الجزائر – فرنسا والصراع على صوت التاريخ

0
734


Aug 27, 2022

https://www.raialyoum.com/

بشير عمري

مذ استقلت الجزائر عام 1962 دخل التاريخ الوطني فيها مرة جديدة من التشكل أو الاحرى إعادة التشكل وفق المعطى السياسي الذي صار يتعاظم فيه الصراع بين فصائل وقادة الثورة في جيس وجبهة التحرير الوطني، الأمر شابهه نسبيا في فرنسا التي اشتعل في جمهوريتها الخامسة فتيل نار اسمه الجزائر بين من عارض استقلالها ومن أيده قبل أن تتمكن الديغولية من السيطرة على الأمر بوسائل شتى أمنية منها ومعرفية والسياسية، والسؤال الذي ينبغي هنا القاءه، لمعرفة أهم عناصر الصراع على التاريخ في البلدين وبينهما، هو  ما الذي يحول إلى حلحلة موضوعية لإشكل التاريخ الاستعماري المشترك بين الطرفين، وهل ثمة نية حقيقية منهما باتجاه ذلك؟.

لنتفق قبلا بأنه ليس تاريخ الوقائع المباشرة ما نعنيه هنا في هاته الاسطر المتواضعة، تلك الوقائع المُمرحلة والُمُمعلمة في الخطابات الرسمية والمدرسية للطرفين لا سيما للجزائر، بل نقصد به ذلك التاريخ الذي فاق في قوة اشكالاته قوة التأويل السياسي والفكري وفرض أحداثه الشائكة نفسها ومعطيتها بوصفها عقدة فهم نظامي البلدين وطرق تحريكهما للماضي الذي لا يزال يسيطر على الحاضر بقوة لا سيما في الجزائر.

adلكننا سنبدأ من فرنسا التي كابرت وبالغت في خطاب نخبها الاستعمارية التي سيطرت ولا تزال على الجهاز الرسمي في المختلف مراحل حكم الجمهورية الخامسة في تمجيد الاستعمار، ففي نطاق المكابرة يتراءى الأمر باعتبار الاستعمار “فتوحات حداثية” باستعارة العنوان من المفكر اللبناني علي حرب، والمبالغة بالقول أنها هي من أوجد الجزائر كما هي اليوم على نطاقي التاريخ والجغرافيا.

استمر الجدل في هذين المحورين ولا يزال، حيث ظل الزعم التحديثي كأداة تبرير للتدمير الاستعماري مستمرا في نقاش نخب الفكر والسياسة، باستعمال لفظ أحداث الجزائر لوصف فترة العنف الثوري التحريري (1954-1962) إلى حدث التطور النوعي بالتداعي لموضوعية ومنطق التاريخ فاستبدلت عبارة “احداث الجزائر” بعبارة “حرب الجزائر” لفظتان غيرتا بمدلوهما الكثير من حمولة الخطاب التاريخي لفرنسا في موضوع الجزائر.

هاته الجزائر التي عرفت ولادة عسيرة لدولة الاستقلال، بسبب صراعات سياسية وعسكرية بين مختلف المجموعات الثورية وحتى التي لم تثر أو لم تقاتل بتعبير أدق، لكنها حرصت على الحضور بقوة نفوذها في المعادلة الوطنية، سيغدو التاريخ فيها مغلقا معلبا، لفرط التصاقه بالسياسة ليس في بعدها الاستراتيجي بل في نطاقاها التكتيكي الغنائمي!

وهنا يبرز الاختلاف في طبيعة نشاط العقل التاريخي بين نخب الطرفين، إذ في الوقت الذي يُناول فيه موضوعه بفرنسا داخل سياق الجمهورية الخامسة ومشروعها الجديد للبلد في سياق دولي متبدل متغير، ما يجعل كل الأسئلة تحضر بشكل موضوعي، تؤكد في الجزائر عديد جهود المذكرات والشهادات الفردية التي ظهرت بعد نهاية الأحادية الحزبية، لإصلاح ما علق بالرواية التاريخية من خلل بسبب التأميم للحقيقة الوطنية – تؤكد – بأن الأزمة في هاته الجزئية تتعلق أساسا بافتقار الاطار السياقي المفترض أن بفرض بمعطياته وأدواته الموضوعية التاريخية، فلا يزال مثلا الرد على زعم إيجاد الاستعمار للجزائر من العدم يقبع في حدود جهود فردية محدودة وتأويلات فكرية معزولة لمعاني الوجود القطري في التجربة السياسية للدولة، لكن انبثاق رواية وطنية يكون لها التأثير على الفكر الإنساني في مثل تجربة الجزائر ويعاد بها النظر في مسألة قيام ونشوء الدولة من قوة الوجود الاجتماعي خارج الحضور المحوري للسلطة المركزية، سواء تمثلت في شخص زعيم، أو عرش عائلي، أمر لم يحدث لسبب بسيط وهو الاسترهاب والاسترابة من التاريخ لكونه، كما أشرنا في سابق مواضيعنا” لا يزال حيا بالحياة المستمرة والمتواصلة لمشاكل السلطة وشرعيتها   !

الغريب في مسار تطور خطاب التاريخ المشترك في البلدين، هو ما طرح مؤخرا في زيارة ماكرون من مقترح يقضي بإنشاء لجنة مشتركة تدرس هذا التاريخ سويا وتطرح مستخلصاتها ومخرجاتها ولربما كان من ثمرة ذلك، الخلاص لهذا الاشكال القائم بين البلدين شعبيا ونخبيا.

الحالة هنا شبيهة أو تكاد، بما وقع مع ما سُمي بقانون المصالحة الوطنية الفوقي الذي فرض فيه بوتفليقة موقفا من التاريخ الوطني في الجزائر، كما فرض مواقفا أخرى بالاعتذار للرئيس السابق أحمد بن بلة ! وأتم بذلك عملية بسط السلطة لسيطرتها وتأميمها وتكميمها للتاريخ والتصرف فيه بما يخدمها، هذا الأخير (التاريخ) وبوصف أحداثه منتجا وطنية شاملا لا يمكن تقنين موضوعاته خارج سياق شروطه الموضوعية، وإذا كان صناع الثورة وقادتها ومن ورثهم من ذرية وتبعهم من أجيال لا يزالون مختلفين حول أمهات القضايا المتعلقة بالوقائع الجوهرية بشأن الصراعات الداخلية الدموية منها والسياسية، فكيف يمكن التسوية التاريخية مع الطرف الآخر؟

الواضح إذن، هو أنه طالما لم يتحرر التاريخ من السياسة في الجزائر، ومن نفوذ نخب الفكر الاستعماري في فرنسا، فإنه يظل من البعيد بمكان الحديث عن حلحلة لمشكل الاستعمار باعتباره جريمة ضد الإنسانية يتوجب الاعتذار لا الانكار، وأيضا الإقرار بالوجود السيادي للأمة الجزائرية، مثلما يطلبه الطرف الجزائري وبعض القوى الفكرية والثقافية الفرنسية الموضوعية المتحررة عن هيمنة وثقل التراث الاستعماري، والعكس منه باعتباره أداة تحديث وعصرنة بالمنطق الفرنسي الاستعماري، تؤيده أيضا بعض النخب الجزائرية المستلبة.

كاتب  جزائري

LAISSER UN COMMENTAIRE

S'il vous plaît entrez votre commentaire!
S'il vous plaît entrez votre nom ici