النخب السياسية العربية والرهانات الخاسرة في أفق معركة التغيير

0
2120


Jan 12, 2024

https://www.raialyoum.com/

بشير عمري

لا يمكن تقييم تجربة سياسة طارئة لمجتمع ما إلا عبر النظر في الأداء الميداني لنخبه، فهي واحدها العاكسة لطبيعة تلكم التجربة وقدرتها على القطع مع الماضي وطرح أفكار ورؤى بديلة في أفق خلق وضع سياسي جديد يعيد للمجتمع توازنه ويمنحه القدرة على الانطلاق باتجاه التموقع الحضاري الأمثل والاسهام في صناعة التاريخ.

والنخب التي صدقت ما وعدت نفسها ومجتمعها به، لا شك أنها عظُمت في المحضن الوطني، بغض النظر عن انتمائها الفكري والسياسي، على شاكلة فاكلاف هافل الكاتب التشيكي الكبير وأتباعه، وإبراهيم روغوفا وحزبه، وعلي عزت بيقوفيتش وجماعته، أما تلك تهاوى نجمها وسط غبار معركة التغيير لعدم أهليتها أصلا في التواجد بساحة تلك المعركة، مثلما نُقل عن الكبير محمود فهمي وزير خارجية مصر، فيما أورده حسنين هيكل، وهو يجيب عن سؤال رئيسه جمال عبد الناصر حول رؤيته للوضع وشاكلة تصرف من حوله من سياسيين “سيادة الرئيس التحديات كبيرة والرجال صغار” فهي تلك النخب التي خانت رسالتها وخدعت نفسها، بعد إد تنازلت وبدلت ما وعدت به تبديلا.

فما الذي يمكن أن يجعل التحديات أكبر من الرجال في مرحلة القلق الوطني؟ وهل ثمة من آفاق لتيارات السياسة في الجزائر وفي العالم العربي والإسلامي، كي تراجع فكرها وتفكيرها وتنقلب إلى الموضوعية المحتومة حتي تسهم بحق في تحقيق التغيير المرجو؟

ما يبدو وقعا في الجزائر في تجربة عقلها السياسي لمرحلة التعددية هو أن إخفاق نخبها ليس يقف في كارثيته عند حد مسألة كونها لم تستطع أن تتحرر من ميراثها السياسي السري القبْلي، بل إنه ليكمن أساسا في تجاوزها لذلك الميراث من دون أن تتمكن من وضعه على طاولة التشريح والتحليل لمعرفة أسباب عدم القدرة على تكريسه، كي يتسنى لها إيجاد العناصر الموضوعية الغائبة في استراتيجيتها بمعركة التغيير.

فعملية تجاوز ميراثها السياسي السري التي فرضت عليها، من خلال زوايا احتوائية عدة، استطاعت السلطة بواسطتها أن تنزعها عن أصولها وحبلها السري، أفقدت هاته النخب هويتها المتمحورة حول الفكرة الأساسية التي نشأت عليها والتي تدور نواتها الرئيسة على اخفاق مشروع السلطة أساسا، لأن عملية التجاوز للميراث ألزمها بالضرورة الخضوع للنسق الرسمي في معركة التغيير، وهي من دون مرجعية ميراثية ومن دون أن تتمكن من انتاج بديل لذلك الميراث، من هنا تتضح لنا أسباب العجز المتواصل في الجزائر عن عدم بروز مجتمع سياسي حقيقي وقوي، لتتكرس بالتالي ديمقراطية الواجهة كعائق ابدي للتغيير المرجو والمنشود من الجميع.

والأدهى في مسألة سقوط النخب في معركة التغيير تلك، وبالإضافة إلى كونها فقدت مبررات وجودها بفقدانها مرجعيتها التأسيسية، وميراثها السياسي التكويني، كما أسلفنا، هو أنها اليوم تبدو عبر نشاط المتأخر من أجيالها أعجز ما تكون عن الاستثمار في رصيدها من التجربة الجديدة الذي اكتسبته مذ خرجت من السرية إلى العلنية، وعدم قدرتها تلك على الاستثمار في هاته التجربة هو في حد ذاته إخفاق ذاتي لها قبل الحديث عن أي عامل من العوامل الموضوعية الأخرى.

هذا الاستعصام عن المراجعة الصادقة واللازمة للنخب السياسية في الجزائر، بكل تياراتها الأيديولوجية والفكرية، أفقدها جوهر ما كان يجب أن تحمل من مهمة فاستحالت بتشوهها الوظيفي إلى موضع سخرية من قبل الشعب والفئات المعلمة والمثقفة المتضررة من اخفاق مشروع التغيير.

فعندما يتلهى بعض الاسلاميين مثلا، بمعاودة الحديث اليوم عن محن الاخوان المتتالية من قبل الربيع العربي، ويتعامى عن المحن التي سببها هذا الفصيل للمجتمع لما بعد الربيع بسبب استصنامه الحركي وعدم قدرته على التكيف مع التحولات الكبرى التي عرفها العالم في البني والمفاهيم والممارسات السياسية، فهذا مؤشر واضح على حالة الإفلاس التام لذلك العقل الحركي الذي يحمله هذا التيار ويعكسه ذلك المتنطع الحركي صاحب الملاحظات الشهيرة الذي يستعمل بشكل مضحك أسماء مستعارة في ردود على مقالاتنا!

فاكتراثه بالمحن تلك يظهر لديه أكبر من أن يكترث بمحن الإسلام والمسلمين، التي سببها له أبناء هذا التيار في بطشهم السياسوي الداخلي والخارجي بسبب الزاد الكارثي الذي اقتحم به هؤلاء دور ومؤسسات الحكم في مرحلة ما بعد الربيع العربي في البلدان التي توجوا فيها قبل أن يزاحوا شر ازاحات وهم يسعون لقيادة قُطر بفكر حركي غير متحرك ورصيد من التجربة السياسية عمره ثمانون سنة داخل غيابات الجب والسجن كما وصفه المفكر عبد الله النفيسي والنتيجة كانت انتكاسة لمشروع ديمقراطي في مصر، وانسحاق دراماتيكي لهم ولما خلفوه من إرث حركي.

أما في المغرب فتكفي الإشارة إلى أن مصيبة التطبيع الكبرى جرت في ظل توليهم لحكومة التناوب، ولم يظهروا الشجاعة في التخلي عن الحكم والعودة إلى المعارضة احتجاجا على التطبيع بل واصلوا مهمتهم في تكريس مشروع التطبيع عبر لقاءات وزيارات متبادلة مع وفود ومسئولي الكيان الصهيوني، في وقت كان يهود اليسار المغربي يخرجون إلى الساحات بالمملكة رافضين للتطبيع باعتبار الكيان اليد الباطشة للاستعمار الجديد في المطقة والعالم ككل!

أخيرا وفي هذا السياق تحديدا ، كثيرا ما أبهرني الدكتور أحمد بن محمد، الإسلامي الحقيقي النازع إلى العلمية والنائي بحق عن الفكر الدوغمائي الذي تنتجه ما تسمى بالأحزاب الوطنية والحركات الدعوية والاسلاموية ذات البناء الهرمي الباترياركي – أبهرني – بقدرته الرهيبة على الخروج من شرنفة اللغة وصك لغته التي يقتضيها حال السخرية الذي صارت إليه الاتجاهات والنخب الساسية العلماوية منها والاسلاموية، في الجزائر وفي كافة دول المنطقة، وهي تخبط خبط عشواء في ومرحلة حساسة من تاريخ الجزائر وهو يصف مثلا المشاركة السياسية للإسلاميين بـ”المكارشة” والتحالف الرئاسي الثلاثي الاجوف بـ”التعالف الرئاسي” وهي نعوت خارقة لعوائد المعاجم الجامدة التي تحرصها مجامع لغة عربية خامدة خاملة يأبى كهنتها أن تتغدى من التجربة لا أدري إن كان المتنطع صاحب الملاحظات الشهيرة قد رد عليها وهو يحرس معبد اللغة العربية ويحترس ممن يدنو إليه، في وقت فاقت التآمرات على هذه اللغة كل حدود  من خلال السعي لإلغائها أو تدريجها (الدراجة)، تلك اللغة التي لولا مثقفو المهجر من مسيحي العرب، كسعيد عقل، ميخائيل نعيمة، وجبران خليل جبران وغيرهم، الذين شذبوها وهذبوها حتى تنخرط في ديناميكية إنتاج المعرفة بالعصر ، لظل المتنطع يقرأها بأثقال ما كانت تحمل من أسمال البديع !  صدق محمود فهمي “التحدي كبير والرجال صغار” !

كاتب جزائري

LAISSER UN COMMENTAIRE

S'il vous plaît entrez votre commentaire!
S'il vous plaît entrez votre nom ici