من الفلاح إلى المثقف.. تصحيحات الحراك في الوعي التحرري

0
132


https://alsiasi.com/
بشير عمري

لست ممن اهتم بحال هرم السلطة وصراعاتها وبنيتها المتضادة اليوم بفعل وفضل الحراك بعدما كانت متعاضدة قبيل انفجار ثورته، لأنه بالنسبة لي شخيصا، انتهى أمر التنجيم السياسي ونجومية السلطلة وزعمائها الكارطونيين، وانفتح عهد جديد للواقعية والموضوعية السياسية بالجزائر، من خلال وعي آخر هو الآن بصدد انبساطه الثوري الشعبي الذي طال الوقت أو قصر سينتهي حتما بالانتصار، لهذا لن أعلق على عودة عبد المجيد تبون من العلاج بألمانيا، حتى لا أنحرف عن سياق المشهد الذي يراد له أن لا يُرى تحت الضوء.

فما لفت انتباهي هذا الأسبوع هي المداخلة القوية كالعادة للمناضل المثقف بومالة في إحدى مساهماته في نقاشات تنظمها عن بعد فعاليات من الدياسبورا الجزائرية، أين وجه من خلالها رسائل إلى الأطراف الفاعلة سياسيا في عصيب الظرف الحالي التي تمر به الجزائر، كالجيش الذي دعاه لمراجعة مواقفه حيال ثورة الحراك وبالتالي حيال الوعي الجديد، حتى لا يصطدم مع منطق التاريخ، فيكون خطرا على نفسه وعلى الأمة ككل، كما راسل الحراك مطالبا نشطائه بمواصلة ثورتهم وتفعيل زخمها الأول لأنه لا بديل عن ذلك كوقود لانتاج طاقة الدفع التغييري، ملتفتا في الأخير إلى أفكار الحراك المشتعلة، مناشدا أصحابها أن تضبطوا خطابهم بما يتلاءم والمرحلة الحالية وطبيعتها المطلبية الرامية للدخول إلى مسار معاودة التأسيس الوطني، بعد خراب دام ستة عقود من تجربة دولة الاستقلال، والكف عن التهارش والتطارش بالكلام الفارغ من تخوين وتقسيم وتكاشف يصب في غير مصلحة الشعب ولحظته الثورية المعاشة.

مثل تلك الرسائل تبدو في عقلانيتها وصميم مراميها، تصحيح لمسارات عدة خاطئة في الماضي، هي من تسبب للأمة في أخر تجلياتها موحشة فضيحة 20 سنة من حكم شخص منفصم عن الواقع،  فصل عن التاريخ بفعل جنون العظمة غير المؤسس على أية عنصر حازه يعطيه الامتياز، ثقافي أوفكري أو طبقي، عن بقية المجتمع، بل على العكس منه، كان المجتمع المتطور في مراحل أجياله أنقى منه تاريخا، وأرقى وعيا بالتحولات التي عرفها العالم ومنها سقوط الزعماتية وبروز الشعوب على بوديوم التاريخ مكان الأشخاص الموهومين، واندحار وثنياتحكم الأسر والعشائر، وتكسر الاصنام التي نصبت بيعد الاستقلال بكبرى ساحات وشوارع البلاد العربية وكل البلدان المتخلفة، مؤذنة بنهاية العصر السياسي الحجري!  فلو يتقيد الحراك بتلكم المرامي والاشارات والرسائل “البومالية” لأمكنه ليس فقط حسم معركة التغيير بل لرسم استراتيجة مسار تفعيله البعدية والبعيدة في مداها.

من الأخطاء التي سبق وأن وقعت فيها التجربة الثورية للشعب الجزائري، عدم شمولية خطابها لكل الشرائح والفئات والمؤسسات بأن تكون فاعلة وليس فقط تابعة في المسار الثوري، إذ ما يعيب على العمل الثوري في بعض التجارب هو روح الانقياد الأعمى للأفراد والجماعات لخطابات المعترك الثوري، لهذا سرعان ما تخمذ جذوة وحماسة النضال لديهم كلما ظهر مؤشرات عدم القدرة على التغيير التي يغذيها الاعلام المرتزق والموجه، لينتهي الأمر ليس فقط بالكف عن العمل الثوري بل الالتحاق بالثورة المضادة، وإبقاء الوضع كما كان عليه في السابق!

فالأمر إذا واضح من تجربة الحراك الثوري في الجزائر، ومن خلال أداء عقله في صورة بومالة، بلعربي، طابو وغيرهم، لن يُعاد خطأ الأولين من ثوري الاستقلال، حين انسحب الفكر من ساحة تاركا إياها، لأسباب بعضها موضوعي وآخر غير ذلك، لتلك الثنائية العقيمة القاتلة (السياسي – العسكري) التي صادرت التاريخ وارتهنت مصير الأمة إلى اليوم.

الفشل الثوري الأول هو أنه استعاد الارض وعجز عن تحرير الانسان، لأن الذي حمل السلاح ورسم بخطوه مسار الثورة كان فلاحا، متصلا بوثاق ووثوقية تامتين بالأرض، يرا اغتصابها  أكثر مما يراه من مغتصبات الكينونة برمتها، لأنه لا يكتشف ذاته إلا من خلال مرآة الأرض، وبالتالي ينتهي دوره الثوري بعدم روؤية أقدم الاستعمار وأثرها على تراب أرضه.

لكن تحرير الانسان ليس أبدا مناط نشاط الفلاح بل بالمثقف الذي يتاسع أفق النظر لديه بالعقل، وهو ما لم يتوفر للأمة ولم يُترك له السبيل للتوفر طيلة عقود ما بعد الاستقلال، إذ عندما نختلي بفكرنا الدقيق لنراجع محاصيل تجربة الفشل الاستقلالي، ونجد بأن الجزائر التي هي بثقل تاريخ تنوء عن حمله الصحف والكتب، وشعب متنوع متعدد في روافده الثقافية الخاصة والعمومية، وحجم جغرافيته القاري، لكنه بلا سيادة ثقافية، تصنعها نخب كبيرة، من خلال مؤسسات مستقلة منتجة تأخذ صفة اللوبي في صراعات المجتمع الايجابية، كما هو الحال مع السينما في الدول الديمقراطية العظمى، أين مخرج أو ممثل بمقدوره أن يقلب مسار التنافس في الانتخابات الرئاسية رأسا على العقب، ندرك لماذا بقينا بدون قوة سمعية بصرية على صعيد المحيط الاقليمي وليس في العالم، لماذا لم تتطور السينما صناعة وانتاجا يتغذى بهما الوعي الحضاري للشعب، لماذا تكسرت ريادة المسرح الجزائري القديمة، لماذا كانت السلط توقف استيراد أدوات المعرفة من كتب ومجلات ودوريات، كلما مستها أزمات العلمة الصعبة، تلك الأزمات التي لا تطال أبدا مواد الاستهلاك الأخرى، فالأمر تجلى بكل بيان وتبيين من أن جميع منابع انبجاس وانبثاق الوعي كانت تجفف ليظل الانسان غير متحرر كما تحررت الأرض.

اليوم في الحراك لا صوت للفن ولا للنشاط النخبي العقلاني الذي هو أكثر ما تحتاجه ثورة التغيير، لدعم حجيتها وطرح بدائلها، ورسم آفاقها، غريب أمر هؤلاء، تجدهم طيلة أيام وسنوات السكون والرداءة التي مارسها النظام، يشتكون ويتباكون على واقع نشاط العقل والثقافة والفن، بسبب التهميش القديم للسلطة وعدم رغبتها في الاستثمار في الانسان بحسبانه هو أول آلة اقتصاد وتطور قبل آلة الحديد والنار، وعندما دقت اللحظة الفارقة التزم القليل منهم الحياد، ينتظر إلى من ستؤول الكفة، وظل الكثير منهم غير واثق في قدرة الحراك الثوري على التغيير، بل أن بعضهم أبدى صراحة رفضه للحراك فقط لأنه رأى في صفوفه مندسين ملتحين من أعداء الفن والثقافة، فالتحق بالثورة المضادة.

نسي مثل هؤلاء أن الثورة الشعبية هي لتحرير الانسان بكل تنوعاته البيولوجية والايديولوجية والحرية هيحين تسود تستحيل إلى قوة وسلطة على الجميع، تردع كل من يتجرأ على اللعب على الاختلاف والتنوع ليبث الخلاف وسط المجتمع ومن ثم يمكنه السيطرة عليه، الحرية هي مبيد السيطرة الذاتية والشللية.

وإذا كان هذا هو شأن وطبيعة وأهداف ثورة الحرك الشعبي، أي تحرير الانسان، فهي بالتالي ثورة المثقف على عناصر التخلف، على أخطاء الماضي، التي سببت فشل ثورة الفلاح لما اختزل مفهوم التحرر في الارض، التي كانت منتهى حمله وضالته التي فقدها بسبب جور الاستعمار.

فما أحوجنا اليوم إلى ضرورة تفكيك عبقرية ثورة الحراك، وهي ماضية مشتعلة مشتغلة بأهدافها ومراميها، حتى تتنامى في صفوفها وجحافلها وتتنمى في محتواه ورسالتها، كي تحتفظ بدلالاتها ورمزيتها إلى الأبد كما حصل مع التجارب الثورية في الغرب التي أسست لديمقراطيات كبرى، صعدت بالانسان إلى القمر، بعد أن تحرر من قصة احتلال أو استقلال التراب والتبر.

بشير عمري
كاتب صحفي جزائري

LAISSER UN COMMENTAIRE

S'il vous plaît entrez votre commentaire!
S'il vous plaît entrez votre nom ici