أي مهمة لجيل التعددية الثالثة بالجزائر؟

0
794


Nov 04, 2022

https://www.raialyoum.com/
بشير عمري

مرت منذ أيام ثلاثة ذكرى اندلاع الثورة الجزائرية في الفاتح من نوفمبر عام 1954، ومعها مر كالعادة جانبا، السؤال حول العمق الدلالي للذكرى وحيثياتها وخلفياتها التاريخية بوصفها (الثورة) نموذجا وطنيا خاصا في تجربة التغيير والتحرير قلّ نظيرها بل ولعله انعدم في النماذج العالمية الأخرى كونها لحظة تثوير لمجتمع يتوالد في ذات اللحظة بكونه كذلك (مجتمعا) وأمة ودولة بعد 132 سنة من التفكيك ومحاولة إعادة بناء كيان موزايكي متغرب عن حقائق الزمان والمكان معا، بحجة أنه لم تكن في هذا الفضاء الزمكاني أمة أو دولة من قبل ذلك.

كيف عجز العقل السياسي الجزائري عن الاشتغال على تجربته في إعادة إنتاج عبقرية التحول السياسي التي تفرضها تقلبات الوعي والتاريخ؟ ما سبب اخفاق النخب في فهم أسس الانتقال السياسي وبالتالي استحضار مستلزمات هذا الانتقال الموضوعية.

تحيلنا مثل هاته الأسئلة إلى ضرورة تحديد الإطار الوظيفي الذي مضى عليه هذا الفاعل التاريخي اليوم في المشهد الجزائري، إذ يضعنا الخطاب السياسي الذي ساد مذ استعاد المجتمع ولو شكليا، شكله التعددي بعد أكتوبر 1988 أمام حقيقة تشوه دور السياسي وتداخله مع أدوار فاعلين آخرين ما سهل عملية احتوائهما هما الاثنين من طرف السلطة.

فمشكل السياسي المعاصر في الجزائر، والكلام هنا عن جيل التعددية الثانية أي التي تلت أحداث أكتوبر 88، أنه ظهر من رحم الفراغ، غير متصل بتجربة التعددية الأولى التي سبقت ثورة أول نوفمبر، لهذا كان رصيده من القضية الوطنية وخصوصيتها التي أشرنا أليها آنفا ضعيف، ومن درايته بخاصية السلطة وبنيتها الصلبة محدودة واعتبر أن الديمقراطية التي ينشدها، هي متاحة وفق الشروط العلمية والتاريخية التي درسها في الجامعات وفق نظريات ومفاهيم لا تتصل بالواقع ولا بالخصوصيات في شيء.

هكذا تصور لأزمة الواقع الجزائري، جعلت الفاعل السياسي الوليد الجديد لجيل التعددية الثانية، يقع في أزمة “هوية وظيفية” إن جاز الوصف، بحيث لا يدري إن كان أساس حصوره في مسرح السياسة هو “التعبير” أو التغيير غي مسرح الاجتماع والسياسة للبلاد، وأي مرتكز محوري في الجوانب تلك لمشروعه وبرنامجه النضالي العام.

من هنا بدأ الخلط يقع ويتسع في الخطاب كما في الممارسة بين مزاعم النضال والحركة في السياقات الوظيفية التي تطرحها النماذج الغربية وفق مستخلصات تجربتها التاريخية الكبرى، كـ”المجتمع المدني” والمجتمع السياسي” وغيرها من الحقول والفضاءات الوظيفية للمجتمع والأمة.

مثل هذا الخلط الوظيفي غيب وضبب أساس الرؤبة الموضوعية للأزمة السياسية في الجزائر والذي هو ذاته، أو المفترض أن يكون، أساس الصراع بغية إيجاد الحل والعبور من مرحلة تسوية حسابات الماضي إلى مرحلة بناء الحاضر.

أكثر من ذلك وفر هذا الخلط الوظيفي الفرصة المثلى للسلطة كي تغرق المجتمع في أسئلة نخبه السياسية المتجذرة في تربة الفكر النظري سياسيا وتاريخيا، والمنقطعة في معظمها عن حقيقة الواقع وأصل المسألة الجزائرية في معضلة انولاد سلطة الدولة ودولة السلطة وما ترتب عنهما من صراعات ونزاعات غيبت ولا تزال أهم الحقوق وعلى رأسها الحريات والفردية والجماعية المفضية وحدها إلى بناء مجتمع جديد ومتين.

لقد تناكف سياسيو التعددية الثانية لمجتمع السياسة في الجزائر، حول مسألة الأيديولوجيا، وكل عناوين الهامش في التاريخ، وتركوا العنوان الرئيس الذي كان يستوجب الوقوف عنده وعدم مبارحته قبل حلحلته بشكل تام وعام ونهائي، وهو الانتقال السياسي الحقيقي من خلال الإصرار على مبدأ الحرية والقبول بخيار الشعب مهما كان منبعه ومصبه.

ومسحة وجيزة لخطاب الصراع السياسي في الجزائر الذي حفلت به تجربة التعددية الثانية لهذا المجتمع الجريح، تجعلنا نصل إلى قناعة أن السياسي أخفق ولم يع بعد مكامن ولا أسباب اخفاقه في تحديد دوره الوظيفي في طارئية اللحظة التاريخية، كما فعل سلفه في تجربة التعددية الأولى حين حدد من دون مواربة ولا تردد وظيفته ومهمته التاريخية وهي تحرير البلاد والعباد من الاحتلال، ولم يكن لديه وقت لتلهي بالجدل النظري الفكري والأيديولوجي، كما كان مع خلفه، أي الجيل الحالي، الذي تناقش وتناكف حول كل القضايا إلا جوهر الأزمة الذي كان ولا يزال ضرورة العبور السياسي بالبلاد من نمط في الحكم والسيطرة والتوجيه إلى نمط جديد، ففي كل مرة يحضر عنصر التسلي والتلهي كأساس لصراع الجماعات الوظيفية والسياسية في الجزائر، فمرة يستعر النقاش حول المرأة بين ضرورة تحريرها واحتجازها! مرة يشتعل الجدل حول الهوية وأصل المجتمع (وليس السلطة) بين قائل بعروبته وآخر بأمازيغيته، وفي كرات ومرات يستحضر الدين إلى وليمة الهامش القتلة ليتداعى عليها المتكلمون الجدد في الفكر والدين والسياسة بين علماني يعتبر أن الحل هو في حصر الدين في الجوامع والصوامع كما تحصر كرة القدم في الملاعب، وبين قائل بضرورة نقل كل المجتمع إلى الجوامع، وهكذا مرت عقود ثلاثة عجاف من غير ثمار ولا أفكار سياسية حقيقية ترسم إطار التغيير اللازم للمجتمع والدولة في الجزائر.

فواضح إذن وبلا غبش أن السياسي في الجزائر اشتغل في نطاق التعددية الصورية التي رسمت له على كل شيء إلا على السياسة، وفي كل مرة كان يحاول فيها بعض قادة الوعي الوطني القديم المحملين بثقل التراث السياسي والوطني الأول ممن كُتب لهم حضور تجربة التعددية السياسية الثانية، من أمثال الراحلين، حسين آيت أحمد وعبد الحميد مهري وبن يوسف بن خدة، تصويب الوعي الجيلي الجديد وإعادته إلى الاطار الصحيح في المسألة الوطنية ومعضلة إعادة تفكيك بنية الحكم باعتبارها أساس الازمة المتصلة والمتواصلة في أدراج ازمنة، كانوا يواجهون بعنف التخريب والتشقيق (الانشقاقات الحزبية) والتمردات العلمية، بل والطعن في رصيدهم النضالي الأول والتخوين في الثاني أي اعتبارهم أدوات أعداء الخارج تعتمل هنا في الداخل.

واليوم بعد كل هذه السنين والعقود من الضياع الوظيفي للسياسي الجزائري، يظل السؤال ما طبيعة ودور ومهمة الجيل الثالث من التعددية أمام تعدد وتراكم القضايا التي خلفها الفشل المتواصل في تحقيق الانتقال السياسي الحقيقي، وأي مرتكز لمهمته القادمة إذا لم يكن واجب التخلص من معضلة ديمقراطية الواجهة؟

كاتب جزائري

LAISSER UN COMMENTAIRE

S'il vous plaît entrez votre commentaire!
S'il vous plaît entrez votre nom ici