مرض تبون.. مأزق السلطة وفرصتها

0
166

Nadjib Belhimer

 حديث « الفراغ » يهيمن على ما يكتب ويقال عن الجزائر. هنا وفي الخارج أيضا، فرنسا تحديدا التي يرانا بعيونها جزء كبير من العالم، تجري المقارنات بصراحة بين الوضع القائم حاليا وما كانت عليه البلاد خلال فترة مرض بوتفليقة التي دامت سنوات، ومع المقارنة يعود السؤال المخيف : من يحكم حقا البلاد وأين يسير بها ؟ كان هذا السؤال قد طرح في فترة حكم بوتفليقة ولم تأت الإجابة إلا بفضل السلمية التي أخرجت إلى العلن حالة مرعبة من تهالك الدولة ومن السطو على السلطة بالدوس على الدستور وتفكيك المؤسسات.هذه المرة يطرح السؤال بإلحاح بشكل مبكر، لا أحد بوسعه أن ينتظر سنوات أخرى من النهب والتخريب حتى يقول من يحكم البلد وبأي حق يدمره؟ والمفارقة العجيبة هنا هي أن « المسار الدستوري » المزعوم الذي اختارته السلطة لمنع التغيير الذي أراده الجزائريون، بحجة رفض الفراغ، هو الذي يؤدي إلى تكريس حالة الفراغ وقد يقود إلى حالة يستحيل التعامل معها إلا بخرق الدستور مرة أخرى، لا يهم إن كان المقصود الدستور القديم أو الجديد فالأمر سيان.

كيف يمكن أن يلتقي الحرص على « احترام الدستور » مع ترك منصب رئيس مجلس الأمة شاغرا، وأي دولة قانون ومؤسسات هذه التي تجعل منصب الرجل الثاني في الدولة، من الناحية الشكلية، مشغولا بالنيابة لقرابة سنة كاملة؟ مع العلم أن الوضع الصحي لعبد القادر بن صالح لا يترك أي أمل في إمكانية استئنافه لمهامه في المستقبل. لن نجد الإجابة في النصوص القانونية، فالتفسير له علاقة بحالة الاضطراب السياسي المزمن الذي يعاني منه النظام الذي يبقى رهين توازنات هشة تنجم عن صراعات داخلية أذكتها السلمية ودفعتها إلى مستويات أصبحت التوافقات معها صعبة إن لم تكن مستحيلة بسبب استفاقة الشارع ودخوله كفاعل أساسي في اللعبة حتى وإن خلق توقف المظاهرات وهما بعدم صحة هذا التشخيص.كم سيدوم غياب تبون في رحلته العلاجية ؟

وعندما يعود هل سيكون في وضع صحي يسمح له بممارسة مهامه ؟ وإذا كان بحاجة إلى النقاهة فكم ستستغرق من وقت ؟ هذه أسئلة تقنية تتعلق بالحد الأدنى من الأهلية لممارسة المهام وشروط تقديم تبون في وسائل الإعلام، وخلف هذه الأسئلة يختفي السؤال الكبير: هل بقي لتبون أي دور بعد النتائج التي أسفر عنها استفتاء « الدستور »؟ الإجابات الأولية التي توفرت أشارت إلى أن كثيرا من أنصار السلطة ومبرري خياراها « الدستوري » كانوا سباقين إلى إعلان نهاية تبون السياسية بمجرد ظهور نسبة المشاركة في الاستفتاء، ومنذ ذلك الحين تتراكم المؤشرات على أن هذا الخيار مطروح بجدية على مستوى السلطة، وبعض بالونات الاختبار أطلقت على شكل تصريحات أو كتابات وقد نرى المزيد منها في الأيام القادمة تحضيرا للإعلان عن الخطوة التالية.

يجري تقديم مرض تبون على أنه مأزق للسلطة والحقيقة انه يمكن قراءته من زاوية أخرى، فهو أيضا يمكن أن يقدم فرصة للسلطة لمراجعة مسار أثبت خطورته وفشله، فالمرض يمثل سببا موضوعيا للتغطية على الأسباب الحقيقية لنهاية الدور السياسي لتبون، غير أن ذلك سيطرح إشكالا كبيرا بخصوص إمكانية تنظيم انتخابات رئاسية مسبقة في الظروف الحالية على خلفية الأزمة الصحية الخطيرة التي تمر بها البلاد، وما آل إليه استفتاء « الدستور ».عدم تنظيم الانتخابات لا يمكن أن يبرر إلا بإعلان صريح عن مرحلة « انتقالية » تمهد لإجراء انتخابات رئاسية في ظروف مختلفة ووفق قواعد جديدة، و »الانتقالية » التي طالما رفضتها السلطة وشيطنت استعمالها هي التسمية التي أطلقها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون على « المهمة » التي يؤديها تبون كما قرأنا في حواره مع مجلة جون أفريك، ومن المفارقة أن تبون في مشفاه الألماني لم يجد إلا الرئيس الفرنسي امانويل ماكرون سندا، وهو الوحيد الذي تجرأ على الدفاع عنه باستماتة، وهو موقف يضعف تبون أكثر مما يخدمه في الظرف الحالي، فباريس لا تحظى بشعبية كبيرة لدى القواعد اتي ناصرت السلطة ودافعت عن خيارها « الدستوري »، وماكرون بالذات في هذه الفترة شخصية منبوذة بسبب الغضب الذي أثارته مواقفه من قضايا داخلية فرنسية ارتدت على علاقة باريس بعالم الإسلام، ومواقف في السياسة الخارجية تضعه اليوم في مواجهة صريحة مع مواقف جزائرية من قضايا تعتبر رسميا حساسة مثل الوضع في الصحراء الغربية، وفوق هذا تبدو تصريحاته لمجلة جون أفريك تدخلا صريحا في شأن داخلي ينطوي على إملاءات غير مستساغة.

هناك وضع اقتصادي صعب جدا، وتوقعات سيئة للمستقبل القريب، والأزمة الصحية تزيد في قتامة الصورة وتكشف فشلا مزمنا في تسيير شؤون الدولة، وكل هذا سيلقى على كاهل من فرض « الخيار الدستوري » وما جاء معه من تفاصيل، ولأن المؤسسات يمكن أن تكون فوق الأشخاص، والنظام متعود على التضحية بالأشخاص من أجل البقاء، فإن نسبة « المسار » إلى شخص قد يمثل مدخلا للتخلص من إرث ثقيل والبحث عن طريق آخر أكثر أمانا وعقلانية.

LAISSER UN COMMENTAIRE

S'il vous plaît entrez votre commentaire!
S'il vous plaît entrez votre nom ici