لماذا انتقل وزير الصحة فجأة من التهوين إلى التهويل؟

0
1599

فاجأ وزير الصحة بن بوزيد مؤخرا الجميع بتصريح صادم طابعه التشاؤم وهو الذي لم يكف مذ بدأت أزمة الجائحة الصحيفة في الجزائر عن مهاجمة الخطاب التهويلي بل وذهب في إحدى تصريحاته إلى حد الإعلان عن أن الجزائر تجاوزت مرحلة الذروة، يعود أول أمس ويصرح بأن الوضع بات مقلقا وأن الأزمة قد تطول و »وعلى الجزائريين التكيف مع هذا المعطى » ما جعل الكثيرين يطرحون جملة من الأسئلة بخصوص هذا التحول الغريب العجيب في خطاب بن بوزيد وربما كان أبرز سؤال هو لماذا في هذا الوقت تحديدا، صارت البيانات المتعلقة بنتائج الفص تحمل أرقاما مقلقلة أي قبل أن يعلن محمد لعقاب بأربعة أيام عن الانتهاء من إعداد مسودة الدستور وقرب إنزالها للأحزاب (المتواجدة في حجر سياسي منذ عام) قصد مناقشتها وإثرائها؟

هذا التساؤل يجبرنا على العودة شيما إلى الخلف لرصد طبيعة تعاطي النظام مع الواقع الصحي الدولي وكيف أنه اختار أن يجعله وسيلة للتخلص من متاعبه ومعاناته الداخلية الناجمة عن رفض الشعب له كبديل عن نفسه أي كاستنساخ لنظام بوتفليقة الذي قوضه الحراك الشعبي الواعي والعارم من جذوره، وتواصل المد الحراكي بعد راميا إلى اقتلاع النظام الشمولي كلية من أصوله وعدم الاكتفاء بفروعه وتحرير البلاد من براثنه وهيمته على الإرادة الشعبية في إعادة بناء دولة القانون والعدل التي أوصى بها بيان أو ل نوفمبر 1954 قبل أن تسطو جماعة وجدة على السلطة والدولة والمجتمع بواسطة القوة العسكرية وتقتل بالتالي أمل الشهداء وعبقرية الشعب في بناء أمة في مستوى عظمة تاريخها وتحديات العصر.

وهكذا فقط خططت الجهات الأمنية التي عادت بقوة لتقود البلاد خلف الواجهة المدينة التي وضعت على رأسها رئيسا ضعيفا على كل المستويات، المقدرة السياسية، الحنكة الدبلوماسية والقبول الشعبي، خططت لملء السجون بالفاعلين الحراكيين وفق قبضة أمنية صامتة لا يسمع لها في ظل الاهتمام الإعلامي الدولي بالجائحة صوتا، بظن منها أن ذلك سيجعلها بمنأى عن الرفض الشعبي وما يمكن أن يحوزه من تعاطف دولي.

كل ذلك لن يمنعنا قط من رصد أبرز تحركات الأداة الفعلية في جهاز الحكم الذي يتولى إعداد مشروع دولة الانقلاب الجديد على الإرادة الشعبية بعد 1962 ثم 1992 ونعني به جهاز الاستخبارات الذي بات واضحا أنه صادر كل الإرادات الجانبية التي خلفها نظام بوتفليقة بكل أطرافه باعتباره الرئيس الوحيد الذي اقتسم وقسّم السلطة على مستوييها الفعلي والصوري، فكما كان للاستخبارات حلفاء سياسيين من دمى الشمع اتخذ بوتفليقة له أحزابا أمن ذلك النوع أيضا، وكما أسس الاستخباراتيون التوفيقيون في أثناء الحرب الأهلية الضروس التي فرضوها على الشعب أوليغارشية خاصة بهم لشراء الذمم وعقول النخب المنبطحة، سار على ذات النهج بوتفليقة فأحاط نفسه بأصحاب المال(حداد، كونيناف بن عمر)  وغالب بهم عملاء المال الاستخبارات (خليفة، ربراب..) ويسعى الجهاز الآن إلى تشبيب النظام القديم وفق عملية خاطفة لن تضمن نجاحها سوى حالة الوضع الدولي القلق بسبب جائحة الكورونا، وقد بدت الأمور أكثر وضوحا مع جلب ضابط الاستخبارات السابق العقيد المتقاعد محمد شفيق مصباح الذي يعده العسكر واحد من انتليجانسيا العسكر، ليكون له دور محوري في العملية (عملية إعادة بناء نظام الواجهة وفق المعطيات التي افرزها رهان القوى الحاصل بين وعيي الحراك وترهل النظام) داخل السرايا وأولى خطوة نحج فيها هو جلب صحيفة الوطن (التوفيقية) إلى قصر المرادية إيذان بعهد جديد من تعالف وتحالف الأضاد !

هكذا إذن تكون الصورة قد اكتملت للملاحظ للشأن الجزائري، وهو أن البلد مرة أخرى يُدفع حاليا دفعا نحو تضيع موعد جديد مع التاريخ خلقته الهبة الشعبية الحراكية الكبرى ليعيد صياغة وجوده الوطني وفق مستجدات وعيه وما طبع الوضع العالمي من تغييرات، وإلا كيف حصرت وحشرت ما قيل أنها إطارات وطاقات شبانية أو خير ما جادت به الكليات والمعاهد الوطنية من قدرات، في المجال التقني والتنفيذي كما هو الحال مع الدكتور لعقاب الذي قبل بالاكتفاء بمجرد إعلام الناس بما يطبخ ويحبك من خطط، وبقية الوزراء الذين ينتظرون الإيحاء والإيعاز من أجل التصريح الإعلامي، في حين يتم طبع وإعداد القرارات السياسية والسيادية داخل الأقبية القديمة؟

هذا الاستفراد بمصير الأمة ومحاولة أركاسها مرة أخرى في حفرة الوصاية على عقلها ووعيها، فقط لتظل الجهات المنتفعة من الوضع القديم الذي أفرزته حركة جيش الحدود سنة 1962 سوف لن يكون ليس فقط حلا ولو لحظيا لهذه الأطراف بل سيكون مشروع أزمة أخرى سيخلقها الرفض الشعبي والشباني الواعي وبالتالي سنكون بصدد التطور من أزمة إلى أزمة وليسن الانتقال من الأزمة إلى الحل، لأنه بات واضحا أن النظام لا يملك بديلا عن حركة 1962 الانقلابية لأنها كانت خارج أطر العقل وخارج الشرعية وهو ما قاده إلى المأزق الحالي حيث الباب المسدود في وجهه وفي وجه الأمة التي يأخذها معه ويتخذها رهينة لمصيره..

بشرى حديب

صحفية جزائرية مقيمة بفرنسا

LAISSER UN COMMENTAIRE

S'il vous plaît entrez votre commentaire!
S'il vous plaît entrez votre nom ici