الحراك الشعبي ومآلاته سنتان ..و ماذا بعد

0
419
محمد عقبة القاسمي

  ·  تمهيد

ليس ضربا من الكهانة أو مبالغات تفاؤل « مفرط » أو نوعا من أحلام اليقظة القول بأن السلطة السياسية وخلفياتها العُصبية في أزمة وجودية حقيقية تتصارع لتتجاوزها في محاولة « غير واقعية » للقفز على « واقع جديد » صار مخالفا لماض قريب، وأن فشلها في إعادة تركيب نفسها في صورة نظام جديد تزداد يوما بعد يوم وتؤكده مؤشرات عميقة وأخرى عرضية. ابتداء يمكننا القول بأن السلطة الحالية ليست فرعا من نظام جديد، هي بالأحرى كيان تشكله عصب تحاول أن تجد عوامل مشتركة وتوازنا داخليا لبناء نظام جديد مستدام.في الواقع هذا الكيان هو ضحية نفسه! لم يفلح في استيعاب فشل النظام الذي كان قبله ليغير من ممارساته. وهو كذلك ضحية التاريخ الذي تجاوز أنماطه، حيث لا يزال يصر على التفكير بعقل سياسي ولّى، ويريد أن يسيّر البلد وفق معايير غير مضبوطة على الوقت السياسي المستجد، ساعته التاريخية متأخرة جدا عن إدراك وقت المرحلة.

لم يستطع هذا الكيان أن يستوعب صدمة الثورة التكنولوجية في مجال شبكات التواصل التي غيّرت واقعنا جذريا، فلم يستقم عنده الفهم بأن منصات التواصل الاجتماعي قد سحبت منه مركزية توجيه الخطاب الإعلامي والتأثير في الرأي العام.لقد راهن هذا الكيان العسكري-السياسي على الوقت لإضعاف ما يقابله من معارضة شعبية متواصلة، واعتقدَ بأن تعليق المسيرات لقرابة عام سينقص وهج الضغط المتواصل، لكنه فشل مجددا في قراءة المشهد؛ فالمعارضة الشعبية بعد أزمة الكوفيد بقيت متقدة في شبكات التواصل، وحرْصُ الجزائريين على التغيير غذّاه فشل السلطة في إدارة أزمة الوباء والشأن الاقتصادي عموما، ووهم التغيير بتعديل الدستور، ثم مرض رئيس ضعيف تركزت فيه واجهة نظام سياسي متهاوٍ.

وعاد الحراك الشعبي ليجتاح الميادين بعد عام بقوة لم تخطر حتى على بال مناصريه، مما أربك السلطة، وخلط حساباتها المختلطة أصلا.

قضية مبدئية : الواقعية بين الموضوعية واللا واقعية

يقول البعض، باسم الواقعية، إنّ صناع القرار الحاليين ربحوا معركة فرض الأمر الواقع وأنهم، بامتلاكهم الأدوات الفعلية على الأرض، قادرون على فرض خطتهم السياسية، فهم ماضون في الانتخابات التشريعية وترسيم ما تبقى من مؤسسات الدولة دون الحاجة الى التنازل أو الإنصات لما تقوله الميادين. ويضيف أصحاب الواقعية « السّلبية » بأن على من يعتقد أن الحراك الشعبي قد يغير المعادلة السياسية، أن يصحو من وَهْم التأثير وإمكانية نجاح الضغط على صناع القرار، فقد بات لزاما وضروريا ابتكار رؤى أخرى أكثر واقعية وجدية واقتراح مبادرات لحلحلة الأزمة وتجاوز منطق الآذان الصماء.

أصحاب هذا الطرح يؤمنون بما يرونه معروضا أمامهم من فرص ممكنة، ويعتقدون أن الفعل (أو ردة الفعل) تكون من خلال ما يفرز لك واقعُك من خيارات. والاختلاف معهم مبدئي في أساسه، له علاقة بالرؤية العامة لتغيير. فمثلا لا نستطيع أن نفصل الجانب الإيماني الوجداني من سياقات النضال والعمل على إنجاح القضايا العادلة، فمهما كان ذكاؤك وخبرتك وقدرتك على إدراك الحلول، إن لم تكن مؤمنا بقضيتك ونجاحك وما يتصل بها من تضحيات ومصابرة على الطريق، فإنك لن تنجح. كما أن التغيير لا يكون وفق ما نراه « واقعيا » لا يتغير وإلا فلم نناضل أصلا.

النضال يبدأ بالإيمان بأنك تستطيع تقويم الاعوجاج وإصلاح ما فسد واعتل.القضية ليست مبالغات في التوقعات تحتاج إلى شحنة عقلنة وواقعية، أو أخطاء لها علاقة بفرص مفوتة، فالماثل أمامنا هو غياب كلي للثقة بين قوى شعبية بات التغيير عندها عقيدة والتزاما، تحتاج أن تلمس مؤشرات « واقعية » لبداية مسار انتقال ديمقراطي جدي تدريجي بنّاء ؛ تقابلها سلطة تعمل كل شيء لتؤكد بممارساتها وخطابها السياسي والإعلامي المتداعي إلى حدّ التناقض، أنها ليست أهلا للثقة بل خطرا على وحدة المجتمع وانسجامه ومستقبله. ليس هناك واقعية أكثر من جماهير تحاور سلطة بما هي عليه فعلا، وتضعها أمام حقيقتها وتُشَرّح مكوناتها، وتفرق بين واجهة مغلوبة على أمرها، وصناع قرار فعليون يمثلون نواتها، ثم تخاطبهم بأسلوب مباشر لا لف فيه أو دوران.

جماهير لخصت ما قاله حمروش في مقالاته طوال سنين عن مركزية الجيش في عملية التغيير وأهمية الحديث اليه والتفاوض معه، لخصتها في كلمتين : مدنية لا عسكرية. الواقعية « الموضوعية » تفرض علينا الإقرار بأن تسجيل تجاوزات وسلبيات في حركة شعبية تحمل عنفوان الثورة الاجتماعية أمر طبيعي في مجتمع لا يزال عرفه غض ويحتاج الممارسة والتجريب ليستوي عوده. هل من الواقعية في شيء أن نطلب الكمال في مجتمع لم تترك له فرصة الانعتاق طوال عقود طويلة من الكبت؟! الجموع الشعبية ليست حزبا مهيكلا ببطاقة مناضل. نقدنا لبعض الهتافات والسلبيات يكون بوضعها في سياقاتها والبحث عن أسبابها، وتقديم النصيحة والتوجيه، لا بإدانة جماعية لجدوى الحراك من أساسه، ثم إعلان الانسحاب منه والتشكيك فيه.لقد أثبتت هذه الحركة الشعبية بأن لها التزام عال بالسلمية : استراتيجتها الأولى في التغيير. وأظهرت أنها متمسكة بسلميتها على الرغم من كل التحديات المعقدة التي صادفتها خلال العامين الماضيين، من طرف جهات داخل السلطة وخارجها، عملت على توظيف قضايا حساسة هوياتية وعرقية وتاريخية لتقسيم المعارضة الشعبية قصد إضعافها وإنهائها، لكنها باءت بالفشل، وبقيت السلمية قدس اقداس الوعي الحراكي، على الرغم من الاعتقالات التعسفية والمحاكمات السياسية لعدد كبير من الناشطين، والاستعمال غير المبرر للعنف والتضييق ضد محتجين سلميين لم يسلم منه حتى كبار السن والعجائز.

هذه التجربة التاريخية الفريدة تنتظر منا أن نثريها ونحفظها ونحافظ عليها وننخرط فيها، وأضعف الإيمان أن لا نكون قوة معطلة لمسارها

وماذا بعد؟

حديثنا عن « البعديات » يجب أن يبدأ من القبليات، يحيلنا إلى تحديد المرتكزات التي نجح من خلالها نظام بوتفليقة في صموده لعشرين سنة، نستشرف من خلالها إن كانت السلطة الفعلية الحالية بأسلوبها التقليدي تستطيع الاستمرار في إدارة المرحلة لفترة طويلة، أو أنها قد تفشل. رصد هذه العوامل يسمح لنا بحيازة نظرة واقعية غير متسرعة وموضوعية، فيها ما يتعلق بِنويًا بالسلطة والنظام ،ومنها ما هو خارج عنها، نعددها فيما يلي: – نجاح النظام السابق في إيجاد توازن داخلي بين العصب والأجنحة: مجموعة الرئاسة اتفقت مع قيادة الأركان ومعها جناح المخابرات في حسم الاختلالات الناجمة عن الخلافات الداخلية بينهم دون أن تتأثر بنية النظام في مجمله. وقد لاحظنا بعد انفراط العقد مع المخابرات في 2015 أن النظام نجح في الإبقاء على توازن معين سيّر من خلاله العهدة الرابعة.

– نجاح النظام السابق في ملء الفراغات السياسة بأدواته الحزبية والجمعوية: بأحزاب واجهة من تيارات مختلفة، ومجتمع مدني موالٍ. كيانات الواجهة هذه يمكن اعتبارها ظواهر استعراضية تأثيرها يقتصر على إشغال الرأي العام بخطاب ديماغوجي سوفسطائي، هدفه الإلهاء وشغل الحيز أكثر من الإقناع.نتذكر كيف كان أويحيى بمهارته التمثيلية يحظى بوصف « رجل الدولة » من خصومه وكثير من الصحفيين، لقدرته على إدارة اللقاءات التلفزيونية والندوات الصحفية بجرعة من التذاكي واستقراء الإحصاءات والأرقام. يشبهه في ذلك بلقاسم ساحلي أحد المتفوقين في الذكاء الديماغوجي والتوظيف البلاغي للخطاب السياسي المبني على السفسطة والتلون، وأمثالهم كثر.

– حيازة البلد على احتياطي ضخم من العملة الصعبة بسبب الارتفاع التاريخي لأسعار النفط التي بلغت 140 دولار، مما سمح للنظام السابق بتجاوز إشكالية العجز في الميزانية، وسمح له بشراء السلم الاجتماعي لسنوات طويلة، من خلال رفع الرواتب، و مشاريع بنى تحتية تحركت معها نسبة النمو الاقتصادي بارتفاع الناتج المحلي الخام، وتضخم سوق الاستيراد الى أكثر من 60 مليار دولار سمحت بوجود وفرة كبيرة ومتنوعة في السلع الأساسية والكماليات منها.

– فشل قوى المعارضة ونخبها (شخصيات مستقلة، أحزاب) في توحيد جهودها والعمل على التعبئة الشعبية لقلب موازين القوى. – لكن أهم هذه المرتكزات على الإطلاق، هي الاستقالة الواسعة في الأوساط الشعبية من الانخراط والتأثير في الشأن السياسي بسبب انكسار ثقة المواطن في السياسة عموما ، وانتشار حالة إحباط عام وتشاؤم حول مستقبل البلد، وشيوع خطاب يائس حينها « أن لا أمل في التغيير ».

أين نحن الآن من هذه المرتكزات؟ كلها انقلبت عكسا.

أولها أن  » بقايا النظام » لم تفلح إلى الآن في إيجاد انسجام في كتلة وظيفية مستقرة. ثم إن أدواتهم الحزبية التقليدية بعد أن كانت تشغل الفضاء السياسي بجلبة خطابية وحضور إعلامي يغطي عورة السلطة، نراها الآن خارج مجال الخدمة، فقدت الثقة في نفسها، ولم تفلح في إنتاج ديماغوجيا جديدة غير مستهلَكة، لا من حيث الوجوه ولا بممارسة خطاب جديد تستطيع أن تشغل به الشعب. وما تبقى منها الآن، ويمارس دور التبرير، لم يعد ناجعا كسابقيه، لأنه ينهل من المعين نفسه: التخويف بالاستقرار، والأجندات الاجنبية، والارهاب وعنف التسعينيات. كل أفكارهم استهلكت، وتحول خطابهم إلى حشو من الكلام، يأخذ من معجم سياسي تجاوزه الزمن.كذلك يجب أن ندرك بأن وظيفة هؤلاء هي شغل الحيز وإشغال الناس وتلهيتها، نجاحهم مرهون بما يجود به (الريع) واحتياطي الخزينة لشراء الهدوء الاجتماعي أي شراء الوقت طبعا. ولم يسعفهم عقلهم السياسي إلى فكرة تطوير الاقتصاد حتى يعطوا أنفسهم على الأقل مشروعية الفاعلية والجدوى. قمة ذكائهم كانت في استهلاك رصيد الريع ورصيد الوقت. حاليا قارورة أوكسجين الريع التي يحيى بها نفدت، وتتضاءل معها احتمالات التمديد.في السياق نفسه يفيدنا مثال أويحي وساحلي وغيرهم، في فهم عقل الحراك الشعبي المتفطن لمناورات السلطة.

لو جئت لأي صحفي أو متابع من ماض قريب، وتقول له تصور بأن أويحيى كان يبيع سبائك الذهب في السكوار فلن يصدق مهما كانت درجة معارضته للنظام، وسيخرج كل المعضدات المنطقية والموضوعية وسيرى فيها مبالغات خيالية، وهو شيء منطقي في تلك الفترة. الآن « الموضوعية » تغيرت، صار كل شي ممكنا فيمن نراهم اليوم أمامنا يديرون الشأن العام، فالجماهير التواقة إلى التغيير لا تثق في الرئيس ولاوفي قائد الأركان، ولا في زوار الثامنة من مسؤولين، فلعل يوما سيحل وتظهر فيه مفاجآت، وكل شيء ممكن. الثقة الآن هي « ثقة عملية » مبنية على إجراءات وأمور ملموسة، وليست على الأماني والتصريحات الفارغة. يبقى الأهم بين كل هذه المؤشرات، عامل حاسم : وجود قوة معارضة اجتماعية يأخذ بزمامها الشعب على اختلاف شرائحه وفئاته العمرية، ورجوع الجماهير الى ممارسة دورها كطرف رئيس في المعادلة السياسية تقابل قوة السلطة، لا سيما جيل الشباب.لقد عشنا في وقت سابق حالة استقالة جماعية عن التأثير في الشأن السياسي، مما أوجد حالة فراغ كبير وخطير، زاد عليها تهلهل المعارضة موالاة أو ضعفا أو إقصاء.

عندما اندلعت شرارة الحراك الشعبي، اعتقدت السلطة الفعلية المتغلبة أنها طفرة اجتماعية جاءت كمتنفس لحالة الغليان والاحتقان بعد مهزلة العهدة الخامسة. واعتقدوا أن الدَفعة الأولى ستتراجع مع الزمن وبتحقيق بعض المكاسب من تحييد بوتفليقة الى محاكمة بعض واجهات الفساد. وجاءت الأزمة الوبائية ليعلق الحراك مسيراته الميدانية قرابة السنة، فاعتقد الكيان المتنفذ الجديد بأن الحراك انتهى ويستحيل أن يرجع الى زخمه الاول.وها نحن نرى بأم أعيننا موجة ثانية من ثورة الشعب السلمية تكتسح الميادين مجددا، فالحراك مظهر خارجي لتحول اجتماعي عميق في الوعي والسلوك، وبالرغم من توقف المسيرات، بقيت جذوة الإصرار والعزيمة لدى الجماهير متقدة على شبكات التواصل، ومسار النضال لم ينقطع، فكان من السهل أن ترجع الجموع الى الشارع الذي صنعته ولم يصنعها، فلنكن إذن على يقين بأن مناخ التغيير سيفرض منطقه في الأخير على السلطة الفعلية.

(في المقال اللاحق نعرض مقاربات الحلول الممكنة لتجاوز الأزمة الحالية.)

LAISSER UN COMMENTAIRE

S'il vous plaît entrez votre commentaire!
S'il vous plaît entrez votre nom ici