تشريعيات 12 حزيران: تغييرات شكلية للحفاظ على الجوهر نفسه

0
691

منذ يوم واحد
https://www.alquds.co.uk/

نوري دريس 

رغم نسبة المشاركة الضعيفة في الموعدين الانتخابيين السابقين: رئاسيات 12 كانون الأول/ديسمبر 2019 (39 في المئة) والاستفتاء على الدستور في 1 تشرين الثاني/نوفمبر 2020 (23 في المئة) واستمرار الحراك الشعبي والمطالب بالتغيير الجذري لنظام الحكم، إلا أن السلطة قررت إجراء انتخابات تشريعية مُسبقة بعد أن قرر الرئيس عبد المجيد تبون حل البرلمان. فلماذا هذا الإصرار على الذهاب إلى الانتخابات وسط تهديدات بمقاطعتها على غرار سابقاتها؟ وعلى ماذا تراهن السلطة في هذه الانتخابات لتتفادى وقوعه تحت أيدي المعارضة على غرار ما حدث في أول انتخابات تشريعية في تاريخ الجزائر، حين صوت الجزائريون للجبهة الإسلامية للإنقاذ كطريقة لمعاقبة السلطة القائمة آنذاك؟

منطق السلطة
قد يبدو إصرار سُلطة تواجه ثورة شعبية وأزمة اقتصادية خانقة وتركة ثقيلة من الفساد وسوء التسيير، على إجراء انتخابات مُسبقة في وقت يرفضها جزء كبير من الشّارع، أمرا غير منطقي، باعتبار أن الأوفر حظا في سياق كهذا هي المعارضة، أو على الأقل هي النخب التي لم يسبق لها ممارسة الحكم، ولم تكن جزءا من الفشل الذي ثار ضدّه الجزائريون. ويزداد هذا الموقف غرابة، إذا كانت البلاد في حالة ثورة شعبية سلمية منذ أكثر من سنتين.
ولكن، للانتخابات في الجزائر منطق خاص بها لا يمكن استيعابه إلى بربطها بطبيعة النظام السياسي الجزائري، والتصور الذي يحمله للتعددية بشكل عام، وللانتخابات التشريعية بشكل خاص. منذ العودة إلى المسار الانتخابي سنة 1995 تحولت الانتخابات (التشريعية خاصة) إلى وسيلة لإعادة إنتاج الوضع القائم، وهذا من خلال إفراغها من مضمونها القانوني والسياسي كأداة للتنافس والتداول على السلطة، سواء أكان ذلك عن طريق التزوير المباشر، أو من خلال ابتكار طرق جديدة للتحكم في العملية قبليا بعديا، من دون أن ننسى، المتاريس القانونية والدستورية التي ما فتأت تضعها السلطة في كل مرة، لسدّ الثغرات التي يمكن أن تدخل منها المعارضة. كما يمثل إقرار الغرفة الثانية للبرلمان في دستور 1996 وعدم التراجع عنها في دستور 2020 بمثابة نزع السلطة التشريعية والرقابية من البرلمان.
في الواقع، لا يتحكم النظام الحاكم في الانتخابات من أجل الحفاظ على السلطة وامتيازاتها فحسب، بل إن هذه الممارسة نابعة من تصور سلبي للتعددية والمنافسة على السّلطة، تعود جذوره إلى الظروف التاريخية التي تشكلت فيها الدولة الجزائرية، ويعكس تأخرا كبيرا للسلطة أمام المجتمع. تعبر المطالب التي رفعها الجزائريون في الحراك عن تأخر البنية التشريعية والمؤسساتية عن التحولات التي عرفها المجتمع خلال الثلاثين سنة الماضية، في حين تعكس الطريقة التي واجهت بها السلطة هذه المطالب تأخرها عن المجتمع، واستمرار التصورات الشعبوية للمجتمع، السياسية والانتخابات.

مطالب المجتمع وحسابات السلطة

في حين يريد المجتمع أن تكون الانتخابات وسيلة لاختيار المسؤولين في المؤسسات السياسية، ويريدون من البرلمان أن يكون سلطة تشريعية ورقابية توازن سلطة الجهاز التنفيذي، لا تزال السلطة تنظر إلى الانتخابات كوسيلة لتزكية الشعب من تختارهم السلطة – بشكل مباشر أو غير مباشر – لتمثيله. السلطة ليست موضوعا للمشاركة أو للمنافسة عن طريق الانتخابات، وإنما فقط ”حق تمثيل الجزائريين لدى السلطة” هو ما يمكن التداول والتنافس عليه ضمن الحدود التي رسمها النظام. إذا كان من السهل التحكم فيمن سينتخَب لمنصب رئيس الجمهورية، بالنظر إلى البعد الوطني للمنافسة، وقلة عدد المترشحين فيها، فإن الأمر ليس كذلك بالنسبة للتشريعيات، حيث يكثر المترشحين، وتتصادم المصالح، وتتعدد الشبكات التي تؤثر في العملية على المستوى الوطني والمحلي.
لا يكفي التحكم القبلي في العملية، من خلال الرقابة الإدارية والأمنية على قوائم المترشحين، ولكن، ولتفادي أي طارئ، أفرغ البرلمان من وظيفته التشريعية والرقابية، وتحول إلى غرفة تسجيل، يستمع فيها الوزراء إلى نصائح النواب، انزعاجهم أو غضبهم في أسوأ الأحوال، أو إلى منبر لإيصال انشغالات سكان المناطق التي يمثلونها.

المراهنة على تشريعيات دون رهان سياسي

رغم مرور ثلاثين سنة على إقرار التعددية، إلا أن الطبقة السياسية لم تتجدد، ولا تزال الثقافة السياسية لما قبل التعددية هي من يسير جزائر التعددية. تنظر السلطة إلى الانتخابات المفتوحة كتهديد محتمل للوحدة الوطنية، وتنظر إلى التعددية الحزبية، حرية التعبير، حرية التجمع والتجمهر، كتهديدات لوحدة الأمة وتجانس المجتمع. وبما أنه لا يمكن إلغاء التعددية بسبب الإحراج الذي يمكن أن يسببه ذلك أمام الرأي العام الوطني والمحلي، واحتمال أن ينظر إلى ذلك كانقلاب، فإن السلطة اختارت تسيير حقل سياسي تعددي بمنطق ما قبل التعددية، أي تقديم الرأي الواحد في أحزاب متعددة، منابر إعلامية مختلفة (عمومية وخاصة). إذا كانت هذه الممارسة قد تضمن للسلطة الاستمرار، والتحكم في الانتخابات، فإنها في المقابل، أفقدت المؤسسات السياسية القدرة على بناء مشروع سياسي أو اقتصادي متكامل، بإمكانه أن يجنب البلد السقوط مجددا في نفس المستنقع الذي سقط فيه عقب الأزمة السياسية والاقتصادية لمنتصف الثمانينات التي انتهت إلى أزمة التسعينات المعروفة، لأن المشروع الوحيد الذي صمّمت لتنفيذه، هو المحافظة على الوضع القائم، وهو في الحقيقة، وضع لا تستفيد منه إلا الشبكات الزبونية وجماعات الفساد التي تحيا وتستمر تحت ظلّ تردد وخوف السلطة من التعددية، ورفضها لأن تكون الانتخابات وسيلة قانونية للمشاركة السياسية للمجتمع، وأداة لمعاقبة الفاشلين وقطع الطريق أمام الجهوية، العروشية وكل أشكال الزبونية والمحسوبية والتوريث العائلي.
لا تبدو السلطة مكترثة بإمكانية مقاطعة الجزائريين لهذه الانتخابات، وربما تكون قد جهزت التبريرات والمبررين لضعف نسب المشاركة. يعكس هذا الاستخفاف نظرة السلطة إلى الانتخابات كغاية في حدّ ذاتها، بدل أن تكون وسيلة لحل مشكلة السلطة في المجتمع، وإسباغها الشرعية الشعبية، وإعادة إحياء الجذور الاجتماعية للدولة والتي انقطعت بسبب ممارسات السلطة طوال عقود. ففي حين تواجه الدولة خطر تقطع جذورها الاجتماعية، وانكفاء الطبقة السياسية الحاكمة على نفسها، وتمييع المؤسسات وإفراغها من مضمونها السياسي والقانوني، لا تزال السلطة منشغلة بأن يكون البرلمان المقبل مثل سابقيه في الوظيفة والمهام، أي من دون سلطة تشريعية ورقابية، وتعتقد أن تضخيم حجم كتلة المترشحين، وبعثرة أصوات المشاركين المحتملين، كاف لجلب الحد الأدنى من المصوتين. لا يمكن اعتبار ترشح عدد كبير من الناس دليلا على نزاهة وشفافية الانتخابات، ولا مؤشرا على استعادة البرلمان لوظائفه التشريعية والرقابية في الدستور الجديد مثلما تروج له السلطة، بل قد تكون كلها مؤشرات على وجود قناعة في العمق الاجتماعي، وفي أوساط شبكات الفساد ومحترفي السياسة، أن الوضع لا يزال نفسه رغم الإصرار على تغيير المسميات، وأن شغل مقعد في البرلمان هو أحسن وسيلة للاقتراب من منابع توزيع الخيرات والريوع ونسج علاقات مع النافذين، أو على الأقل، وفي أسوء الأحوال، سُلما للارتقاء ماديا واجتماعيا في ظل الأزمة الاقتصادية التي تضيق الخناق على الجزائريين. إن التهافت على الترشح بدون وجود مشروع سياسي معقول، سيكون عبئا على السلطة القائمة، وربما سيدعم الموقف الأخلاقي والسياسي للرافضين لهذا الأسلوب في التعامل مع الأزمة السياسية بشكل عام، ومع العملية الانتخابية بشكل خاص، وقد يزيد من تآكل الوعاء الانتخابي الذي شارك في الموعدين السابقين.
اقتباس
السلطة غير مكترثة بإمكانية مقاطعة الجزائريين للانتخابات

LAISSER UN COMMENTAIRE

S'il vous plaît entrez votre commentaire!
S'il vous plaît entrez votre nom ici