في ذكرى وفاة مالك بن نبي.. أو حين تيتمت الوطنية وتشوه التاريخ!

0
792

https://www.raialyoum.com/

بشير عمري

يروي أحد الوزراء الجزائريين السابقين من المشتغلين على قضايا الفكر، أنه سأل مرة في اجتماع حكومي مشترك، رئيس الوزراء الاسباني الأسبق خوسي مريا أزنار عن فيلسوف الثورة الاسبانية أورتيغا إي غاسيت، وما موقعه من المعرفة السياسية في إسبانيا، فرد عليه أزنار بالقول “أورتيغا إي غاسيت هو معلمنا في التفكير السياسي” في إشارة صريحة بأن الثورة وإن كانت ابداعا واندلاعا من العقل العمومي (الشعبي) إلا أنها، في سبيل نجاح مشروعها واستوائها على عودها وقزتها، تظل أحوج ما تكون إلى مراجع الاستنارة المستقلة عن تجاذبات نيران السلطة وتناطحات ثيران المصالح الضيقة التي تشتغل في عشواء التاريخ متلطخة بوحل هوامشه تنتظر فرصة تحقق النصر لتخطف الثمار وتتلبس الانتصار في غفلة من العقل العمومي وسكوت عادة ما يكون متواطئ من النخب.

وإذا كانت منظومة العقل الفاعلة في الواقع السياسي الاسباني قد أنصفت إلى حد معيد معلمها في التفكير “أورتيغا إي غاسيت” فإن الواقع السياسي لدى الجزائر الذي لا منظومة عقلية تحكمه قد تاه بسبب فقدانه للمرجعية أية مرجعية، فضلا عن الحديث عن معلم للتفكير يمكن الاستدلال والافتخار به.

فمالك بن نبي الذي ظل يعتبر الانسان كائنا حضاريا مثلما تجري عليه سنن وقوانين الانتماء البيولوجي تمضي معه قوانين الانتماء الحضاري، وأي ابتعاد طوعي أو كرهي عنها ينتج عن تشوه وجودي وغربة تاريخية وتيهان في المجهول من دون نهاية، ربط دوما عناصر التاريخ وانجازاته بالحضارة، من ذلك السياسة كحقل مفهومي نموذجي يتصل دوما بميراث الأمة واسهامها الإنساني.

واليوم يُرى المجتمع الجزائري غاطس في وحل طريق نحو الخلاص بسبب أزمة السياسة مفهوما ومسلكا، إذ السياسة لديه تبحث عن شكلها في مريا متكسرة، بسبب اللا مرجعية التي أريد لها أن تقود الأمة بعد أن ضُرب التراث السياسي للامة عموما وللقُطر بحركته الوطنية ذات النضال الممتد لنصف قرن من الزمن قبل أن تؤمم تلك التجربة من لحظة وعي جلاها الأمير خالد إلى صبيحة الاستقلال ومصادرة المفاهيم والطروحات من قبل سلطة القوة على حساب سلطة التاريخ.

كان ملك بن نبي من زمرة من شكلوا في دُجى ليل الوطن المعتم وطفولة الوطنية ابان الاحتلال حالة نورانية استثنائية أبرقت وميضا ساطعا في ذلك المشهد الحالك وكانت ثورة لمثقفين لم يُسمع لها وسط حراب الساسة الحالمين والعسكر الحاكمين في ثنائية الموت المتسمرة إلى اليوم، صوتا، وبذلك ضربت حالة اليتم واللا مرجعية عديد المفاهيم الكبرى المتصلة بحقيقة الذات الجزائرية، كمفهوم الوطنية، والتاريخ القُطري والهوية بكل أبعادها المركبة.

هكذا يُتم ولامرجعية ستكون لهما تداعيات كبرى مع توالي عقود الاستقلال، أين سيحضر التفسير “العِلمَوي” والفلسفي النظري لمسائل مُستشكلة في التاريخ الوطني، لملء الفراغ من ارتواءات التجربة الوطنية وتراكمها، فعديد الشرائح والاتجاهات الناشطة في حقل المعرفة الاجتماعية والسياسية والتاريخية اليوم، تنظر إلى الجزائر والذات الوطنية وفق تفسيرات نظرية للنشوء والارتقاء الوطني التي تطرحها المعرفة النظرية البحتة، ولا تنظر أبدا للتجربة كأساس ومنطلق لبناء هاته الذات، لأن أمثال مالك بن نبي غيبوا كمعلمين للتفكير، عكس ما كان عليه الحال في اسبانيا مع أورتيغا إي غاسيت الذي استحضر في التأسيس لمعقولية فكرية وتفكيرية وطنية قرأ الاسبان من خلالهم ثورتهم الخاصة.

العلوم والمعارف المحايدة والمجردة التي درستها أجيال ما بعد الاستقلال في قضايا اللغة والاجتماع والسياسة والتاريخ، واعترضت بها على مشروع دولة الاستقلال، مهما امتدت في الفضاء النظري، فإنها لن تمتلك الوسع ولا القوة لتحل محل التجربة الحضارية للمكون الوطني وتراكماتها كتفسير لمعنى حقيقة الوجود المشترك وحقيقة الأمة الجزائرية التي أنكر كيانها قبل الاحتلال ماكرون، لعجز مسبق من منظومتنا السياسية عن أن “تُعرفن” هاته التجربة الوطنية وذلك لأنها ببساطة، منظومة قامت أول ما قامت على سلطة القوة لا سلطة المعرفة، ورسخت أو حاولت ترسيخ مفهوم عملي بسيط للثورة في وعي الأجيال، حين اختزلت قصة الثورة في نشرات الذكريات، ودفاتر المدارس والكليات بالعبارة الشهيرة بأنها “رصاصة أولى” أطلقت بالأوراسي  في الدقيقة الفلانية في الساعة الفلانية من الشهر والسنة الفلانيين !

فما أحوج العقل الوطني اليوم إلى معلم للتفكير السياسي الحضاري العميق بالجزائر، مثل مالك بن نبي، تماما مثلما هو حال الاسبان مع اورتيغا إي غاسيت، لو أن الإرادة “العرفانية” اتسعت إلى نطاقات الذات الوطنية في جغرافيا وتاريخ الأمة، لكن مسعى حسم معارك الشرعية من خلال حصر التجربة الوطنية وعبقرية المجتمع الجزائرية المتراكمة فيه عبر التاريخ، في بطولة قائد مثل الأمير عبد القادر، بطولة البارود كما وصفها ما لك بن نبي وفعل البارود  يظل في التاريخ محدود مقارنة مع ثورة وبطولة الكلمة، كما كان الحال مع المصلح الألماني ومثبت هوية الأمة الجرمانية مارتن لوثر، تلك البطولة المستمرة إلى اليوم في صورة القوة الألمانية الاقتصادية والحضارية بأوروبا، في حين انطفأت بريق ثورة وصوت البارود في بوادي الجزائر مع سكوت حوافر الخيول لأن التاريخ لا يحتفظ إلا بصوت العقل،  أو اختزال هاته التجربة الوطنية في “زعيم” سياسي مثل ابن بلة أو بومدين، أو في الارتجاع لدى البعض إلى سحيق الآماد ومحاولة التمدد في التاريخ باعتناق أوهام وأساطير مرسومة على أحجار وكهوف، كلها ترنحات وتخبطات سببتها اللا مرجعية والاقصاء المقيت للعقل والمعرفة في مواكبة حركة المجتمع وموجاته الثورية والتطورية في التاريخ، لأننا ارتبطنا فالفتنازيا و بطولات الفحولة المنفلتة ورجولة غبار حلبات القتال والاعتقال دون التعقل مثلما كان ينظر إليه مالك بن نبي.

كاتب  جزائري

LAISSER UN COMMENTAIRE

S'il vous plaît entrez votre commentaire!
S'il vous plaît entrez votre nom ici