خطيئة الوعي اللامؤسسي في القيادة بالجزائر.. بين بوتفليقة وبلماضي!

1
626


Nov 18, 2022

https://www.raialyoum.com/

بشير عمري

شكلت ظاهرة جمال بلماضي باعتبارها حقلة ظلت مستثناة في الجدارة والأحقية في وإدارة وممارسة المسؤولية بالجزائر بعد تتوجيه مع المنتخب بكأس أمم افريقيا لسنة 2019 بمصر – شكلت –  حالة معقدة في منظومة إنتاج القيادة تقييم النجاح في وعي المجتمع الجزائري، الذي لا يلبث أن ينصدم في كل مرة يعلوا فيها من شأن جهة أو شخص أعتقد أنه مصدر بل مبتدأ ومنهى الخلاص من الخيبات والأزمات.

فبعد سنتين من المديح بغير حد لمدرب المنتخب جمال بلماضي، صار هذا الأخير مذ خرج من الدور الأول من كأس أمم افريقيا الأخيرة 2022 بالكاميرون وما أعقبها من انتكاسة بعد السقوط في بليدة أمام الأسود غير المروضة الكاميرونية، محل تراجع بل ونقد لاذع عبر السوشيل ميديا من ذات القواعد الجماهيرية التي تغنت به مطولا وعصمته من غيره من المدربين، فما سبب هدا المنقلب؟ وما هو منطق المسئولية ومعيار النجاح فيها في وعي الشعب الجزائري؟

لا بد في البداية من الإشارة إلى أنه في المجتمعات التي يُمنع فيها منطق المؤسسة من الانبساط، وتختزل فيها العبقرية في الشخص الواحدة، هي عادة ما تكون عرضة للخيبات والنكسات على جميع الأصعدة، ذلك لأن منطقها حول المسئولية قائم على الخوارق والقدرات غير الطبيعية التي تنزع عن العمل وما يثمره من نجاح كل شيء طبيعي يخضع لشروط زمنية وتاريخية وبالتال يُتوج فيها الأشخاص كأفراد بذاتهم بكل السلطات والصفات العليا ويستحيل من ينتقدهم أو مجرد ابداء الملاحظات اتجاههم إلى مدنس وخائن وعاق للحقائق !

حال بلماضي في تجربته مع النجاح الأولي بالنظر إلى رؤية الشعب تلك، هي كحال بوتفليقة في بداية نظام حكمه، والشبه بينهما ليكاد يكتمل نسقيا بشكل يفضح ويدين شاكلة الوعي الشعبي العمومي بالمسئولية وطرائق إدارتها واستيعاب منتجها أو نجاحها إن تحقق فعليا.

بلماضي عين خلفا لرابح ماجر الذي عجز عن نقل المنتخب إلى بر الأمان بعد الأزمة التي عصفت به إثر دفع المدرب كريستيان غوركيف إلى الاستقالة، وأفلح في استيعاب سريع للأسباب إخفاقات من سبقوه ما مكنه من الظفر بكأس أمم افريقيا لسنة 2019، ليتربع بالتالي على قلوب الجزائريين المهووسين بكرة القدم.

الأمر مثله كان قد حدث مع بوتفليقة في مسألة إيقاف نزيف الحرب الأهلية التي زُجت في أتونها الأمة وخلفت مئات الالاف من الضحايا، عمل على ما زعم وقتها استعادة السلم والمصالحة مع أن ذلك كان مسارا في طور الاتمام على اعتبار أن قوانين أخرى كانت قد سبقته في هذا الاتجاه، مثل قانون الرحمة لليامين زروال، إلا أن كل ذلك صب في حساب بوتفليقة الذي ستخدمه أيضا ظروف الاقتصاد الدولي مع تصاعد أسعار النقط فيترسخ في وعي الناس الخاطئ أنه (بوتفيلقة) ليس فقط آمنهم من خوف (انهاء الحرب الاهلية) بل وأطعمهم من جوع ! فتقدس الرجل وصار يستخف القوم إلى درجة الترشح والتتويج بالرئاسة لولاية رابعة، عبر صورة مكبرة تجوب انحاء الجمهورية يحملها سدنة وخدمة عرشه الرئاسي.

جمال بلماضي الذي ورث منتخبا تم بناؤه على مدار عشرية كاملة بدء من سعدان الذي استقدم مبولحي حارس المرمى، مرورا بعشرة ناخبين، آخرين، بن شيخة، حاليلوزيتش، غوركيف، نغيز، ريفاتش، ليكنس، ألكاراز، ماجر، لم يأخذ بعين الاعتبار أن المنتخب كان في طور حياته الأخير، وأن التتويج معه بكأس افريقيا هو بمثابة المحطة الأخيرة ومنتهى هدفه قبل انتهاء فترة صلاحيته، ليقرر الاستمرار به في مرحلة لم تعد مرحلته في خلاف مع منطق الأشياء، وبالتالي عرَّض ليس الفريق وحده للانتكاسات بل وما انجزه هو معه أيضا.

السبب المشترك في سقوط بوتفليقة ومثله بلماضي هو الاعتقاد النرجسي في قوتهما الذاتية وضعف البقية، وما زاد من قوة اعتقادهما ذلك واستراحتهم التامة إليه، هو ما قابله من اعتقاد حقا البقية في ضعفهم وقوة بوتفليقة وبالماضي كونهما قائدان خارقان للعادة وللطبيعة معا !

هذا الوعي الخاطئ من الطرفين القيادة (بوتفليقة وبلماضي) من جهة والقواعد الجماهرية من جهة ثانية، ناتج بالضرورة عن غياب ثقافة المؤسسة والحضور الطاغي لثقافة الشخص المخلِّص الذي لا يرقى إليه أحد ولا يتوجب أن يجابه بملاحظة أو بنقد، فبوتفليقة داس منطق المؤسسة التي صارت صورية شكلية، وجعلها محل سخرية في الوسط الشعبي، وبلماضي تجاوز الأمر بكثير إلى درجة أنه أصبح يستشار في تعيين المسئول الأول عن الاتحادية الجزائرية لكرة القدم، المفترض أنها هي الجهة الوصية وهي من تستخدم وتتعاقد مع المدرب وتدفع له راتبه !

وعوض الثورة على مثل هذا السلوك وتصحيح للوعي والمسار، مثلما حدث مع بونفليقة حين أطاح به الشعب في ثورة عارمة بعد أن كسر منطق المؤسسة وكرس ثقافة الشخص الزعيم الملهم الملم بأسرار الزمن، ما تسبب في استشراء الفساد والكساد بالبلاد، أعاد الكثير من الشعب الكرة مع بلماضي، بإضفاء طابع الاستثنائية والعصمة عليه واعتباره مصدر للنجاح بذاته، فراحوا ينادون بتتويجه مدى الحياة على رأس المنتخب بل وضحكوا معه على المؤسسة (اتحاد الكرة) مستخفين بأهميتها وضرورة تفعيل سلطتها.

لكن بعد مصيبة عدم بلوغ مونديال قطر، ورغم كل المسوغات والتبريرات التي أريد من خلالها إعفاء بلماضي من مسئوليته فيها، بسبب خياراته الفنية والاستراتيجية والتكتيكية في ظل قمعه لكل سلطة مضادة وملاحظة متكئا في ذلك على تلك الشعبية الهوجاء الرعناء، صارت الأصوات المعارضة لبقائه تتعاظم من مباراة إلى أخرى.

منطق اللامؤسسة أعظم ما يعجز الأقوام الذي تحمله في وعييها عن التطور والخلاص من مسلسل انتكاساتها وانكساراتها التاريخية، وربط النجاح بالأشخاص يفقد الأمة قوة الشعور بقوتها الذاتية وعبقرية التي لا تتجلى إلا في أطار العمل المؤسسي الحقيقي، والمثل الأمريكي هنا واضح في وصناعة وقياد وإدارة القوة العظمى في العالم اليوم، حيث رئيس يعقب رئيسا والبلاد ماضية نحو التطور بفضل النسق المؤسسي الذي يحميها من كل فخ أو عثرة قاتلة قد تصادف جهد شخصي عارض، مهما كان أسمه أو مسماه.

كاتب صحفي  جزائري

1 COMMENTAIRE

  1. L’egypte que je classe pratiquement la meilleure équipe d’afrique, son entraineur, le portuguais Carlos Queiroz a reconnu sa défaite contre le Sénégal et a plier bagages! on peut quand même poser cette question : que fait encore Belmadi à la tête de notre sélection???!!!!

LAISSER UN COMMENTAIRE

S'il vous plaît entrez votre commentaire!
S'il vous plaît entrez votre nom ici