حوار « لن نكرر هذا أبدا » ومونولوج « لا نعيد إنتاج إلا هذا »!

0
123

الجزائر الجديدة 193 « الحل السياسي الذي لطالما رافعنا من أجله يهدف إلى تهيئة الظروف من أجل حوار وطني يذهب إلى عمق وجوهر الأمور، يكون درسه وعنوانه التاريخي (لن نكرر هذا أبدا) « .هذا الكلام للمجاهد والمناضل السياسي حسين آيت أحمد، يعود إلى شهر مارس 2000، من حوار طويل لجريدة « ليبر ألجيري » التي أسسها وأدراها المحامي والمناضل السياسي « علي مسيلي » الذي اغتيل في أفريل 87 بسبب مواقفه الهادفة لبناء التوافق السياسي بين الجزائريين والجزائريات، بعد أن هندس لقاء لندن بين الرئيس أحمد بن بلة وحسين آيت أحمد عام 1985.

كما أن مسيلي كان من أكبر المناضلين عن القضية الفلسطينية.. نضال لم تتحدث عنه وسائل الإعلام لا في الداخل ولا في الخارج، لأنه نضال يمكن أن يؤدي للبحث عن احتمالات أخرى لها علاقة بالاغتيال وبالصمت عن الاغتيال بتواطئ أطرف كثيرة فيه. الحوار السياسي الذي كان يبحث عنه حسين آيت أحمد منذ دخوله المجلس التأسيسي واستقالته منه في بداية الاستقلال هو نفسه.. حوار يهدف إلى تغيير قواعد ممارسة الحكم بأقل تكلفة ممكنة، لأن الرجل يعرف معنى العنف وجروح العنف ومآسي مخلفاته.. هو الذي عانى من العنف المادي، ومن عنف المنفى والجروح التي تقاسمها مع عائلته ورفقائه، وهو يعرف أن العنف يهدم ولا يبني ويقود إلى تعطيل مسارات التحولات السياسية والاجتماعية وغيرها.

« أدعم كل ما يمكن أن ينقذ نفسا بشرية، لأن الحياة البشرية امبراطورية ».. هذه مقولة أخرى لحسين آيت أحمد في الحوار ذاته المشار إليه سالفا.. كان يقول دائما إنه لا يمكن فصل السياسة عن الأخلاقيات، وبأن السكوت عن جرائم التعذيب والاختطاف والاعتقال والاغتيال هو انحراف أخلاقي وسياسي لا يغتفر… هو الذي واجه وزير الدفاع الأسبق خالد نزار في محكمة بباريس بمقولته الشهيرة  » بيني وبينك نهر من الدماء ». مساندة حسين آيت أحمد للملازم لحبيب سوايدية ضد الجنرال خالد نزار، كانت محطة واستمرارية للدبلوماسية الموازية التي قادها ضد الدبلوماسية الرسمية التي دولت الأزمة الجزائرية بعقيدة الاستئصال في تسعينيات القرن الماضي عندما كان محمد الصالح دمبري وأحمد عطاف وزراء للخارجية، ونور الدين يزيد زرهوني سفيرا بأمريكا و عبد العزيز رحابي سفيرا بإسبانيا، وسيد أحمد غزالي وحسين جودي ومحمد غوالمي سفراء بفرنسا، بدعم من زوار الصالونات الغربية والعربية من سعيد سعدي وخليدة مسعوي وليلى عسلاوي ونور الدين بوكروح ومحفوظ نحناح… وغيرهم من بعض المحسوبين على عالم الثقافة والأدب، وكانت رسالة كل هؤلاء أن الحرب الموجودة في الجزائر تهدف لإنقاذ الجمهورية وحوض المتوسط، وهي ضرورة وحتمية تاريخية حتى يغير الخوف موقعه ضد « الخطر الأخضر » بعد زوال « الخطر الأحمر »، في حين أن الحكيم آيت أحمد الذي شوهته الدعاية بعد التوقيع على أرضية العقد الوطني في جانفي 1995، كان يدعو إلى حوار دون إقصاء تحت عنوان « يجب للخوف أن يزول ».

« حوارات السلطة » عنوان للفشل التقليدي: « شاورها وخالفها » السلطة في الجزائر ومنذ تسعينيات القرن الماضي قادت عشرات جولات الحوار، وبعد كل جولة حوار كانت تعيد إنتاج المنظومة نفسها، إما بانتخابات تعرف نتائجها قبل موعدها أو بتغيير دساتير وقوانين لا تطبق، لأن ممارسة السلطة في الجزائر تتم خارج الدستور والقانون وخارج المؤسسات، فقد نظمت جولة حوار في عهد الراحل محمد بوضياف وانتهت باغتياله، ونظمت ندوة للحوار الوطني فرضت فيها الجنرال زروال رئيسا للدولة، وهذا الأخير قاد بدوره جولات حوار انتهت بفرض اقتراع فرضه في السلطة، وانتهى به الأمر إلى ضمان التغطية السياسية لانقلاب على الراحل عبد الحميد مهري على رأس حزب جبهة التحرير الوطني، ليتبعه تأسيس حزب التجمع الوطني الديمقراطي وتزوير الانتخابات التشريعية والمحلية في 1997، ثم هرب بجلده بعد أن ساهم في فرض عبد العزيز بوتفليقة في الحكم عام 1999، بخروجه مخاطبا الجزائريين والجزائريات ليلة الاقتراع بأن الاقتراع سيكون حرا وشفافا، وبعده جاء بوتفليقة وقاد حوارات ألفت بين قلوب نحناح وبوكروح وسعدي… وضمنت الإفلات من العقاب لكل المجرمين وجرمت كتابة تاريخ هذه الفترة، وتوالت جولات الحوار وتغيرت القوانين والدساتير، وكلها تمت بمنطق « شاورها وخالفها »، لأن حقيقة السلطة غير موجودة في واجهتها بل موجودة في غرف مغلقة تعتقد أنها فوق الدساتير وفوق القوانين، غرف تتشدق بالوطنية وهي في الكثير من الأحيان تهدد الوطن.

بوتفليقة بقي في السلطة إلى أرذل العمر، لأنه كان أحسن شخص تبحث عنه المنظومة، لذلك كان مرشحا بإجماع عصبها، ولولا تحرك الشعب الجزائري في 22 فيفري 2019 لكان القطيع السياسي للسلطة قد بدأ هذه الأيام التعبئة لفرضه لعهدة سادسة في ربيع 2024. ولما انطلق الحراك، شكلت السلطة بأمر من قائد الأركان السابق أحمد قايد صالح بتشكيل لجنة الحوار بقيادة كريم يونس، وهي جولة الحوار التي لم تنته من عملها ليعلن المسؤول الأول عن العسكر عن تاريخ اقتراع 12 ديسمبر الذي فرض رئيس ضعيف ومريض، انتخابات تمت مع اتفاق كل المرشحين لها على عدم القيام بالحملة في منطقة بعينها في الجزائر، كما أن حملتهم في باقي الوطن كانت سريالية وهم الذين كانوا يتهربون من الناخبين ويحتمون بقوات مكافحة الشغب.مقيم قصر المرادية بدوره بدأ مشاورات، مشاورات تمت بدعوات تشبه الاستدعاءات، وهي ستنتهي بانتخابات تشريعية ومحلية، بقوانين تقمع الحريات، وبمحاكم لازالت تجرم الرأي والسياسة، وبأجهزة إعلامية تخوّن وتشتم وتمارس التخويف والحرب النفسية، وهو حوار قريب من المونولوج، لأنه لا يعرف موضوعا آخر غير إجراء الانتخابات وتغيير الوزراء بالآليات والممارسات ذاتها.. مونولوج عنوانه « لا يمكن إلا إعادة إنتاج ما سبق »، وهو مونولوج بعيد عن الحوار الذي يغير المنظومة.. المنظومة التي أصبحت تشكل خطرا حقيقيا على الأمن القومي وعلى الوحدة الوطنية واستمرارية الجزائر ككيان سياسي وقانوني، لذلك فإن عودة الجزائريين والجزائريات بشكل سلمي إلى الشارع هدفه فرض ممارسة السياسة بمنظومة جديدة، لفرض حوار حقيقي، حوار سبق لحسين آيت أحمد أن حدد له الموضوع وهو « حتى لا نكرر مآسينا أبدا »، وكما قال في آخر رسالة له « الوطنية اليوم هي الديمقراطية ».

2021 الجزائر في 16 فيفري

رضوان بوجمعة

LAISSER UN COMMENTAIRE

S'il vous plaît entrez votre commentaire!
S'il vous plaît entrez votre nom ici