صحيفة المدينة أو دستور المدينة

0
1340

محفوظ بـــدروني

(نائب رئيس الجمعية الوطنية لمكافحة الفساد)

04 ماي 2020

تمهيد:

دوّنت هذه الصحيفة (1) بأمر النبيّ(صلى الله عليه و سلّم) لتحكم العلاقة بينه و بين المسلمين المهاجرين و الأنصار من جهة و بين سائر أهل المدينة من جهة أخرى. و قد صدرت عن النبي (صلى الله عليه و سلم) مباشرة بعد هجرته من مكة إلى المدينة و استقراره بهذه الأخيرة في السنة الأولى للهجرة، الموافق للعام 623 الميلادي. و قد نظم النبي(صلى الله عليه و سلم) بموجب هذه الصحيفة العلاقات بين سكان المدينة واستهدفت توضيح التزامات جميع الأطراف القاطنين بالمدينة و تحديد حقوقهم و واجباتهم. و قد سميت في المصادر القديمة بالكتاب أو الصحيفة وأطلقت عليها الأبحاث الحديثة لفظ « الدستور ». و دستور المدينة هو أول دستور مدني في تاريخ الدولة الإسلامية، تمت كتابته بعد هجرة النبي ( صلى الله عليه وسلم) إلى المدينة المنورة. و قد حوى هذا الدستور اثنين وخمسين(52) بندا، كلها من رأي رسول الله: خمسة وعشرون (25) منها خاصة بأمور المسلمين، وسبعة وعشرون (27) مرتبطة بالعلاقة بين المسلمين وأصحاب الأديان الأخرى، ولاسيما اليهود والمشركين.

المبادئ و الأحكام التي تضمنها الوثيقة(الدستور):

1°)- تحديد مفهوم الأمة: تضمنت الوثيقة مبادئ عامة درجت الدساتير الحديثة على وضعها فيها و في مقدمة هذه المبادئ تحديد مفهوم الأمة. فالأمة في الصحيفة تضم المسلمين جميعا مهاجريهم و أنصارهم و من تبعهم و من لحق بهم و جاهد معهم. و هذا شيء جديد غير متعارف عليه في تاريخ الحياة السياسية في جزيرة العرب حيث نقل النبي(ص) قومه من شعار القبيلة و التبعية لها إلى شعار الأمة التي تضم من اعتنق الدين الجديد فقالت الصحيفة عنهم « أمة واحدة« (المادة 21)، وهذا تماشيا مع ما قرره القرآن الكريم « و أنّ هذه أمتكم أمة واحدة و أنا ربكم فاعبدون » سورة الأنبياء/92.

2°)- تحديد أساس المواطنة: اعتبرت الصحيفة الإسلام أساس المواطنة في الدولة الإسلامية الجديدة التي قامت بالمدينة المنورة و أحلت الرابطة الدينية محل الرابطة القبلية و جعلت من المسلمين أمة واحدة و لم تحصر المواطنة في المسلمين وحدهم، بل نصت على اعتبار اليهود المقيمين في المدينة من مواطني الدولة و عنصرا من عناصرها و حددت ما لهم من حقوق و ما عليهم من واجبات(المادة 16، 20 و 25).  و هكذا تبين أن عنصر الإقليم و الإقامة الدائمة فيه هو الذي أعطى اليهود و المشركين حق المواطنة و ضمن لهم التمتع بالحقوق التي كفلتها الوثيقة لهم. فالإسلام قد اعتبر أهل الكتاب و المشركين الذين يعيشون في أرجاء الدولة الإسلامية مواطنين، و من ثم فاختلاف الدين بمقتضى أحكام الصحيفة ليس سببا للحرمان من المواطنة كما كان ذلك مطبقا في الدول التي عاصرت الدولة الإسلامية في بدء تكوينها.

3°)- تحديد المرجعية العليا و تعيين رئيس الدولة: لقد حددت الصحيفة سلطة مركزية يرفع إليها الحكم أو  الخلاف و بذلك اصبح رسول الله(ص) رئيس الدولة و رئيس السلطة التنفيذية و القضائية و التشريعية. فقد تم تحديد بموجب نصوص الوثيقة رئيس الدولة في شخص رسول الله (ص) بنصها على أن ما اختلف فيه من شيء، فإنّ مرّده إلى الله و إلى محمد رسول الله(المادة 23). و قد تولى الرسول(ص) سلطة رئيس الدولة والهيمنة على إقليمها وفق نصوص الوثيقة و باتفاق أهلها بالنص على أنه  » لا يخرج منهم أحد(اي من المدينة) إلا بإذن محمد » (المادة 36).

4°)- تحديد إقليم الدولة: لقد حددت الوثيقة معالم و حدود الدولة وهو إقليم المدينة (يثرب) و تطبيقا لهذا النص فقد أرسل النبي(ص) أصحابه ليثبتوا أعلاما(bornes) على حدود حرم المدينة من جميع الجهات(délimitation des frontières). ثم اتسع الإقليم فشمل كل الأقاليم المجاورة تبعا للفتوحات التي تمت في عهده(ص) أو في عهد خلفائه الراشدين. وبإبرام الصحيفة أصبحت المدينة المنورة وضواحيها دولة إسلامية جديدة، عاصمتها المدينة المنورة، ورئيسها رسول الله صلّى الله عليه وسلّم.

5°)- تقرير مبادئ أساسية للنظام السياسي الجديد: بإقرار هذا الدستور، صارت جميع الحقوق الإنسانية مكفولة، بما فيها حرية العقيدة و العبادة(المادة 20 و 25).  كما قررت هذه الصحيفة مبادئ أساسية للنظام السياسي الجديد منها مبدأ المساواة( في موادها 15، 17، 19، 45) و مبدأ عدم إقرار الظلم أي مبدأ العدل (المواد 13،15، 16، 36، و 47). و قد تقرر هذان المبدآن و تأكدا في كثير من نصوص القرآن و الأحاديث النبوية.

6°)- تقرير مبدأ الانضمام إلى المعاهدات بعد توقيعها: لقد نصت الوثيقة على أن نصوصها مطبقة على أطرافها الأصليين وعلى من تبعهم و لحق بهم و جاهد معهم(المادة 1 و 16). فهي أول معاهدة عرفها التاريخ شرّعت لتفتح المجال لانضمام أطراف جدد إليها. و من ثم فقد أصبح هذا الدستور هو أول وثيقة في التاريخ تقرر مبدأ جواز الانضمام إلى المعاهدات بعد توقيعها، و هذا المبدأ أصبح اليوم من المسلمات في قواعد إبرام المعاهدات الدولية و معمولا به في القانون الدولي المعاصر.

7°)- منع إبرام صلح منفرد: نصت الوثيقة على عدم جواز ابرام صلح منفرد مع أعداء الأمة الإسلامية (المادة 17)، و من ثم فلا يجوز لحاكم أن ينفرد بإبرام صلح مع أعداء الأمة الإسلامية المحاربين لها، سواء أكان هذا الحاكم رئيسا للدولة أو قائدا لجيوشها أو مسؤولا في أي قطاعا من قطاعاتها. كما لا يجوز لأحد أن يلزم المسلمين بصلح له صفة الدوام و الاستمرار مع أعدائهم إلا إذا رضوا به جميعا أو رضي به أولو الرأي و كانت نصوصه  غير مجحفة في حقهم و شروطه عادلة تضمن للمسلمين حقوقهم.

8°)- النص عل مبادئ غير سياسية: نصت الوثيقة أيضا على مبادئ أخرى لا تتصل اتصالا مباشرا بمجال تنظيم الدولة، وإنما كان ورودها لإبراز أهميتها و لإلزام المتعاقدين أو الأطراف بالنزول على حكمها، نذكر منها وجوب القصاص في القتلى(المادة 21)، منع إيواء المجرمين(المادة 22)، و على أنّ العقوبة تلحق من ارتكب جرما دون غيره(المادة37) و هو المبدأ المعروف في الفقه الجنائي المعاصر بمبدأ شخصية العقوبة، و الاسهام في نفقات الحرب(المادة 24)، رعاية الجار(المادة 40)، وفاء الدين عن الغارمين(المادة12) و فداء الأسرى(المادة 3) و بعض تدابير الأمن(المادة 36).

9°)- الإبقاء على بعض الأعراف القديمة الصالحة: لقد ابقت الصحيفة على بعض الأعراف القديمة التي كان يتعامل على أساسها العرب قبل الإسلام، و منها التعاون في الخير و التواصي بالبر(المادة3 و ما يليها). فقد أبقى الإسلام أو دولته الأولى بعض وظائف القبيلة الإجتماعية التي لم تكن شرّا كلّها، فهذا منهج الإسلام في تشريعاته كلها في التعامل مع الأعراف السائدة، حيث يبقي منها ما كان صالحا و يلغى أو يعدّل ما كان فاسدا أو متعارضا مع مبادئه الأساسية.

خـــــاتمة:

 والمتأمل في بنود هذه الوثيقة يدرك مدى العدالة التي اتسمت بها معاملة النبي صلى الله عليه وسلم لليهود، وإسقاط كل الاعتبارات الطبقية والجاهلية، وترسيخ المبادئ الإسلامية، التي تقرّر حرية العقيدة والرأي، وحرمة المال والدماء، وتقضي على العصبية والطبقية، فسبقت بذلك جميع العهود والمواثيق التي تقرّر حقوق الإنسان. كما أنها اشتملت على كلّ ما تحتاجه الدولة، من مقوماتها الدستورية والإدارية، وعلاقة الأفراد بالدولة، و تنظيمها لكلّ العلاقات الموجودة فيها.

إنّ هذه الوثيقة أو « دستور المدينة » قد بينت بوضوح وجلاء عبقرية الرسول(صلى الله عليه و سلم) في السياسة و الصياغة على السواء. فقد كتبت هذه الوثيقة على غير مثال سابق وشملت نصوصها أغلب ما كانت تحتاج إليه الدول الناشئة في تنظيم شؤونها و قد صيغت صياغة بالغة الدّقة و يعرف ذلك كل من تعود على قراءة نصوص المعاهدات الدولية و الدساتير الحديثة، و أدرك ما تثيره نصوصها من خلاف في الفهم أو التطبيق فقارنه بما ورد في هذه الصحيفة من نصوص. و لا تزال المبادئ التي تضمنتها هذه الصحيفة في جملتهامعمولا بها (و الأغلب أنّها ستظل كذلك) في مختلف نظم الحكم المعروفة إلى اليوم بعد قرون من تقريرها في أول وثيقة سياسية و دستورية أملاها النبي (صلى الله عليه و سلم).

————————————————-

المراجع:

نص الوثيقة مدون في المراجع المذكورة أدناه.

1.نظام الحكم في الشريعة والتاريخ الإسلامي/ظافر القاسمي.

2. في النظام السياسي للدولة الإسلامية/د.محمد سليم العوا.

3.السيرة النبوية/د.علي الصلابي.

LAISSER UN COMMENTAIRE

S'il vous plaît entrez votre commentaire!
S'il vous plaît entrez votre nom ici