اندفاع عصيان جزائري برفض الافلات من العقاب ويطمح لانتزاع الحق في السياسة.

0
183

—————————————————————————-

تعتبر الجزائر في السياق الحالي الذي تسيطر عليه آثار الجائحة، من أكثر البلدان الافريقية التي مسها كوفيد 19 ، بما يقارب 21 ألف حالة، و مايزيد عن الف قتيل. و هي الأرقام و الحصيلة التي يجب أخذها بحذر كبير نظرا للغموض الذي يتميز به النظام الجزائري، و غياب الموثوقية في المعطيات التي تصدرها السلطات.

بالموازاة مع هذا الوضع، فإن السلطة الجزائرية يستهدفها احتجاج واسع من حركة شعبية ذات زخم كبير: عرفت إعلاميا بالحراك. ففي الواقع، ومنذ 22 فيفري 2019 ، يتظاهر و يحتل الشوارع الملايين من أجل التنديد بالرشوة، و الإهانة التي تمس غالبية الساكنة، لكن  هذه الحركة  تسعى على الخصوص إلى فرض الخروج النهائي من حكم نظام دكتاتوري و  تعسفي تسيطر عليه هيئة عسكرية عليا.

تحتكر هذه النومكلاتورا الأذرع الفعلية للسلطة السياسية، كما تحتكر كذلك القطاعات الاقتصادية الحيوية من أجل إعادة الإنتاج النسقي و المؤسساتي لهيمنتها. في حين أن الساكنة في الجزائر يتنوع تركيبتها الاجتماعية  تأمل  في بناء دولة  تتمأسس على احترام الحقوق     و الحريات لجميع الجزائريين و الجزائريات.

باختصار، فإن الجزائريين و الجزائريات يضعون في مقدمة المطالب، الدعوة لإرساء مسار تأسيسي فعلي يجعل من الاقتراع العام، و من قاعدة الحق و القانون مركز كل إعادة بناء سياسي. فالشعب يطمح إلى وضع  ميكانزمات يتم فيها استدعاء الكلمة المواطنية حتى يتم الانصات و احترام  طموحات  أكبر عدد ممكن منها.

تترجم التطلعات التي يتم حملها في الشوارع  وجود إرادة الانتهاء من العبث الدستوري الذي يؤدي إلى تغييرات صورية و مصطنعة يقودها من تخصصوا في المناولة لنظام تعود على فرض قواعد اللعبة السياسية بشكل تسلطي و وصائي. 

احتجاج الأشهر الأخيرة

عبر زخم الاحتجاج التاريخي و الفريد من نوعه في الأشهر الأخيرة عن وعي ومسؤولية مواطنية كبيرة، لذلك كان يجب عليه أن يتراجع و يجمد ظرفيا المظاهرات و التجمعات بسبب هذا السياق الموبوء بجائحة كورونا. في حين قامت السلطة بانتهاز هذه ‘الهدنة الصحية’ ودون أدنى خجل للانتقام من الحراك، حيث لم تتوقف السلطة العسكرية عن قمع و تخويف  وتخوين الأعضاء الناشطين للحراك، كما تم اعتقال العديد منهم بسبب منشورات فايسبوكية.

فالرئيس عبد المجيد تبون وحكومته يستعملان هذه الأزمة من أجل إرساء موجة قمعية جديدة بالارتكاز على بوليسهم السياسي، مع العلم أن تبون و حكومته تم فرضهما من قبل الجنرالات.

في بداية شهر مارس، تم تسجل العشرات من الاعتقالات، من بينهم وجوه من حركة مناضلي و مناضلات حقوق الإنسان، و صحفيين و صحفيات ، وكتاب و كاتبات رواية. كما  تتسارع     و تتعدد المحاكمات التي تصدر أحكاما ثقيلة على الوجوه المخالفة لوجهة نظر السلطة. كما أن الصحافة الخاصة التي تملك حرية نسبية بالمقارنة مع الصحافة العمومية، توجد اليوم موضع   تحرش يتعاظم، يهدف الى تكميم أفواه  بعض الأصوات المعارضة الموجودة  ضمنه و التي تتجرأ على خرق  الحدود التي  يفرضها المريد،  مع آمال  الوصول الى توسيع دائرة وفضاء الكلمة الحرة.

 وبعيدا عن المدن الكبرى، يتواصل تحرش البوليس السياسي بمجموعة من المهتمين بالأنترنت، بسبب منشوراتهم على شبكات التواصل الاجتماعي. في حين أن المأزق الاجتماعي مس حتى أقصى الجنوب، فمدينة تين زواتين الحدودية  مع مالي، كانت مسرحا لمشادات كبيرة. أودت بحياة شاب في الثامنة عشر من العمر، بعدما مسته رصاصة على هامش مظاهرة. وحتى نقول كل شيء فإن مقتل هذا الشاب كان هدفه رادعا.

في الجمعة 19 جوان، و نتيجة عودة المظاهرات في العديد من الولايات (عنابة، بجاية، العاصمة، وهران و غيرها)  سجلنا مئات الاعتقالات. في بجاية وفور بداية المظاهرة، استخدمت القنابل المسيلة للدموع، و الرصاص المطاطي بغية تفريق المتظاهرين . و تم  تسجيل العديد من الجرحى.

متطلبات لها امتداد ديمقراطي كبير

وبغرض التنديد بهذا القمع الموثق جيدا، و في نطاق التضامن مع مواطنينا الذين يناضلون من أجل الديمقراطية ودولة الحق و القانون، فإننا نحن أعضاء لجنة دعم حقوق الانسان في الجزائر-مونتريال، نندد بشدة بالقمع الذي يتعرض له مواطنونا و مواطناتنا، وهو قمع لم يحاسب عليه مقترفوه.

يجب ان تتوقف الخروقات المتواصلة لحقوق الانسان الأساسية من قبل النظام الجزائري،  كما أنه من الواجب إعادة التأكيد على شرعية نضال المتظاهرات و المتظاهرين السلميين،         و المناضلات و المناضلين من اجل التعددية، و كل الصحفيين و الصحفيات و كل شخص يريد ان يعبر عن رفصه للظلم و لإنكار الحق و القانون.

يجيز النظام الجزائري لنفسه هذه الممارسات القمعية لأنّه يستمر لحدّ اليوم في الاستفادة من حصانة تامة تجاه كل خروقات حقوق الانسان التي يقترفها منذ سنوات التسعينيات، و هي المرحلة التي تتزامن مع نهاية نظام الحزب الواحد.  إنّ سيادة هذه الحصانة واستمرارها ينبغي أن تتوقف ليتم إرساء سيرورة عدالة انتقالية.

 إن بناء دولة القانون لا يمكن أن يحجب سيرورة الحقيقة والعدالة.

وفي نظر أعضاء لجنتنا، يتعيّن مطلقا رفع هذا المطلب الديمقراطي للشعب الجزائري و رغبته في الحرية والمساواة إلى مرتبة المبدأ التأسيسي المثالي إذا كانت لنا الرغبة في تعميم ممارسته و إعادة إعطاء قوة عمومية لكلمة ديمقراطية، الذي اختصر هنا وهناك في مرجع ملتبس جرّد من معناه الحقيقي. وبخاصة إذا كنا نريد تفادي الاستخدامات الضيقة، ذات الحدود الدنيا و المرتبطة أساسا بالايديولوجيا و التي تجعل منها قشرة فارغة و في تعارض مع قواعد رفض عدم الأهلية المعلنة من قبل أجزاء من المرؤوسين للمجتمع الجزائري.

يهدف نداءنا بالمقابل إعطاءها مدلولا سياسيا معياريا  يكون ضروريا في هذه الأزمنة التي تتميّز بعودة التوجّهات الأكثرعدوانية و عسكرية.

و بما أن النضالات مشتركة ، فإنّ الرهان يكون من دون شك صياغة شروط مطلب تحرير المجال السياسي الجزائري في إشكالية تتحدّد في مصطلحات الحق في الحقوق ؛ أي في الحق في السياسة على حدّ تعبير حنّا أرندت ، ليكون أساسيا أكثر من أي وقت مضى في مرحلة نكوص كوني في الأشكال الديمقراطية، و الذي سهّلته آثار التفكك الذي يميّز الرأسمالية الجديدة المستبدة و التضافرية بسبب العواقب غير المتوقعة لأزمة  وبائية ونسقية لا يمكن لأي جزء من الانسانية أن ينثني منها ؛ لأنّ مصيرنا هو تراجيدي بقدر ما هو  متقاسم عادة.

يتمثل العامل المشترك لكل هذه الانتفاضات الشعبية في مواجهة ديمقراطية ملموسة للشارع، تمكّن الجميع من المشاركة في صياغة المعيار المشترك، بـــ « ديمقراطية » نخبوية ،غالبا ما تحتكر من قبل « ممثلين » لا يملكون أية شرعية سوى أنّهم ألفوا  دواليب لعبة سياسية تتطلّب من جهة إعادة صياغتها ، ومن جهة أخرى أيضا إبراز ميكانيزمات  المساعدة في التعبير بالنسبة لأولئك الذين يعرفون عجزا في الاعتبار الاجتماعي، و التي  تظهر جليّا في خلاف بين الشعب و الأوليغارشيا العسكرية.

=========================================================

مولود إيدير، نجاة بودة، سليم بوجمعة، نادية بوهند، أمين براهيمي، كريم منصوري(أعضاء لجنة حقوق الانسان في الجزائر مونتريال).

LAISSER UN COMMENTAIRE

S'il vous plaît entrez votre commentaire!
S'il vous plaît entrez votre nom ici