في لا تاريخية الزعامة الوطنية العربية.. الجزائر كنموذج

0
577

https://www.raialyoum.com/
Sep 09, 2022

بشير عمري

تقف الزعامة الوطنية في الفضاء العربي كما في الجزائر، باعتبارها جسر لتجاوز لحظة القلق الوطني عند حدود الفعل البطولي الآني ذي السحر الشعبوي، حتى وإن حاول بعض من جسدوها قدر ما استطاعوا أن يدخلوا بها باحة التاريخ، بيد أنه وبسبب افتقارهم لأهم أسس وعناصر الصفة “التاريخية”، سرعان ما تلاشت زعاماتهم تلك بزوال المبررات الوظيفية للبروباغندا التي كان حضورهم يتغذى من خلالها.

ما هي الزعامة التاريخية التي صنعتها تجربة الغرب في التاريخ السياسي الإنساني، وقابلتها مقولة “الزعيم الخالد” في تجربة العرب الوطنية؟ كيف تخلدت لدى الغرب واستمرت في الفكر، وتوقف لدي العرب واستقرت عند الشخص؟

 لا بد من الاتفاق أولا على أنه مبدئيا تظل المجتمعات المستعمرة حديثا هي الأكثر حرمانا من الأثر الايجابي الزعامة التاريخية، لكونها حٌرمت من فضاء انبثاقها الطبيعي التحضري وهو الحوار والنقاش الوطنيين وخاصة من حرية الرأي وتعدديته ودون اغفال عنصر تغييب التنوع الثقافي والاجتماعي المغذي الرئيس للفكر الوطني.

فلا أحد وفق ما سبق يتصور إمكانية ظهور، في مجتمع راق ثقافيا، واع سياسيا، شخص أو شخصية، يستخلد (طلب التخليد) أو يتخلَّد (بالقوة) لدى شعبه كنا هو دارج في المجتمعات التي تتنازل فيها شعوبها عن بطولاتها لإشخاص مهما تعاظمت عبقرياتهم وكبرت تضحياتهم.

الزعامة التاريخية هي تلك التي حملت مشاريع فكرية وسياسية معبرة عن الحقيقة الوطنية كما هي في موضوعيتها التاريخية لا كما هي في ذاتية أصحابها، لذا كانت مشاريعها تلك إضافة حقيقية لنسق الفكر الوطني، واستحقت أن تتأسس وتتخلد فيه كتيار أو فلسفة للتعبير عن الوجود الوطني وسبل إدارة شأن الحكم والحوكمة فيه.

من سوء حظ الجزائر، أنها إلى غاية لحظتها الوطنية لم تتمتع بهذا الصنف من الزعامة، بل ظلت الصفة البطولية الشعبية والشعبوية الآنية هي الحاضرة في حظيرة انتاج الزعامة الوطنية، في فترة المقاومات الشعبية برزت شخصيات بطولية من مثل الأمير عبد القادر وأحمد باي، ثم تلاهما الأمير خالد، حتى هلَّ هلال الحركة الوطنية وسطع في فترتها مصالي الحاج، وبعد الاستقلال تناوب على “الزعامة” رفاق وخصوم، من بن بلة الذي حكم ثلاث سنوات قبل أن يطيح به بومدين ويعمر لثلاث عشرة سنة ومثلها الشاذلي قبل أن يأتي بوتفليقة من رحم الموت الذي ساد اللحظة الوطنية لزهاء عقد من الزمن ليجثم عل صدر الأمة لعقدين كاملين اقتضى الخلاص منهما صورة شعبية جارفة عُرفت بالحراك الوطني في 22 فيفري 2019.

كل هؤلاء “الزعماء” لم يتركوا تراثا سياسيا بالمعنى التاريخي الفكري لمصطلح التراث، بحيث يغدو توجها وطنيا متمثلا في العقل والعقد الوطنيين، والمَعْلَمة التي تعطى اعلاميا لفترات حكم هؤلاء، كالبومدينبة أو الشاذلية ثم البوتفليقية، لا تعدو دلالة توصيف لشاكلة تعامل كل واحد منهم مع طبيعية منظومة الحكم المعقدة، فإن حصل وزاد الأمر عن ذلك شيئا، فسيقف عند مستوى ما طرحوه هي مبادرات وبرامج خاصة برؤاهم لا تنفد إلى أعماق التاريخ الوطني حيث الحاجة إلى فكر جاد وجدي وتأسيسي للجماعة الوطنية!

ودون الايغال في ذلك في الأسباب البنيوية التاريخية كما سبقت الإشارة اليه في هاته الأسطر، يمكن أن نرد الأمر إلى عدم قدرة هؤلاء على استيعاب المعطى الوطني في أبعاده الكلية والدقيقة معا، في تاريخه في تنوعه، وهو شرط أساسي لإنتاج المعنى الوطني ووضعه في السياق التاريخي العابر للأزمنة، ماضيا، حاضرا ومستقبلا.

فلا أحد من تلك الزعامات تمرْجع فكرا وسياسة للسلف الوطني ممن قدموا على أنهم أباء أو حتى مؤسسو الجزائر الحديثة، عدا الرمزية التاريخية التي خُص بها بعضهم (الأمير عبد القادر) وحُرم منها البعض الآخر (مصالي الحاج) والتي (الرمزية) تتوقف عند حد ملء الفراغ الكرونولوجي الوطني في مساره السياسي كتأكيد لوجود أمة !

بينما نجد في الأمم والدول ذات الثقل في الحضور السياسي في تاريخها الوطني اتجاهات وتمرْجُعات لقادة في الحكم والسياسة والفكر من عديد الشخصيات والجماعات والأحزاب والزعماء حتى، كاليديغولية في فرنسا، وويلسونية في أمريكا، وعلى ذكر أمريكا، نشير في سياق الفكرة إلى ما ساقه جيل فاندال في كتابه الشهير “باراك أوباما 14 مبدأ للزعامة” عن تجربة أول رئيس أسود جلس على عرش البيت الأبيض، وكيف أنه استلهم الكثير من فكر الرئيس الـ16 لأمريكا أبراهام لينكولن وهو يسعى إلى تكريس التحضر في النقاش السياسي الأمريكي، حيث اعتبر أوباما ابراهم لينكون أحسن من أجاد فكرة المصالحة بين الشماليين والجنوبيين في الحرب الاهلية الامريكية بالإضافة إلى سياق جهده الخاص دون مصادمة أو صدام اجتماعي لإلغاء العبودية والميز العنصري بشكل متدرج.

في حين بقي الفكر الوطني مأسور مؤمم في مواريث سلطة الزعامة، ما حرم هذا الفكر من الاغتناء من تراثه وتجربة وعبقرية المجتمع السياسي غبر مختلف أطواره  ولعل ذلك عائد إلى سمة الصراع التي طبيعة العلاقة بين السياسي والعسكري والتي لا  ملازمة لسيرورة الوطنية منذ نشأتها إلى واقع لحظتها اليوم، ذلك لصراع الذي يحسمه العسكري بمنطق القوة لصالحه، وهو ما ذكره الراحل بوضياف، حين جاءه ذات مرة قائد أركان الجيش طاهر زبيري ليلقي عليه القبض فرد الزبيري عن سؤاله بخصوص السبب “سياستك لا تتلاءم أو تتاواءم مع سياستي، فأجبه بسخرية بوضياف “لا سياسة ولا هم يحزنون، كل ما في الأمر هو أنك تملك السلاح والقوة وأنا سياسي مدني أعزل !

وما فاقم من فقر الوطنية الجزائرية على مستوى إنتاج الفكر، وسبب بالتالي ضعف حضورها في الإشكالات الكبرى والأزمات السياسية المعقدة التي واجهت ولا تزال الوطن، بالإضافة إلى الوصاية الرسمية والمستمرة على التاريخ، هو ضعف المنتج الأكاديمي في استخراج جواهر العبقرية السياسية من أفكار وطروحات متضاربة لعديد العقول المتأملة على قلتها والقادة الميدانيين قبل وأثناء وبعد ثورة التحرير، ما كان سيسهم في فك الاشتباك الحاصل بين السياسة وحسابات الفاعلين فيها والتاريخ وأحداثه المختلف بشأنها، بموضوعية الفكر، وهذا  ما فرض شرعية السؤال الوجيه، هل يشكو التاريخ الوطني حقا من غياب أو تغييب لجهاز نقدي متحرر يعيد تشكيل ماضيها ويرسخ حضور عبقريتها السياسية وكيانها كأمة في باحة التاريخ.

هكذا إذن ستظل التجربة الوطنية في الجزائر كما في المحيط العربي منزوعة مصادر التغذية والنماء من تجاربها التاريخية وذكائها الذاتي، طالما أن الحقيقة الوطنية تظل منفصلة عن المجتمع مصادرة من قبل السلطة التي تريد عبر زعمائها غير التاريخيين أي غير المنتجين للفكر أن تتخلد في التاريخ كأشخاص على حساب تاريخية وزعامة الشعب والمجتمع!

كاتب  جزائري

LAISSER UN COMMENTAIRE

S'il vous plaît entrez votre commentaire!
S'il vous plaît entrez votre nom ici