رحيل شاهد على محاولة اغتيال الحراك

0
166

https://alsiasi.com/
بشير عمري

كثيرا ما يتناص العظماء في قصص واقعهم وواقع قصصهم فتظهر تجربتهم بمستوى من التشابه بحيث يصعب معها المفاضلة أو التمييز ، هكذا أرى ترجبة الثوريين الضابطين المتمردين على سلطتي تحريف التاريخ عن طبيع سبيله، الضابط المصري الكبير سعد الدين الشاذلي قائد أركان الجيش المصري وبطل العبور الذي تمرد على السادات بعد أن باشر هذا الأخير في تفكيك منظومة اللجيش وتغيير عقيدة الدولة، والرائد لخضر بورقعة الذي ترمد على سلطة الأمر الواقع التي دخلت بالقوة من الحدود الغربية والشرقية عشية الاستقلال لتدوس الشرعية وتقود البلاد إلى المجهول الذي لا تزال ماضية في دياجيره إلى الآن.

روى محاموه أنه في أثناء اعتقاله الأخير بسبب تصريحه بأن السلطة الفعلية اختارت مرشحها للرئاسة (عبد المجيد تبون) بسجن الحراش، رفض الرائد السابق في جيش التحرير الوطني المجاهد لخضر بورقعة أن يتقاسم ليس مجرد الزنزانة بل الجناح مع الأمين العام السابق لحزب جبهة التحرير الوطني المسجون حاليا بتهمة الفساد، موقف كان يقتضى في أدب السياسة الحفر العميق في دلالاته حيث يكمن معنى التاريخ ويتصل واقعه بماضيه مشكلة صورة حقيقية للوعي الجديد بالمسألة الوطنية والذي لا يختلف عنه في كل مراحل النضال الوطني الخالص الذي ينشد الحرية والكرامة وكل المبادئ التي قدم الانسان الجزائر تضحيات لا نكاد نلفي لها نظبرا في العالم.

توفي المجاهد عمي لخضر بورقعة مناضل الأجيال من أجل جزائر حرة بإنسانها بسيادتها على أرضها وثرواتها وبشرعية وإرادة شعبها، مبادئ قلما تتوفر في عسكري قادم من ثكانات النصف الجنوبي في التاريخ والجغرافية العالميتين، ذلك أنه في العادة يطغى هنالك العسكرى بالسلاح على السياسي فيسحق من عليه كل عناوين التمدن والتحضر والتحرر فينتحر التاريخ لحظتها مشنوقا بأمعاء الانسان.

وعندما حرر شباب أكتوبر 1988 الكينونة الوطنية من خرافة الفكر الأحادي، وجد في الرائد الراحل أول قلاع الكشف عن الأسباب التي دفعت بهؤلاء الشباب إلى الثورة على النظام واجتياح مقرات الحزب الواحد (جبهة التحرير الوطني) يوم كتب كتابه الشهير شاهد على اغتيال الثورة، ينقل للأجيال اللاحقة الحقيقة المتعلقة بالردة الثورية التي حصلت بعد الاستقلال وحرفت مشروع الحركة الوطنية في تحرير الانسان والوطن عن مساره الصحيح، وهكذا اكتشف شباب أكتوبر من خلال تلك المذكرات الخديعة التي أدت بالنتيجة إلى تدنيس مات كان مقدسا والدوس عليه وتكسيره ونعني به الحزب الحاكم، أو الذي حُكم باسمه كما قال الزعيم الراحل عبد الحميد مهري (جبهة التحرير الوطني)  .

تجربة النضال الوطني للرائد لخضر برقعة، وما حوته من مواقف تاريخية هي اختزال لشريط التجربة الوطنية منذ تأسيس جهازي التحرير الوطني، الجبهة سياسيا، والجيش عسركيا، وما رافق مسارهما من قلاقل ومشاكل بسبب غريزة الغنيمة التي كانت تضطرم وتتعاظم كلما زادت شمس الحرية سنتمترا من ارتفاعها في سماء الجزائر، يومها بدل العهد من بدل وتنصل عن المبادئ من تنصل ومال إلى اللا شرعية من مال واقتيد بسبب ذلك المجتمع والوطن كله إلى أتون اللحظة المأزومة المأزولة التي نحياها إلى هذا الوقت!

وحين يرفض الرائد لخضر بورقعة التواجد بذات الجناح في السجن مع جمال ولد عباس الأمين العام لحزب جبهة التحرير الوطني، هي إرادة منه للتأكيد على أن الماضي لا يزال يعتدي على الحاضر، وأنه هو المجسد لضحية الماضي وبالتالي سيظل وفيا  للخط المعارض الذي تبناه من هذا الحزب الذي ارتد عن المبادئ الأولى للثورة وقبل أن يتحول إلى لعبة بيد أشخاص وجماعات تلاعبت بالشرعية وتلاعبت بالتاريخ وأوصلت بكل تلاعبتها تلك البلد إلى المسدود من الأفق بعد ما مرت به ومرغته في أهوج عواصف من الأزمات أخطرها كان عشرية سوداء دامية ذبح في ظلمتها ربع مليون جزائري.

فالمجاهد لخضر بورقعة كان بمثالبة التاريخ الوطني مجسدا مجسما مفعما بالحياة، يمشي في الشوارع والأسواق ويرى من خلال هيئته وهامته الناطقة في صمتها بملامح وجهه المحتجة، من لم يعش أزمات النظام مع نفسه ومع معرضيه، كل المسالك الخاطئة والتي خاضها النظام السياسي في الجزائر، وفي الوقت نفسه يرى أثر الرجولة والشهامة والصدق الذي تسلح به الرعيل الثوري التحرري الأول الذي هزم الاستعمار.  .

تلك الرجولة والشجاعة التي بها ومن أجلها رفض خيانة دم الشهداء والخضوع لمنطق اللا شرعية والتي كلفته السحل والسحق في سجون الستينيات والسبعينيات، رفض أيضا الطعن في شخص بوميدن جلاده، بعد موته والقول فيه ما يقوله الكثير ممن كانوا يتزلفون ويتملقون له، بل ذهب به الغضب من حال البلد وهي تئن تحت عبث عصابة بوتفليقة إلى حد القول أن الجزائر باتت في حاجة إلى ثماني وأربيعين بومدين بعدد الولايات وعلى رأس كل ولاية يكون بومدينا، في ظل التسيب والنهب والسلب الذي مارسته العصابة في حق المال العام.

إذا توفي عمي لخضر بورقعة بعد أن شهد محاولة اغتيال الحراك مثلما شهد على اغتيال ثورة التحرير الوطني وعايش بعدها كل تقلبات الخطيئة الثورية الكبرى التي مارسها المغامرون والمقامرون الأوائل بشرعية ثورة التحرير الوطني، كان الرجل على هضبة التاريخ العالية شامخا في وقفته وعبوسه الأزلي البريئ يرى من عليها، باكيا في دخيلته، قطار الوطنية المختطفة الضال، يدور بجنون على سكة المتاهة لا يهتدي إلى محطة الوصل وقد نسي محطة الانطلاق، وهو ينادي بصوته الجبلي الهادئ بفعل عقود العمر التسعة، أرفعوا أيديكم المتجعدة عن مقود القطار فالسكة ليست سكتكم قبل أن يسكته القدر سكتته النهائية رحم الله زعيما كان فوق الزعامات الرسمية!

بشير عمري

كاتب صحفي جزائري

LAISSER UN COMMENTAIRE

S'il vous plaît entrez votre commentaire!
S'il vous plaît entrez votre nom ici