يومية الجزائر
Édition du
20 February 2020

مظاهر غربة النظام ومآلات ثورة الوعي الجديد

ليس غريبا أن تتصل الإرادات وأدوات الوعي الناجز ليستمر النضال الشعبي والشباني باتجاه الإجهاز على هذا النظام الهش وهذا خلال تواصل مد الحراك الثوري المبارك في ربوع وشوارع الجمهورية، فذلك مبعثه إصرار جيلي واع باتجاه الخلاص من عتمة الكينونة المفروضة التي سارت عليها سنينا عددا عصابة وجدة دونما مشروع مجتمع بعدما سرقت الفكر والشرعية بالسلاح والاغتصاب لتاريخ أمة فتية كانت ولا تزال مفعمة بالحياة خارج سياجات الاستبداد التي ورثتها تلك العصابة عن الاستعمار في صائفة الاستقلال التي لم ينعم يدفئها المجتمع الجزائر بالمطلق.

لكن ثمة من لا يزال يحاول معرفة ما يحصل خارج أنساق الخطابات المعلبة لنخب النظام التي مارست أسلوب سحرة فرعون، مع الاختلاف الكبير في كون سحرة فرعون اهتدوا  فيما بعد وأمنوا فورما انهارت وخرت ألاعيبهم وما زعمهم السحرية، بينما لا يزال سحرة النظام في البلاتوهات والجرائد والمواقع الاليكترونية يقامون مع الذباب الاليكتروني حقيقة أن النظام صار جثة وإبقائها بتعفنها ونتانتها على رأس المجتمع اضحى خطرا على مستقبل وصحة الدولة الوطنية.

المحالون بنية المعرفة الخالصة للحاصل في وضع الأمة والنظام ينطلقون من تساؤل بارز فحواه ما هي مظاهر غربة النظام التي تؤكد استحال استمراره وبذلك قرب نهاية كابوسه الذي سكن أحلام وآمال الجزائريين لعقود ستة؟

قلنا في أكثر من مقال بأن النظام خلق بذاته أداة إدانته وأزاحته على يد الشعب وهذا مذ غامر أعضاء (عصابة وجدة) ببادرتهم تلك المشينة وسرقة السلطة التي من فرط غبائهم لحظتها  اعتقدوا أنهم سرقوها مجردة من أي معنى تاريخي، ذلك لأن الشرعية وفوق كونها أنها كانت شرعية التنظيم ثوري فقد كانت فلسفته أي حاملة لفلسفة مجتمع الثورية التي استقامت على مدى عقود من الكفاح الوطني المتطور بتطور الوعي بالذات الوطنية، ووفق هذا لا يمكن لعساكر مراهقة غير متمدرسة بالشكل الأنسب في مدارس الثورات أن تحمل مشروع مجتمع، محتواه من عبقرية الأمة ورصيدها ومحصلتها من التجربة في التاريخ، عساكر الحدود يخبر عنهم العملاق فرحات عباس الذي ارتكب الخطيئة قبل أن يتطهر من ذنبها فيما بعد، عندما سار بحسن نية خلفهم حاسبا بأنهم كما زعموا ويزعم أزلامهم وخدمهم من نخب وكتاب مؤجرين، أنهم سيجنبون البلاد حربا أهلية وإذا بهم يؤخرونها بالقدر الذي يسمح لهم بالتمركز في الوعي الوطني وامتلاك القدرة على الهيمنة الدائمة على الشعب ومقدراته، فإذا بتلك الحرب الأهلية تتفجر سنوات التسعينيات بعد أجهزوا على كل أدوات الوعي والحمية الوطنيتين اللتين كانتا إبانها متقدتين في وجدان الجزائريين لبناء وطن بالسلمية التامة ووفق التنوع والتعدد الذي افرز ثورة وجيشا شعبيا موحدا قبل أن تسرقه شرذمة من المتعطشين للحكم ناظرين للوطن والأمة كغنيمة حرب ليس إلا.

إذن فاستراق الشرعية الثورية واتخاذها خلفية لتبرير البقاء في الحكم كل هاته العقود غسلها سيل الوعي الشباني والشعبي بهدير نهر الزمن، فلم يعد ينطلي خطاب الشرعية الثورية بعد تكشف جرائم جماعة وجدة وأجهزته التي كانت تقتل كل عقل سياسي وتمسح دمه بمنشفتها الرخيصة الممثلة في نخبها الخاطئة الكاذبة التي لا زالت مستمرة في غيها إلى اليوم.

لقد انتهى خطاب الوطنية الأولى التي ظهرت مع انقلاب عصابة وجدة على الحكم ثم تواصل الانقلابات داخلها، وبرزت الحاجة إلى وطنية جديدة لا تقطع مع التاريخ الوطني الحقيقي خارج الافتئات  (الأفلاني) وطروحاته المفترية على حقائق التاريخ الثوري لشعب أنجز ما عليه ولم تنجز نخبه لا سيما منها نخب الخطيئة النظامية ما عليها، بل تآمرت ضده والتحقت بأصنام الاستبداد، حتى كتب أحدها وهو مصطفى لشرف ذات مرة دون حياء (الجزائر مريضة بدينها) عوض أن يكتب الجزائر مريضة بنظامها !

   ثاني مظاهر غربة النظام المودية به إلى الهلاك قريبا جدا هي تبدد فرص المناورة السياسية له في ظل عدم وجود الندية السياسية التي كانت ستوفرها له المعارضة الحقيقية، فهو بإقدامه بعد الزج بالبلاد في حرب أهلية طاحنة على فرملة الوعي التعددي الطبيعي الذي تولد عن الإصلاحات التي تداعت أحداث أكتوبر 88  من خلال ما أقدم عليه من تقزيم وتأزيم مستمر للأحزاب الكبيرة والجادة حتى ينخر قواها وتحجيم للنشاط الحزبي واختلاق (أحزاب مالية) و(شركات سياسية) بمعنى أن أصحاب المال ممن دفع بهم من خلال قروض بنكية مهولة من بنوك عمومية خي ملك للشعب أيام ما كان ينطحن في أتون تلك الحرب القذرة التي لإثرضت فرضا عليه، قروض أغدق بها عليها بغرض استفادة رجالاته منها وأيضا التحكم في الإرادة السياسية لنشطاء المعارضة، ما أشاع فسادا غير مسبوق في تاريخ الجزائر القديم والحديث منه، ليأتي بوتفليقة بروحه الملكية التي لا تتصل في شيء مع الوعي الثوري الجمهوري الذي كانت تحمله الجماعة الوطنية أبان الاستقلال، ليدق إسفينا في نعش السياسة وبالتالي في نعش الأمة حين أباح واستباح كل محظور يفسد بالمال الأنفس والأمم، ولما داسه الشعب في حركة 22 فبراير المباركة وجد النظام نفسه بلا ذرع ولا ذراع سياسي واق من المد الشباني الواعي، فتحققت نبوءة أحد حكماء السياسة في الجزائر الراحل عبد الحميد مهري حين قال يومها (محاربة الأحزاب والكيد للساسة من قبل النظام ستنقلب عليه بحيث سيبحث يوما عمن يتحاور من الأحزاب ولن يجده).

لذا جاء رفض الحراك ليس للتحاور أو التفاوض مع النظام كتكتيك سياسي بل قناعة ثورية قطعية وقاطعة، وأجمل ما فعله أيضا الحراك في قطعه وقطيعته تلك هو إرفاقهما بالقطع أيضا مع كل ما أنتجه النظام من (حرام سياسي)     كتلك تعدديته المحرفة المصطنعة التي لا دور لها سوى تجسيد الواجهة الكاذبة التي يريد النظام من خلالها التسويق والتزويق لديمقراطية الوهم، بل و زاد الحراك على ذلك بأن وسع من مشمول قطائعه ليصل إلى تلك الشخصيات التي لبثت من القطيع زمنا قاصية، بعيدة، تترقب من مثل الأخضر الابراهيمي    رمطان لعمامرة   وكريم يونس الذين استدعاهم للعب أدوار (القمار) السياسي ففشلوا في ذلك فشلا ذريعا.

كل تلك المظاهر تقودنا إلى التفاؤل بنهاية حقبة سوداء في تاريخ الجزائر بطلها نظام عصاباتي استهلك بعضه البعض وأهلك الحرث والنسل على أرضت رواها الشهداء بدمائهم الطاهرة في وقتما كانت عصابة وجدة وغارديماو تتلهى بالتقاط الصور التذكارية وذبح عقول السياسة ممن راموا فعلا التأسيس لوطن الكرامة و الثورة لا وطن الغنيمة والثروة.

بشرى حدِّيب

صحفية جزائرية مقيمة بفرنسا


Nombre de lectures : 2918
Pas de commentaires

Laisser un commentaire

*

*

Lire aussi