الجيوش العربية والدولة.. عمادة التأسيس وقلق الوعي الوطني الجديد

0
103


بشير عمري
https://www.raialyoum.com/

بشير عمري

يكاد الخطاب السياسي الوطني في القُطريات العربية يجمع على أن فضل الوجود الوطني للدولة يعود، أساسا، تأسيسا، استمرارا للجيش، كونه هو من انتزع الحرية بالقوة المسلحة في السواد الأعظم من تجارب تلك القطريات، وبذلك استوطن الوعي الشعبي بحسبانه فوق حركة التاريخ الداخلية وبكونه الطرف الوحيد التي يُرتجع له في كل لحظة قلق وطني تثيرها شروط التحول الموضوعية بمقتضى تلقبات التاريخ خارجا وداخليا.

لكن السؤال الذي يظل حريا بالطرح، كيف يمكن للحظة التأسيس (على افتراض أنها كانت عسكرية محضة) للدولة أن تستمر في سياقات متقلبة متحولة في التاريخ، وبالتالي تحول دوان حق الاجيال في الانبساط داخل الحوزة الوطنية وفق محمولها ومحصولها من الوعي المدني المتجدد؟

ليس من شك في أن الجيوش الوطنية كان لها من حيث الجهد والتضحية الميدانيين القدح المعلى في الحركة الكفاح الوطني لنيل الاستقلال، باعتبار أن عنف النضال كان هو البسيل الأوحد لبلوغ مرامي فكر الاستقلال الذي بزغ مع أولى قطرات الوعي الوطني في عقول الخاصة من مجتمعات رزحت لقرون طوال تحت آلة التجهيل والتضليل التاريخي..

والحديث هنا عن فكر وطني متأت من وعي نخبي واعتباره مصدر للثورة أو كفاح مسلح أو عنف نضالي من أجل الاستقلال، يحيل في حد ذاته، إلى مصدرية التشكل الوطني كوعي تأسيسي سلمي مدني قبل حركة العنف التي تولت مهمتها جيوش جلها غير محترفة آنذاك اجتمعت لها في البناء والاعداد شرائح مجتمعية عدة، فلاحين، عمال، نساء وطلبة وغيرها من شرائح الشعب المتغنية بذلك الوعي.

من هنا انتقل الوعي كانبثاق وجودي مدني سياسي نخبي بالوجود الوطني وضرورة تحريره من الاستعمار عبر المقاومة المسلحة، من السياسي إلى العسكري، وبذلك تعسكرت السياسة ظرفيا وآنيا كخطوة استراتيجة في عملية التعبئة العامة بعد تأكد بأن الحضور الاستعماري العنيف لن يضع له حدا سوى النفير الشعبي العنيف، فالوعي بهاته اللحظة هو خيار سياسي ووضعه في سياقه الميداني هو قرار سياسي وتنفيذه العملياتي فقط، كان عسكريا..

وهكذا تمكنت جل القطريات العربية لا سيما منها الثورية من نيل استقلالها الوطني، وبدأت حرب الغنائم تشتعل وليست تطال فقط المادي من الغنيمة بل حتى الرمزي لامتلاك التاريخ الوطني، هنا سيبرز قلق جديد للوطنية الوليدة يخص بنية الوجود الوطني في ظل انحباس دواليب الانتقال السياسي وبقاء فكر ونظام التأسيس الأول متدثر بامتياز ولحظة التأسيس الأولى.

وعلى مدار كل القطريات العربية اتضح أن إرادة القوة هي فرضت نفسها ولا تزال في اقتياد الدولة والمجتمع خارج الارادة الشعبية التي تنامى رصيدها المعرفي في فهم التاريخ ومسرات نشوء وسير الدولو لديها بقوة وراحت تعود بوعيها إلى لحظة التأسيس الوطني الأولى لترى العقل الوطني المدني المصدر الحقيقي، المعرفي، والمدني لولالدة القطرية التي كانت سببها عنف الاستعمار كما أشرنا.

فما بين هكذا حركة وعي وطني وجمود الوطنية في خطابها التأسيسي تقع إشكالية الأزمة الوطنية ويحتبس التاريح وتنحبس كل دوليب التغيير والانقال السياسي والديمقراطي في جل الأقطار العربية حديثة الاستقلال وذات المنزع الثوري كوعي نخبي وذاكرة شعبية قدمت الكثير في الاستعمار وجمدت حكرتها بسيلسة الاقتياد القسري في الاستقلال..

من هنا يتضح جليا أن منح الجيوش عمادة الدولة خارج لحظة التأسيس في الخطاب الوطني والمعرفي التاريخي حتى، هو عنصر من عناصر استمرار الأزمة في واقع التجربة الوطنية للدولة القطرية العربية، فليست كبار جيوش العالم ممن خلصت أممها من خطر الاكتساح والاحتلال الأجنبي كالجيش البريطاني  والفرنسي على سبيل المثال وليس الحصر، من تصدر مرحلة ما بعد الاحتلال تحت أي طائل أو حجة تتصل بنقص الوعي الشعبي أو تهديد الحروب الاهلية، كما وأن استمرار إفراد الجيوش بعبارة “العمود الفقري للدولة” عربيا سيعني بالضرورة نفي التغيير الحاصل في هاته المجتمعات بحكم التعليم والمعرفة وبالتالي انتقال مركزية الوعي الجيلي بالمسألة الوطنية.

كاتب سياسي جزائري

LAISSER UN COMMENTAIRE

S'il vous plaît entrez votre commentaire!
S'il vous plaît entrez votre nom ici