على ذلك، ولكن هذا موضوع آخر. الأمر يتعلق هنا بالحرية التي منحها الخالق للبشر، وعدم التمييز بين الموضوعين ما هو إلا عجز فكري ولا جدوى في عرضه كدليل إيمان قوي أوغيرَة مميزة على الدين.
لننظر في حجة المؤيدين لحد الردة. النقاط السبع التالية هي لشخصية بارزة وهو الشيخ صالح الفوزان (1) حفظه الله.
1/ “حدُّ الردة ثابت بإجماع الفقهاء”
حتى إذا وافق أغلب العلماء على هذا الحكم فلا يمكن الزعم أن هناك إجماعا، وأشهر المعارضين الأوائل هما إبراهيم النَّخَعي (47-96 هـ) وسفيان الثوري (97-161 هـ).
“أتستفتوني وفيكم إبراهيم ؟” هكذا قال سعيد بن جبير مستنكِرا طلب أهل الكوفة إفتائهم، تقديرا للنخعي الذي وصفه الإمام أحمد بن حنبل “بالذكي الحافظ وصاحب سُنّة” والذي كان يروي الحديث مع شرح المعاني بشهادة عبد الله بن عون (2). عاش مُختف من الحَجّاج ويوم وفاته قال عنه عامر الشعبي : “ما ترك أحدًا أعلم منه أو أفقه منه لا في البصرة ولا في الكوفة ولا في الحجاز ولا في الشام”. إبراهيم النخعي كان يرى أن المرتد لا يُقتل بل يُستتاب إلى أن يتوب أو حتى يموت.
ونفس الحكم اعتمده سفيان الثوري (97-161 هـ) الذي كان متحفظا على حديث حد الردة. سفيان الثوري مؤسس لمذهب معروف باسمه لا زال معتمدا في خراسان (3). جده شهد موقعة الجمل في صفوف جيش علي بن أبي طالب رضي الله عنه. قال الذهبي عن الثوري : “هو شيخ الإسلام، الإمام الحفاظ، سيد العلماء العاملين في زمانه”. وقال عنه بشر الحافي:  “سفيان في زمانه كأبي بكر وعمر في زمانهما”. وقال النسائي عنه : “هو أجلُّ من أن يُقال فيه ثقة”. وقال عبد الله بن المبارك : “كتبت عن ألف ومائة شيخ، ما كتبت عن أفضل من سفيان”. بعد وفاة أبي حنيفة في سجن الخليفة المنصور لرفضه تولي القضاء، سأل المنصور عمن يلي أمر القضاء، فأشاروا بسفيان الثوري ووصفوه بأعلم أهل الأرض، فأرسل في طلبه وهو يتهرّب حتى اضطر إلى الخروج من الكوفة إلى مكة، فأرسل المنصور في الأقاليم بمنادٍ يقول : “من جاء بسفيان الثوري فله عشرة آلاف”، ففرَّ الثوري وظلّ يتنقّل بين البلاد متخفيًا حتى وفاته.
يصعب جدا تفهم تجاهل البعض، مثل الشيخ الفوزان، لهتين القامتين إبراهيم النخعي وسفيان الثوري، فقط للإبقاء على الإجماع المزعوم. إنه لأمر لا يقِلُّ نجاعة ولا غرابة أن يُصنع الإجماع بإقصاء المخالفين من الحِساب.
ويحاول البعض الآخر إبطال أو تحييد قول العالِمَين، والتبرير العجيب المتداول هو أن النخعي والثوري كانا يقصدان المرتدين الذين يقضون حياتهم في التأرجح بين الردة والتوبة في الآجال المحددة (4،5). سنعود لهذا لاحقا.
2/ “قتل المرتد فيه حفظ للعقيدة من العبث، لأن الشريعة تحفظ الضرورات الخمس – العقيدة والنفس والعرض والنسل والمال والأمن”.
يُلاحظ أن القائمة (1) تحصي سِتة عناصر للضروريات الخمسة مع غياب لافت لعنصر العقل، بينما مواقع أخرى للشيخ الفوزان تسردها كالتالي : الدين والنفس والعقل والعرض (النسل) والمال. حكم الردة قد يحفظ الدين فعلا، ولكن بقتل نفس وليس بحفظها، ناهيك عن الذين سيلجأون إلى النفاق لإنقاذ حياتهم. وتعارض الحد مع القرآن وحرية الضمير لا يُرجى منه أي إمداد لمناعة العقل.
3/ “أما كون حدِّ الردة لم يُذكر في القرآن فقد قال تعالى : “وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا” وقد أمر الرسول بقتل من بدَّل دينه فوجب قتله”.
كثيرا ما تُستعمل هذه الآية لصد أبواب الإستعانة بالعقل. القرآن الكريم لم يلتزم الحياد أو الصمت بل يمنع كل إكراه في الدين ويُقر بحرية الضمير والفكر تبجيلا للعقل الذي يُميز الإنسان ويؤهله للإستخلاف. وحديث الردة يتنافى كذلك مع السُنة العملية للرسول صلى الله عليه وسلم.
4/ “أما قوله تعالى : “لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ” معناه أنه لا يُكرَه أحدٌ على الدخول في الإسلام. وحدُّ الردة عقوبة على الخروج من الإسلام وليست لأجل الدخول فيه. لأن الذي دخل في الإسلام قد اعترف بأنه حق ثم تركه عن علم، فهو متلاعب بالدين فاستحق القتل على ذلك حماية للعقيدة من العبث”
حتى وإن كان مفهوم الحرية بدون تغيير الرأي صعب الإستيعاب وحتى إذا سلَّمنا بهذا التأويل للآية لمنع تعارضها مع الحديث بزعم أن العدول غير مشمول في الآية، فلماذا يُسكت عن الآيات الأكثر وضوحا حول الردة ؟ سنخوض أكثر في هذه النقطة.
5/ “حرية الرأي تكون فيما للرأي فيه مجال ولا مجال للرأي في أمور العقيدة وأمور الدين، لأن هذه الأشياء مبناها على الإيمان والتسليم والإنقياد”
نعم إن معارضة الفتوى تُعزز حرية الضمير وحرية الرأي ولكنها في نفس الوقت أكثر إلتزاما بالقرآن والسُنة باستثناء حديث واحد فقط.
6/ “حدُّ الردة حدٌّ من حدود الله لا يجوز تعطيله لأي اعتبار، قال الرسول صلى الله عليه وسلم : “ويم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعتُ يدها”، وحدُّ الردة أعظم من حدِّ السرقة. والنبي صلى الله عليه وسلم منع الشفاعة في الحدود وشدَّد في ذلك”.
7/ “أما أنه لم يثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم قتل مرتداً فجوابه أن الرسول ترك ذلك لمانع وهو قوله صلى الله عليه وسلم : “لا يتحدث الناس أن محمداً يقتل أصحابه”.
يمنع صلى الله عليه وسلم الشفاعة في الحدود وسيقطع بلا مانع يد ابنته فاطمة لأبسط سرقة، ولكنه لا يقتل أصحابه حتى وإن أرتدوا وجاز فيهم حكم الردة، وذلك لمانع وهو أن يُقال أن محمدا يقتل أصحابه.
لو كان الشيخ الفوزان أمامي لما تجرأت بهذا الإعتراض على كلامه إلا إذا كنا على إنفراد، وذلك لإحترامي لشخصه وعلمه. ولكن يبدو أنهم كثيرون في الأمة من يرفض بتاتا فتح باب التقييم والمراجعة في كلام العلماء بعد الوقوع في حبهم. والإتباع الأعمى ينتهي بالإنصياع التام وبتعطيل آلية التمييز.
التمييز والإنصياع
مع احترامي للشيخ الفوزان إلا أنه على غيرالعادة تعليلُه لا يصل إلى القلب وإلى العقل بالطريقة المعهودة. التحفظات ليست مرتبطة بالعلم أو الصدق ولكنها تكمن في جوهر السيلوجيزم الذي يطغى عليه الحكم المُسبق. يَحدُث أن تُساعد نتيجة متوقعة على بناء البرهان المؤدي إليها، وهذا حصَل في عدة إكتشافات علمية بارزة لعِب فيها الحدس البشري دورا كبيرا، ولكن بشرط أن لا يُعتري ذلك البرهان بأي شبهة أو إنتهاك للمنطق. لمّا يتعرض العقل السليم للضبابية أو للخرقات فلا يملك إلا العودة للإبجديات.
كثيرون هم أعداء الإسلام الذين يسعون لتشويهه بمختلف الطرق، لكن حتى في الدول التي تسمح بل تشجع التطاول على الإسلام، لم نر من يتلاعب بالتناوب بين التوبة والردة لأن ذلك لن يُعرِّض للسخرية إلا من يقوم بذلك.
وإذا فرضنا أن مثل هؤلاء الساخرين يتربصون بالإسلام فهل فعلا يمكن ردعهم بالحد ؟ أفلا يضطرون فقط لإحترام أجال الإستتابة للتعاطي للعبتهم بوتيرة أسرع ؟ تبرير قتل المرتد بسبب خطر العبث بالدين غير مؤسس، وإن كانت حرية التراجع تشكل موضوعا جديرا بالتعميق، سنخوض فيه لاحقا.
ومن جهة أخرى لا يمكن بدون وجود شيىء من نية الإنتقاص، القبول بهذا السيناريو (التلاعب بين التوبة والردة في الآجال) كوسيلة لدى البعض لتقزيم أو تحييد موقف النخعي والثوري. حسب هؤلاء فإن المرتد الذي يجب استتابته طول حياته هو فقط ذلك الشخص الذي يتجنب الحد بالتأرجح بين الردة والتوبة. أي أن معارضة العالِمَين النخعي والثوري لهذه الفتوى تختصر على المتلاعبين الذين يريد الشيخ الفوزان ردعهم دون جدوى. بكل صراحة هذا تأويل فيه كثير من الإنتقاص ولا يليق بمكانة العالِمَين الجليلين. ببساطة إن هذا نقص في التمييز أنتج نقصا في الإحترام !
الزلات جزء طبيعي من الضعف البشري ولكن بدون تبجيل قدرات التمييز، لا يمكن للأمة أن تتجنب ترقية متعلمين بسطاء يتقمصون منزلة العلماء، مِثل ذلك المُتكلف الأحمق الذي كذّب بكل وقاحة أمام العالم دوران الكرة الأرضية (6).
إذا تعذَّر تغيير موقف المدافعين عن حد الردة، فإن تخليهم عن حجة الإجماع تُعزز مصداقيتهم. لا يُستبعد أن يكون الإجماع الظاهري دعَّمته نشوة الفتوحات والإنتصارات، والتسلط الشمولي عوَّض ضُعف الحجة بالتخويف والتهديد. ولِوَضع حد نهائي للجدل فُرضت الرؤية المتشددة لدوافع شعبوية. وقد يكون الخوف والتهميش وراء عدم بروز المعارضين. وكذلك يتم تغييب المعارضين المعاصرين الذين في أغلبهم لا يرُدون الحديث وإنما يربطون الردة المقصودة بالخيانة السياسية والعسكرية التي يتفق الجميع على حكمها وهو القتل.
نعود للمنطقة الرمادية الهامة والمتمثلة في الحرية الأولية في المعتقد مع خيار التراجع أم لا. بالنسبة للمسلم، إن الدين عند الله الإسلام، وهو الثمرة الروحية التي تُوضِّح غاية الوجود والحقيقة المطلقة التي تتصالح بفضلها المعارف والحقائق النسبية. هل يُعقل إذًا السماح لمن أدرك هذه الحقيقة أن يتخلى عنها ؟ إنها الجزئية الوحيدة التي قد تتسلل من خلالها إعاقة حرية المعتقد. مع التسليم أن إضاعة فرد مؤمن لا رجعة فيها والخيار المتاح هو القبول بمرتد صريح وصادق أو تفضيل منافق كذاب.
إيمان المسلم يضعف ويقوى دون أن يبلغ الحد الأقصى وهو اليقين، وقد يكون المرتد لم يبلغ مستوى اللارجوع. هل يجب إذًا الفصل نهائيا أو إجراء مداولات للنظر حسب الحالات ؟ وهل فعلا توجد نقطة اللارجوع وخيرُ البشر صلى الله عليه وسلم كان يدعو ربه ليثبته على دينه ؟ بلطفه عفانا الخالق من هذا الإبتلاء : “وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ” (2/217). على عكس جناية السرقة والقتل اللتين تنتهكان الحقوق المادية للغير واللتين يتعرض فاعلهما لعقوبة دنوية مفصلة في القرآن، فإن عقوبة المرتد أشد ولكنها مؤجلة للآخرة انسجاما مع حرية الضمير.
لنتصور للحظة العالم المسيحي الذي لا يقِلُّ خِبرة في تحريف كلام الله، والذي يُوجد في موقع قوة لا يقل بأسا عن موقع قريش في صُلح الحديبية، لنتصور أنه يقرر منع الردة في اتجاه خاص يسهل تنبؤه. فكم من شخص مسيحي كان ليُمنع بذلك من إعتناق الإسلام ؟
لا يمكن باسم الحقيقة، وإن كانت مُطلقة، تقييد حرية التفكير والتغيير، وإن كانت مجازفة، طالما يصل الإنسان لتلك الحقيقة بفضل ذلك الفكر الحر وذلك التراجع الحر !
الإتباع والمسؤولية
الظاهر أن هذه الفتوى تستلهم شرعيتها من التبني التاريخي المطول أكثر مما تستقيه من النصوص. تبدو فكرة مراجعة تُراث بهذا الثقل مُرعِبة إلى حد تفضيل إبعادها التام ثم إلحاق المبررات قدر المُستطاع. وهذا من شأنه إثقال الترِكة أكثر.
ألا يمكن أن نكون محبوسين في دوامة إجتماعية وثقافية مُزمنة مع تفويض رجعي للمسؤولية ؟ يُرجى تحمل هذا السؤال ضمن تحليل إستفساري صادق. الإتباع مذكور في حديث نبوي يروق لي كثيرا رغم رَدِّه من طرف الكثير : “أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم إهتديتم”. هم بشر، لم يكونوا دائما متفقين، بل دخلوا أحيانا في مواجهات، لكن أصحاب المصطفى رضوان الله عليهم وصلاته وسلامه عليه، كانوا ولا زالوا خير من يُقتدى بهم، ولكن بمسؤولية وليس بالعَمَى إلى درجة إسقاط قاعدة مُحكمة بسبب استثناء واحد.
لا يمكن تفويض المسؤوليات ولا إسقاط تداخلها، والخطأ يكون أثقل كلما بلغ صداه بعيدا. إذا كان حد الردة غير مؤسس، فإن تَبنِّيه في العصر الذهبي للإسلام لم تكن له تداعيات كبيرة. بينما إعتماده المعاصر بالإتباع المحض أكثرُ تكليفا مع امتدادات خطيرة كالجرائم باسم الردة والويلات التي يتعرض لها المسلمون. خطر الإنحراف الديني لا يختصر على الإحداث فقط. الإنصياع اللامسؤول قد يلحق بالإسلام والمسلمين أضرارا أكبر. وأوساط القابلية للإنصياع هي التي تزدهر فيها الأنظمة الشمولية المضطهدة للفكر التنويري والمشجعة للعقول الضيقة والخانعة التي قد تحكم بقتل المرتد وقد تزكي في نفس الوقت الخيانة بل وقد تقودها.
حرية الضمير والمنطق الإزدواجي
الإبتلاء والإغراء والخوف والظلم والفرح والقرح، كل ذلك من عزم الأمور، والإلتزام بالأوامر والنواهي هي وقاية وسلاح المؤمن. هذا المنطق الإيماني المُلمُّ بالحقائق الوجودية يجب تدعيمه تظامنيا بالمنطق العلمي بتوازن دون السماح لأي منهما بإقصاء الآخر. وهذا التوازن يسمح بتهذيب حرية وصلاحيات الإختيار الحر، وبتقييم موضوعي للواجبات والمسؤوليات المرتبطة بذلك.
المرتد حُرٌّ في إرتكاب أعظم جناية بإنكار خالقه مع تحمُّل المسؤولية، كما يتمسَّك المؤمن بكل حرية ومسؤولية بعقيدته حتى وإن تعرَّض لتعذيب يرغمه على النطق بالكفر : “مَن كَفَرَ بِاللَّهِ مِن بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ وَلَكِن مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِّنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ” (16/106).
رجوعا للطابع الإستفساري الذي قد لا يكون واضحا، فإن الهدف هو تجنب الأجوبة التقليدية التي هي بكل صراحة غير شافية، فلذا أنا أعرض هذا الإجتهاد أمام المدافعين عن حد الردة. مع استعدادي التام للتراجع دون أي حرج إذا قُدِّمت الحجة الدامغة، فأنا أرُدُّ بشدة تهمة التأثر بالغرب أو الترويج لتنازلات عقائدية.
المعارَضة لحد الردة التي أطرحها أراها أكثر إلتزاما بالقرآن والسُنّة وأكثر انسجاما مع المنطق. ولا ضير إذا اطمأن لها العقل أكثر وإذا تدعمت بفضلها حرية الفكر والضمير وحقوق الإنسان. ولا ضير إذا تخلصنا بفضلها من صورة تشويهية للإسلام ومن ذريعة للتخلي عنه أو التخوف منه أو التهجم عليه. ولا ضير إذا وجد أعداء الإسلام صعوبة أكثر لتحييد الضمير الجماعي تجاه الإعتداء على المسلمين، ووجدوا إلهاما أقل لتدعيم الأنظمة الفاسدة في ديار الإسلام.
اللهم يا مقلب القلوب ثبت قلوبنا على دينك، واهدنا لما اختُلِف فيه من الحق بإذنك.

المراجع
(1) https://www.alagidah.com/vb/showthread.php?t=8907
(2) https://ar.wikipedia.org/wiki/إبراهيمبنيزيدالنخعي (3) https://ar.wikipedia.org/wiki/سفيانالثوري
(4) http://www.saaid.net/Doat/aldgithr/17.htm
(5) http://twitmail.com/email/295731848/9/ معنى-قول-النخعي-عن-المرتد–يستتاب-أبدا
(6) https://www.youtube.com/watch?v=6rF3wXGqkxQ


Nombre de lectures : 3272
Pas de commentaires

Laisser un commentaire

*

*

Lire aussi